- زاد إيران - المحرر
- 638 Views
يواجه ملايين الإيرانيين كابوساً اقتصادياً يتحول إلى واقع مرير، من أبريل/نيسان إلى أكتوبر/تشرين الأول 2025، قفز مؤشر الأسعار إلى 403.8 نقطة، مسجلاً معدل تضخم عام يبلغ 48.6% – رقم يخفي خلفه قصص آلاف الأسر التي تفقد قدرتها على شراء رغيف الخبز أو دفع فاتورة الكهرباء، وبحسب مصادر رسمية، تم استبعاد أكثر من 8 ملايين شخص من تلقي الدعم النقدي منذ بداية ولاية حكومة بزشكيان.
هذا ليس مجرد إحصاء بارد؛ إنه إعلان حرب على الطبقة الوسطى، التي كانت عماد الأمة، وهي الآن تذوب كالثلج تحت شمس التضخم المتفجر.
صدمة الأسعار
في بداية العام، كان هناك بريق أمل، سياسات تثبيت سعر الصرف وانضباط مالي وعدت بكبح جماح الوحش التضخمي، لكن العالم قلب الطاولة: عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض أشعلت مخاوف عقوبات جديدة، تلتها حرب غزة وحرب الـ 12 يوماً، مضيفة وقوداً على نار الاضطرابات العالمية، الأسواق الإيرانية ردت بسرعة البرق – تدفقت السيولة نحو العقارات كملاذ آمن، مما دفع تكلفة المعيشة لأسرة متوسطة إلى الارتفاع بنسبة 50% مقارنة بأكتوبر/تشرين الأول 2024.
تخيل أسرة في شمال طهران: الأب مهندس، الأم معلمة، يدبران أمرهما بصعوبة بالغة، اليوم، يبتلع الغذاء والخدمات نصف دخلهما، معدل التضخم الشهري في الأغذية بلغ 6.4% – أعلى بنقطة مئوية كاملة من المتوسط العام.. هذا يعني أن اللحم والخضار أصبحا رفاهية، والحليب والبيض والبروتين للأطفال لها حساب دقيق، حصة الطعام في سلة الإنفاق الأسرية مرتفعة جداً، مما يستنزف القدرة الشرائية فوراً، كأنَّ يداً خفية تسحب المال من الجيوب يومياً.
فجوة تبتلع الأحلام
مع تضخم سنوي في الأغذية يصل 38.9%، فشلت سياسات الضبط في تحقيق الاستقرار، الشرائح الاجتماعية تتمايز بسرعة: اتسعت فجوة التضخم بين الشريحة الأولى (الأفقر) والعاشرة (الأغنى) من 1.6 إلى 1.9 نقطة مئوية، الطبقة الوسطى، عمود الاقتصاد الوطني سابقاً، مسحوقة الآن بين تكاليف متفجرة وأجور جامدة كالصخر.
إذا استمر الاتجاه، ستظهر علامات الانهيار الكامل في النصف الثاني من العام 2025 – هجرة مهارات، تراجع إنتاجية، ومجتمع ينقسم إلى فقراء يائسين وأغنياء محصنين، في حوار حصري مع “عصر الاقتصاد”، يرسم عباس سليميان، أستاذ الاقتصاد الجامعي، صورة قاتمة لكن مدعومة ببيانات أكتوبر/تشرين الأول 2025.
“التضخم بنسبة 48.6% ليس رقماً؛ إنه تسارع يغير بنية المجتمع، يأكل القدرة الشرائية ويحول الطبقة الوسطى إلى أثر بعد عين”، يقول سليميان.
ركيزة التوازن مهددة بالانهيار
يوضح سليميان: “الاقتصاد يحتاج ثلاث فئات متزامنة: دخل منخفض (عمال يدويين)، مرتفع (رأس مال وأصول)، ووسطى (خبرة ورأس مال بشري)، الوسطى تنتج السلع، تدفع الابتكار، وتشكل الشركات الناشئة، إضعافها يخل بتوازن العرض والطلب، يقتل محرك المعرفة”.
فشل محرك الطلب: الاستهلاك ينهار، “من الطلب، الوسطى توازن السوق، الفقراء يطلبون قليلاً، والأغنياء سلعاً فاخرة.. بدونها، ينهار الاستثمار المستدام”، يضيف.. مع تضخم شهري 5%، يصبح الصراع الطبقي واقعاً، تدفع القوى الماهرة إلى الأسفل.
السقوط الهادئ
ارتفاع التكاليف يبطئ الأجور، يزعزع الأسواق، “الوسطى تآكل، تضعف الروابط الاجتماعية، معامل جيني يرتفع، الفقر يتسلل إلى الأعلى”، وحذر سليميان من تلاشي أهداف الثورة في مكافحة الفقر مع الانهيار التدريجي: تصبح مدخرات بلا قيمة، “التضخم المزمن يجعل الادخار عديم الفائدة، يقلل الطلب على التعليم والثقافة، يهدر رأس المال البشري”، كما أن السكن والغذاء يأكلان الدخل، يقصيان “الوسطى” من التنمية.
مجتمع ثنائي: بلا وسطية، بلا توازن، “انهيار الوسطى يهدد التماسك. يصبح المجتمع فقراء وأغنياء، يتراجع الحوار والثقة. الحكومات تفشل في النمو بدون توازن الدخول”، يؤكد سليميان.. مع انتقال بطيء إلى الأسفل، وفي سنوات قليلة، تختفي الطبقة الوسطى تماماً.
الكارثة الهيكلية
بيانات أكتوبر/تشرين الأول 2025 تكشف نظام عدم استقرار: تضخم نقطة إلى نقطة 48.6%، نمو شهري 5%، الأسعار تنمو أسرع من الدخل، تدفع الوسطى خارج أسواق التعليم والصحة، الإنتاجية تضعف، الطلب المحلي يتراجع مع تجارب دول التضخم المزمن – مثل فنزويلا أو زيمبابوي – تظهر هجرة العمالة والمهندسين المهرة، وانخفاض الإنتاجية، تفاوت متفجر، في إيران، بدون إصلاحات نقدية ومالية واجتماعية عاجلة، ينتظرنا مجتمع منقسم: فجوة تتسع شهرياً، نمو متقلب، ركود عميق، دورة فقر أوسع.
وفقًا لتقرير مركز الإحصاء، منذ يوليو/تموز 2025 يتربع قطاع الأغذية والمشروبات على عرش التضخم الشهري، متفوقاً على كل السلع والخدمات الأخرى، هذا الارتفاع المُستمر في أسعار الطعام والشراب لم يعد مجرد أرقام على ورق؛ بل صار ضربة يومية في ميزانية كل أسرة، وحملاً ثقيلاً يُثقل كاهل الفقراء أكثر من غيرهم.
تشمل هذه المجموعة كل ما يُشكّل وجبة الإنسان: الحبوب النانوية، اللحوم الحمراء والبيضاء والأسماك، الحليب والجبن والبيض، الزيوت والدهون، الفواكه والمكسرات، الخضروات، السكر والمربى والعسل، الحلويات والشوكولاتة، الشاي والقهوة، المشروبات الغازية… وغيرها الكثير.
سلة المعيشة تحت خط الفقر
تبرز سلة المعيشة كمرآة صادقة أكثر من إحصاءات التضخم الرسمية في عام 2025، تقارير لجنة الأجور تكشف: تكلفة هذه السلة لأسرة حضرية في طهران تتربع الآن على عرش 350 إلى 400 مليون ريال (ما بين 8,300- 9,500 دولار أمريكي) – رقم يجعل الحد الأدنى للأجور يبدو كقصة خيالية في رأس المسؤولين فقط.
تخيل: الحكومة ترسم خطاً أحمر عند 300 مليون ريال (حوالي 7,140 دولار) لإلغاء الدعم، بينما الواقع يصرخ بـ400 مليون لمجرد البقاء على قيد الحياة.
هنا، العُشر الأعلى – حسب تعريف السلطة – يتمايلون على حافة الهاوية، أو يغرقون تحتها، فارق الـ 100 مليون ريال (حوالي 2,381 دولار أمريكي) ليس مجرد ثغرة حسابية؛ بل فجوة تبتلع آمال الملايين، تحول “التنظيم” إلى أداة إفقار جماعي، كأنها سياسة مصممة لتحويل الطبقة الوسطى إلى أشباح في مدينة الأحلام المفقودة، وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، سجّل الخبز والحبوب أعلى معدل تضخم شهري بنسبة 98%، كأن رغيف الخبز تحول إلى ذهب!
تلته الفواكه بنسبة 94%، والخضراوات بنسبة 77%، فصار السوق ساحة معركة يومية بين الجيوب والأسعار.
في ظلال التضخم: حين يصبح الـ300 مليون ريال مجرد وهم
تخيّل أسرة إيرانية تعيش على دخل إجمالي يبلغ 300 مليون ريال شهرياً – رقم يبدو كبيراً على الورق، لكنه في الواقع يرقص على حافة الهاوية، هذه الأسرة لا تسبح في بحر الرفاهية، بل تكافح لتبقى صاعدة فوق خط الفقر الذي يرتفع كالمدّ الجارف، عمال يجمعون بين وظيفتين، ممرضون يقضون أكثر من عشر ساعات يومياً في المستشفيات، معلمون يدرّسون دروسًا إضافية، وموظفون في القطاع الخاص يركضون خلف فواتير الإيجار، الطعام، المواصلات، تعليم الأطفال، والعلاج الطبي.
رغم كل هذا الجهد اليومي المتواضع، يظل الدخل كالريح: يدخل من باب ويخرج من آخر، غير قادر على موازنة النفقات، فإذا كانت تكلفة المعيشة الحقيقية تتجاوز الدخل المعلن بكثير، كيف يُعقل أن يُستخدم هذا الرقم كسيف لقطع الدعم؟
في تفسير وزير العمل أحمد ميدري لاستبعاد بعض الأسر من الدعم، يُعتبر امتلاك منزل أو سيارة دليلاً على “الشريحة العليا”.
لكن بنظرة سريعة إلى الواقع بعين حقيقية: ملايين الأسر الحضرية ذات الدخل المتواضع تمتلك شققاً صغيرة اشترتها بقروض ثقيلة كالجبال، أو سيارات قديمة متهالكة ورثتها عن الأجداد أو اشترتها بمساعدة أسرية.. هذه الأصول ليست تاج الثراء، بل غالباً ما تتحول إلى أعباء إضافية: صيانة السيارة تكلف ملايين الريالات وإصلاح المنزل يأكل من ميزانية الشهر، إنها مجرد قشرة خارجية تخفي داخلًا يئن تحت الضغط المال.
وبعبارات أخرى، تركز مؤشرات وزارة العمل على الأصول الظاهرة كالصورة الثابتة، بينما يعتمد الاقتصاد الأسري الإيراني على التدفق النقدي اليومي – ذلك النهر الجاري الذي يجف بسرعة أمام غول التضخم الجامح، لا على الأصول الاسمية التي تبدو لامعة من بعيد.
قرار يهز أركان العدالة
أعلن أحمد ميدري بكل جرأة: “سنستبعد نحو 27 مليون شخص من قوائم الدعم، لإلغاء أعلى ثلاث شرائح”، بدأت العملية منذ مطلع العام 2025 باستبعاد ثلاثة ملايين شهرياً، حتى لو كان الهدف “استهداف الدعم” نبيلاً، فإن الاعتماد على مؤشر بعيد كل البعد عن خط الفقر الفعلي يولد أخطاء فادحة: استبعاد أسر تكافح لتغطية احتياجاتها الأساسية، أو إدراج من لا يستحقون.. هكذا، تتحول السياسة إلى سيف ذي حدين ينسف أحلام الطبقة المتوسطة.
وكما أعلن جودرزي، رئيس مركز الإحصاء، فإن المركز ليس مسؤولاً قانونياً عن تحديد خط الفقر – تلك المهمة تقع على عاتق وزارة الرعاية الاجتماعية، لكن الغموض ما زال يحكم: خط الفقر الرسمي لا يزال مخفياً غير معلن بدقة أو شفافية واضحة، في غياب هذا المؤشر الواضح، تُبنى قرارات الشرائح على تخمينات أو متوسطات دخل وهمية، لا على نبض المعيشة اليومية وحتى يتم التوفيق بين خط الفقر وبيانات الاستهلاك الفعلي والتضخم المتسارع، لن يكون أي رقم – حتى الـ300 مليون ريال – أساسًا مقنعًا لقطع الدعم، فالعدالة لا تبنى على أوهام، بل على واقع يلمسه الناس في كل لقمة عيش.

