- زاد إيران - المحرر
- 606 Views

كتب: الترجمان
تواجه الدبلوماسية الإيرانية مرحلة تجمع بين تصعيد الخطاب الأيديولوجي تجاه الولايات المتحدة، وبين استمرار تبادل الرسائل غير المباشرة عبر وسطاء إقليميين كعُمان وقطر. ففي حين يؤكد المرشد الإيراني أن الخلاف مع واشنطن “جوهري”، تبقي طهران قنوات التواصل مفتوحة لتجنب التصعيد وللبحث عن مخارج اقتصادية في ظل ضغط العقوبات.
هذه المفارقة بين المعلن والمخفي ترسم ملامح لحظة سياسية دقيقة قد تُمهد لجولة تفاوض غير مباشرة، وإن بقيت محصورة في أطر تقنية بعيداً عن أي تقارب استراتيجي واسع.
المأزق بين التصعيد الأيديولوجي والضرورة الواقعية
هيمنت كلمة المرشد الإيراني علي خامنئي الأخيرة على عناوين الصحف الإيرانية الصادرة الثلاثاء 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، حيث أكد أن “الخلاف مع أمريكا جوهري وليس تكتيكياً”، وأن التعاون غير ممكن ما دامت واشنطن تدعم إسرائيل وتتدخل في شؤون المنطقة.

هذا التصريح، الذي يغلق الباب نظرياً أمام أي تقارب استراتيجي شامل، جاء متزامناً مع إقرار المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، بأن “تبادل الوسطاء للرسائل مستمر” بهدف تقريب وجهات النظر، رغم نفيه أن يكون ذلك قد أدى إلى بدء عملية تفاوض مباشرة حالياً.
هذا التناقض بين الخطاب الأعلى والأكثر جموداً، وبين الآلية الدبلوماسية المرنة، يكشف عن مأزق طهران الدبلوماسي. إنها تصر على تثبيت المواجهة الأيديولوجية كسياسة ثابتة، مع الإقرار بضرورة الحفاظ على قنوات اتصال تحسباً لتطورات إقليمية أو اقتصادية مفاجئة، مما يضع حكومة الرئيس مسعود بزشكيان في ميزان دقيق بين تنفيذ الوعود الاقتصادية تحت الضغوط، والالتزام بالثوابت السياسية.
دلالة الخلاف الجوهري
عندما يُصنّف المرشد الإيراني الخلاف مع واشنطن بأنه “جوهري”، فإن الخطاب يتجاوز مجرد التكتيكات الدبلوماسية أو القضايا الخلافية المحددة مثل البرنامج النووي، ليصبح ترسيمة أيديولوجية دائمة. هذا الترسيم يخدم ثلاثة أهداف رئيسية في توقيت بالغ الحساسية:
أولاً: تثبيت العقيدة الداخلية: يضمن التصريح عدم قدرة أي تيار إصلاحي أو براغماتي على الذهاب بعيداً في أي مفاوضات قد تُقام لاحقاً. إنه يرسخ عقيدة عدم الثقة بالولايات المتحدة داخل المؤسسات، ويجعل أي تفاوض مستقبلي مقتصراً على قضايا تقنية ومحددة (مثل الملف النووي أو تبادل السجناء) دون المساس بالهيكل الإقليمي أو العقائدي للدولة.
هذا الترسيم يهدف إلى منع تكرار سيناريوهات سابقة اتهمت فيها تيارات داخلية بتقديم تنازلات “غير مبررة” مقابل وعود لم تتحقق.
الرد على الضغط الأمريكي المتصاعد: يأتي هذا التشدد بالتوازي مع تصعيد أمريكي جديد. فبحسب التقارير، يتوجه جون هيرلي، وكيل وزارة الخزانة الأمريكية لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية، في جولة إلى الشرق الأوسط لـ “مناقشة الضغط على إيران”.
هذا التحرك يستهدف شبكات التمويل الإيرانية ويهدف إلى تضييق الخناق على الاقتصاد الذي يعاني بالفعل. لذلك، يُنظر إلى خطاب خامنئي على أنه رفع لسقف المطالب ومحاولة للتأكيد على أن الضغط المالي لن يدفع طهران نحو التنازل، بل نحو التمسك بالثوابت.
التمايز عن الملف النووي: بفصل “الخلاف الجوهري” عن المفاوضات، تهدف إيران إلى إبقاء الملف النووي كقضية قابلة للحل التقني المشروط، بعيداً عن التعقيدات الأيديولوجية والملفات الإقليمية التي تصر طهران على عدم مناقشتها مع الغرب، مما يتيح هامشاً للمناورة حول العقوبات.

دور الوسطاء: جسر النجاة تحت الطاولة
على الرغم من هذا الجمود الأيديولوجي في الخطاب الرسمي، تُعد الإشارة إلى استمرار “تبادل الرسائل لتقريب وجهات النظر” عبر الوسطاء مؤشراً حيوياً على أن قنوات إدارة الأزمة لا تزال نشطة وضرورية.
هذه الرسائل، التي تُنقل غالباً عبر عواصم المنطقة مثل سلطنة عُمان وقطر، تخدم عدة وظائف استراتيجية تهدف إلى تحقيق مكاسب اقتصادية وأمنية في الظل، بعيدا عن ضوء التصريحات الملتزمة بالثوابت.
تتيح هذه القنوات ما يُعرف بـ الدبلوماسية القسرية. فالرسائل غير المباشرة تسمح بمناقشة شروط رفع العقوبات أو إطلاق سراح السجناء، وهو أمر ضروري ومُلِح لحكومة بزشكيان التي تواجه تحديات اقتصادية داخلية هائلة، خاصة بعد التراجع عن وعودها الكبرى في الخطة السابعة للتنمية.
هذه القنوات تلعب دوراً حيوياً في تجنب سوء التقدير الأمني. في ظل حالة التوتر الإقليمي وملفات الاشتباك الساخنة في المنطقة، تضمن الاتصالات غير المباشرة عدم وقوع اشتباك مباشر غير مقصود أو سوء فهم قد يجر المنطقة إلى حرب أوسع، وهو ما تسعى كلتا العاصمتين لتجنبه.
تُستخدم هذه القنوات من أجل المناورة النووية. الرسائل تسمح بمرونة أكبر في مناقشة تفاصيل العودة المحتملة للطرفين إلى التزاماتهما، خاصة بعد تصريح الرئيس بزشكيان بأن طهران “سنعيد بناء منشآتنا النووية بقوة أكبر“، وهو تصريح يمثل ورقة ضغط قوية تحتاج إلى قناة سرية وفعالة لإيصال مدى جدية التهديد وعرض شروط التراجع عنه مقابل امتيازات اقتصادية.

النووي في مواجهة الفشل الاقتصادي
يتأكد هذا الموقف المعقد بتزامنه مع الأزمة الاقتصادية التي تواجهها طهران. فقد اضطرت منظمة التخطيط والميزانية مؤخرا إلى خفض أهداف خطة التنمية السابعة جذرياً (من 8% نمو إلى 2.5%، ومن مليون وظيفة إلى 300 ألف، معللة ذلك بـ نقص الموارد المالية وضعف القدرات التنفيذية في ظل استمرار العقوبات.
هذا يضع الحكومة الإيرانية في مأزق حقيقي، فنجاح بزشكيان السياسي والإصلاحي مرتبط بقدرته على تخفيف الضغط الاقتصادي وفتح الأفق أمام الاستثمار، وهو ما لا يمكن تحقيقه فعلياً دون تسوية، ولو جزئية، للملف النووي تؤدي إلى تدفق بعض الأموال المجمدة أو تسهيل تصدير النفط.
في المقابل، يمثل تصريح الرئيس بشأن إعادة بناء المنشآت النووية محاولة للحفاظ على توازن الرعب داخلياً وخارجياً، حيث إن التصعيد النووي هو الرد الإيراني التقليدي على التضييق المالي.
إن الحالة الراهنة للدبلوماسية الإيرانية مع الولايات المتحدة هي حالة من “الجمود النشط”. والإغلاق المعلن لباب التعاون الأيديولوجي يهدف إلى إرضاء التيار المحافظ داخلياً وتثبيت قواعد التفاوض، بينما يُبقي الحوار غير المباشر، الذي تديره عواصم المنطقة، خطوط النجاة الاقتصادية والأمنية مفتوحة.
من المرجح أن تشهد الفترة المقبلة تكثيفاً لتبادل الرسائل عبر الوسطاء للبحث عن “صيغة تقنية” للعودة إلى الاتفاق النووي أو إبرام “اتفاق مؤقت” يهدف إلى تخفيف العقوبات مقابل تجميد جزء من الأنشطة النووية. إلا أن أي تقدم سيكون بطيئاً ومعقداً؛ حيث إن الثوابت الأيديولوجية التي رسخها المرشد الإيراني علي خامنئي ستظل هي الحجر العثرة أمام أي تطبيع حقيقي، وسيستمر بزشكيان في محاولة الموازنة الصعبة بين متطلبات الداخل وجمود السياسة الخارجية.

