من مفاوضات مسقط إلى ضربات فوردو… حصاد حرب الـ 12 يوما بين إيران وإسرائيل

Image

بين 13 و24 يونيو/حزيران 2025 انفجرت مواجهة مباشرة غير مسبوقة بين إسرائيل وإيران، ووصفت في كثير من النقاشات الإعلامية والصحفية بحرب الـ 12 يوما، بدأت بعملية إسرائيلية مباغتة استهدفت منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي ومواقع عسكرية وشخصيات قيادية، ثم اتسعت سريعا إلى تبادل ضربات صاروخية ومسيرات، وتداخلت فيها معادلات الردع الإقليمي، قبل أن تبلغ ذروتها بدخول الولايات المتحدة عسكريا عبر ضربات على مواقع نووية إيرانية. انتهت الحرب بوقف إطلاق نار تحت ضغط دبلوماسي أمريكي، لكن ارتداداتها بقيت مفتوحة على الاقتصاد والسياسة ومسار التفاوض النووي.، لتمثل واحدة من أهم أحداث هذا العام في إيران، فكيف بدأت الحرب وما حدث فيها، وما الذي تبعها؟

ما قبل الحرب… بين مفاوضات مسقط وروما وقرار الوكالة ضد إيران

خلال أشهر سبقت الحرب، كانت طهران وواشنطن تتحركان على خط دقيق بين التهدئة المدارة والتصعيد المحتمل، فالمفاوضات لم تكن مباشرة، بل جرت عبر وساطة سلطنة عمان، مع إقرار إيراني متكرر بأن القناة غير المباشرة هي الإطار الممكن سياسيا داخليا، فيما كانت واشنطن، والتي جاء على رأس سلطتها مؤخرا دونالد ترامب، تربط أي تقدم بملفين، القيود على برنامج التخصيب وآليات التحقق، مقابل تخفيف وصفته بالفعال للعقوبات.

على الجانب الإيراني، جرى التعامل إعلاميا مع مسقط بوصفها ساحة اختبار النية الأمريكية أكثر من كونها بوابة تسوية سريعة، بينما ظل عامل إسرائيل حاضرا في الخلفية كقوة جذب للتصعيد تراقب أي تفاهم محتمل وتخشى أن يرسخ عتبة نووية لإيران فيما بعد.

في مايو/أيار 2025، تحدثت وسائل إعلام رسمية إيرانية عن جولات متتابعة، وأوردت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية أن المتحدث باسم الخارجية، إسماعيل بقائي، أعلن موعد جولة خامسة من المفاوضات غير المباشرة في عمان، بما يعكس أن المسار كان قائما بالفعل عشية الانفجار العسكري، هذا الإيقاع التفاوضي لم يمنع توسع الهوة، فطهران كانت ترى أنها قدمت تعاونا كافيا ضمن حدود سيادتها، بينما كانت القوى الغربية تعتبر إجابات إيران غير مكتملة بشأن قضايا ضمانات تفتيش مرتبطة بمواد نووية وأنشطة غير معلنة في مواقع محددة، وهو الملف الذي كان يعاد إلى الواجهة دوريا في اجتماعات الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

Image

جاءت اللحظة الفاصلة في 12 يونيو/حزيران 2025، حين أصدر مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية قرارا اعتبر إيران في حالة عدم امتثال لالتزاماتها المتعلقة بالضمانات، وهي، حسب الخبراء، صياغة ثقيلة قانونيا وسياسيا لأنها تفتح الباب نظريا لإحالة الملف إلى مجلس الأمن.

Image

 نقلت وسائل إعلام إيرانية تفاصيل التصويت كما وردت، 19 صوتا مع القرار، و3 ضده، و11 امتناعا، مع توصيف إيراني رسمي للقرار بوصفه سياسيا ونتاج ضغط أمريكي أوروبي، في المقابل، قدم الإعلام الأمريكي سياقا إضافيا بأن هذا التطور هو الأول من نوعه منذ قرابة عشرين عامًا، ما يعني أن «سقف الضغط» وصل إلى مستوى أعلى مما اعتادته طهران في السنوات الأخيرة.

داخل إيران، قدم قرار الوكالة للجمهور باعتباره جزءا من معركة تستخدم فيها أوروبا والولايات المتحدة المؤسسات الدولية لتعظيم الضغط قبل التفاوض. هذا الخطاب لم يكن دعائيا فقط، إذ إن القرار جاء بينما كانت المفاوضات العمانية قائمة ومرشحة لجولة لاحقة، ما جعل طهران تقرأه كمحاولة لفرض شروط من فوق بدلا من إنتاج مقايضة متوازنة، في المقابل، كانت القراءة الغربية ترى أن تراكم مستويات تخصيب اليورانيوم وتراجع الشفافية يفرض حافة إنذار جديدة لا يمكن إدارتها بالمسكنات الدبلوماسية.

هكذا، التقت مسارات ثلاثة فوق سكة واحدة، مفاوضات غير مباشرة بلا اختراق حاسم، قرار رقابي دولي يرفع مستوى الاتهام، واستعداد إسرائيلي للاستباق العسكري إذا شعرت أن نافذة الفرصة تغلق.

الشرارة الأولى ومسار الأيام الـ 12… من ضربة الفجر إلى دخول واشنطن

في الساعات الأولى من فجر الجمعة 13 يونيو/ حزيران 2025، استهدفت الضربات الإسرائيلي بنى مرتبطة بالبرنامج النووي منها نطنز وأصفهان، مع حديث عن استهداف محيط منشآت أخرى إلى جانب قواعد ومراكز قيادة ودفاع جوي، بالتوازي مع عمليات تخريب واختراق نسبت تقارير عديدة بعضها إلى نشاط استخباري. في الإعلام الإيراني، وصفت الضربة بأنها إرهابية، مع تركيز على سقوط قيادات وشخصيات علمية، وعلى وقوع خسائر مدنية في مناطق سكنية.

Image

جاء الرد الإيراني في مساء اليوم نفسه، وذلك على هيئة موجات من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة باتجاه إسرائيل، مع روايات متقاطعة حول حجم الاختراقات ومعدلات الاعتراض، وفي الأيام التالية، أخذ الإيقاع شكلا مألوفا في حروب التكنولوجيا، فإسرائيل تسعى إلى تحييد منصات الإطلاق والدفاعات الجوية وتوسيع فجوة السماء، وإيران تسعى إلى تثبيت معادلة القدرة على الإيلام عبر رشقات متتالية ترهق منظومات الاعتراض وتبقي الجبهة الداخلية الإسرائيلية تحت ضغط الإنذار.

Image

مع انتقال الحرب إلى أيامها الوسطى، ارتفعت حساسية المنشآت النووية بوصفها هدفا ورمزا في الوقت نفسه، بعض التقارير تحدثت عن أضرار كبيرة لحقت بأجزاء من منظومات الطرد المركزي في نطنز وفوردو، مع تأكيد أن صورة الأضرار لم تكن مكتملة بسبب طبيعة المنشآت المحصنة وتضارب المعلومات حول المخزون وحالة المواقع تحت الأرض، هذه الضبابية هي التي دفعت دولا كثيرة للضغط من أجل عودة التفتيش والبيانات الفنية، لأنها تمس سؤالا جوهريا مفاده هل تراجعت القدرة النووية فعلا أم تغير شكلها فقط؟

الانعطاف الأكبر وقع في 22 يونيو/حزيران 2025 عندما نفذت الولايات المتحدة ضربات على ثلاثة مواقع نووية إيرانية: فوردو ونطنز وأصفهان، في عملية حملت اسم مطرقة منتصف الليل، فوق التقارير من طهران، استخدام قاذفات B-2 وقنابل خارقة للتحصينات من طراز GBU-57، إضافة إلى صواريخ توماهوك، باعتبارها أدوات لا تملكها إسرائيل بالقدر نفسه، ما يجعل الضربة الأمريكية، في المنطق العسكري، محاولة إنهاء المهمة ضد أهداف محصنة بعمق. من زاوية طهران، كانت الرسالة سياسية أكثر منها تدميرية، فواشنطن تقول إنها مستعدة للانتقال من دعم الاعتراض والدفاع إلى المشاركة المباشرة إذا تعلق الأمر بالبرنامج النووي.

Image

بعد الضربة الأمريكية، اتجهت الحرب إلى منطقة أقرب إلى حافة الرد المحسوب، حيث ردت إيران باستهداف قاعدة العديد في قطر بصواريخ، مع تأكيدات قطرية وأمريكية بعدم وقوع خسائر بشرية، وهو ما فهمه مراقبون كرسالة حفظ ماء الوجه دون فتح باب حرب أمريكية إيرانية شاملة. في الوقت ذاته، ازداد الزخم الدبلوماسي للتهدئة، وصولا إلى وقف إطلاق نار في 24 يونيو/حزيران 2025 تحت ضغط ووساطة أمريكيين.

قيادات عسكرية فقدت خلال الحرب

لم يكن أبرز ما ميز حرب الـ 12 يوما، استهداف البنية، بل استهداف العقل القيادي، ففي اليوم الأول، تداولت وسائل إعلام إيرانية أخبار مقتل عدد من كبار القادة، على رأسهم حسين سلامي، القائد العام للحرس الثوري، أهمية سلامي لا تنبع من منصبه الرمزي فقط، بل من كونه واجهة خطابية وعسكرية لمرحلة توسع نفوذ الحرس في ملفات الإقليم والصواريخ والردع، فعندما يسقط قائد بهذا الوزن، تتحول الضربة إلى اختبار فوري لسلسلة القيادة.

Image

في السياق نفسه، برز اسم محمد باقري ضمن القتلى، وهو من أعلى المستويات في القيادة العسكرية الإيرانية. فوجود باقري في قوائم القتلى يعني أن الضربة لم تكن موجهة لمستويات التنفيذ فقط، بل طالت مستويات التنسيق الاستراتيجي بين الأفرع والقوى. وفي الحروب الحديثة، هذا النوع من الضربات يهدف إلى خلق لحظة انقطاع، تأخير القرارات، ارتباك الاتصالات، وإجبار المؤسسة على العمل ببدائل طارئة. لكن الوجه الآخر لهذه المعادلة هو أن المؤسسات العقائدية قد حولت الفقد إلى سردية تعبئة.

Image

أما الاسم الذي حمل دلالة مباشرة على قلب الصراع فهو أمير علي حاجي زاده، المرتبط بقيادة القوة الجو فضائية في الحرس الثوري، أي الملف الصاروخي والمسيرات الذي مثل أداة الرد الأساسية، حيث تداولت وسائل إعلام إيرانية خبر مقتله ضمن حصيلة اليوم الأول، ومعه أحاديث عن سقوط قادة آخرين من الدائرة ذاتها، في التحليل العسكري، استهداف قيادة القوة الجو فضائية يعادل محاولة تعطيل يد الرد، أو على الأقل إرباك دورة الإطلاق والتنسيق والتمويه، لأن المعركة هنا ليست معركة دبابات وحدود، بل معركة منصات إطلاق، شبكات تمويه، ومعلومات لحظية.

Image

مع ذلك، لا يمكن التعامل مع هذه الضربات كضمانة لانهيار القدرة الإيرانية، فالمؤسسة العسكرية الإيرانية، حسب محللين، تبنى على تعدد المراكز وتفويض الصلاحيات عند الطوارئ، فما يحدث غالبا هو تغيير تكتيكي في أساليب الإطلاق، وتوسيع الاعتماد على وحدات أقل ظهورا، مع إعادة ترتيب سريع للأسماء في المناصب. لذا، فإن أثر اغتيال القيادات كان مزدوجا، خسارة فعلية في الخبرة والرمزية، يقابلها تسريع لقرار الرد لتأكيد أن الرأس لم يسقط النظام، وهنا تحديدًا تتضح فلسفة حرب الـ 12 يوما، ضربات تصنع صدمة، وردود تسعى لتثبيت التماسك.

ما بعد الحرب… دبلوماسية على الركام وأسئلة بلا أجوبة نهائية

بعد وقف إطلاق النار في 24 يونيو/حزيران 2025، لم تتوقف المعركة، بل تغير شكلها، فقد انتقلت إلى طاولة السياسة عبر ثلاث مسارات متزامنة، مسار تقني يتعلق بتقييم الأضرار النووية وعودة التفتيش، ومسار تفاوضي يتعلق بإحياء أو تعديل التفاهم مع واشنطن، ومسار ردعي يتعلق بقواعد الاشتباك الجديدة بين إيران وإسرائيل، وحول تقييم الأضرار، فقد برزت أسئلة الضرر الحقيقي، هل تعطلت القدرة أم تحولت إلى مشاريع إعادة بناء تحت الأرض؟ الإجابة على تلك التساؤلات أثبتت بأن لا أحد يعرف شي، في وجود تضارب في الرواية الرسمية الغربية نفسها، ووجود تقييمات استخبارية مبكرة تقول إن البرنامج قد يتأخر أشهرا لا سنوات، مقابل روايات أخرى ترى أنه تراجع بعمق.

Image

بدورها، عادت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى الواجهة بوصفها عقدة العقد، فقرار مجلس الحكام المتخذ في 12 يونيو/ حزيران بقي أساسا قانونيا للضغط، ثم أضيفت إليه مطالبة دولية لاحقة بالحصول على معلومات فورية حول المخزون وحالة المواقع المتضررة. وفي المشهد الإيراني، قدمت هذه المطالب غالبا باعتبارها امتدادا لتسيس الوكالة، بينما كانت الحجة المقابلة تقول إن أي انفجار عسكري حول منشآت تخصيب يخلق تلقائيا حاجة لشفافية أعلى، لأن الغموض نفسه قد يصبح وقود حرب جديدة، الأمر الذي دفع البرلمان لوقف التعامل الكامل مع الوكالة الدولية، هكذا صار التفتيش ليس مسألة فنية فقط، بل أداة تفاوض ومؤشر ثقة، أو ورقة مساومة.

Image

على مستوى العلاقات الإقليمية، تحولت الوساطات إلى محور رئيسي، فعمان وقطر عادتا للعب دور القنوات الخلفية، ليس فقط لتثبيت الهدنة، بل لمنع الطلقة التالية التي قد تأتي من خطأ حسابي، صاروخ يوقع قتلى بأعداد كبيرة، أو ضربة على بنية طاقة حساسة، أو اغتيال يفرض ردا بلا سقف. وفي الوقت نفسه، بدا واضحا أن إسرائيل خرجت وهي تريد تحويل ما جرى إلى سابقة ردع، بينما تريد إيران تحويله إلى سابقة صمود، وهو تناقض يجعل الهدنة أقرب إلى استراحة محارب من كونها نهاية ملف، ورغم محاولات التقارب الكثيرة التي تولتها دول إقليمية، كمصر والسعودية، إلا أنه من المرجح أن تندلع الحرب مرة أخرى.

Image

اقتصاديا واجتماعيا، ظهرت آثار الحرب كفاتورة مؤجلة، حيث تصاعد التوتر الداخلي مع ضغط العقوبات وتكاليف الحرب وتعطل بعض القطاعات، في المقابل، كانت السلطة الإيرانية تحاول إبقاء السردية في إطار انتصار الصمود وتقليل أثر الضربة على صورة الدولة، لكن ما لا يمكن إنكاره أن حرب الـ 12 يوما رفعت منسوب المخاطر الاستثمارية والمالية، وأعادت تعريف درجة المخاطرة السيادية لإيران في نظر الأسواق، كما شددت قبضة الأمن على الفضاء العام بحجة مكافحة الاختراقات.

Image

الخلاصة هي أن حرب الـ 12 يوما لم تنه الصراع، بل نقلته إلى مستوى أعلى من العلنية والمباشرة، فقبل يونيو/ حزيران 2025 كان الصدام بين إيران وإسرائيل يدار غالبا عبر الظلال والوكلاء والعمليات المحدودة، وبعدها صار احتمال المواجهة المباشرة جزءا من الحسابات اليومية.