بزشكيان بين خيار تغيير الوجوه الوزارية أو الصدام مع البرلمان

الرئيس الايراني مسعود بزشكيان

تعيش الحكومة الإيرانية الراهنة لحظة سياسية حاسمة، وقد بلغت العلاقة بين الرئيس مسعود بزشكيان والبرلمان الإيراني مرحلة من التوتر المكتوم الذي يهدد بالتحول إلى صدام مفتوح، فبعد مرور أكثر من عام على تشكيل الحكومة، تزداد الانتقادات الموجهة لأداء عدد من الوزراء الذين لم ينجحوا، وفق تقييمات البرلمان والخبراء السياسيين، في إدارة ملفاتهم أو التعامل مع الأزمات المتراكمة في البلاد. ومع تعالي الأصوات المطالبة بإجراء تعديل وزاري واسع، يقف الرئيس أمام خيارين، إما الإبقاء على طاقمه الوزاري والتمسك بفكرة الوفاق الوطني التي رفعها، أو المضي في تغيير بعض الوجوه لتفادي مواجهة حادة مع البرلمان، وبين هذين الخيارين تتشكل معالم المشهد السياسي الإيراني الداخلي للمرحلة المقبلة.

بزشكيان والإبقاء على فريقه الوزاري… حسابات سياسية وهواجس مستقبلية

منذ بداية ولايته الرئاسية في أغسطس/آب 2024 قدم بزشكيان نفسه باعتباره رئيسا يهدف إلى رأب الصدع بين القوى السياسية المختلفة عبر سياسة سماها هو بالوفاق الوطني، وعلى خلاف ما توقعه جماعة من أنصاره الإصلاحيين، مضى الرئيس في تعيين شخصيات تنتمي إلى تيارات مختلفة بما في ذلك مديرون من حكومة إبراهيم رئيسي، الرئيس الإيراني السابق، ومن المحسوبين على التيار الأصولي، وقد أراد بزشكيان من تلك الخطوة إرسال رسالة مفادها أن حكومته ليست حكرا على تيار بعينه، بل هي محاولة لصياغة أرضية تفاهم سياسي تتيح إمكانية تجاوز الانقسامات الداخلية.

Image

غير أن هذه السياسة، التي روج لها الرئيس باعتبارها طريقا لتخفيف التوتر السياسي وتسهيل التعاون بين السلطات، أدت، وفق محللين وكتاب صحافيين، إلى نتيجة معاكسة، فقد ظهر أن بعض الوزراء الذين اختارهم تحت عنوان الوفاق لم يكونوا قادرين على إدارة ملفاتهم، سواء لعدم توفير الوقت اللازم أو الاصطدام بالواقع العملي للعمل، في حين حاول آخرون، كما يقول معارضوه من داخل المعسكر الإصلاحي ، وضع العوائق في طريق الحكومة، بل وتسريب وثائق بهدف إحراج الرئيس سياسيا، ومع تراكم ملفات الفشل في وزارات الطرق والإسكان، والعمل والتضامن الاجتماعي، والطاقة، والزراعة، وجد بزشكيان نفسه في موقف دفاعي لم يكن يتوقعه.

ومع أن البرلمان قد قدم أربع طلبات استجواب رسمية بحق وزراء تلك الوزارات، ظل الرئيس متمسكا بالوجوه نفسها، بل ظهر في بعض المناسبات داعما صريحا لبعضهم، وعلى رأسهم وزيرة الطرق والإسكان فرزانه صادق، هذا الموقف الصلب الذي تبناه بزشكيان أثار التساؤلات داخل التيار الإصلاحي قبل التيار الأصولي، إذ رأى كثيرون أن الإصرار على الإبقاء على وزراء ضعفاء، كما وصفوا في بيانات عدد من النواب، يشكل عبئا سياسيا على الحكومة، ويعرضها لمواجهة مباشرة مع البرلمان في وقت يحتاج فيه الرئيس إلى تمرير مشاريعه الاقتصادية والاجتماعية.

Image

وتبرز هنا معضلة حقيقية لبزشكيان، فإذا استجاب لضغط البرلمان وأقدم على تعديل وزاري، سينظر إليه كأنه قد تراجع عن مبدأ الوفاق الذي دافع عنه منذ اللحظة الأولى، وربما يفقد جزءا من قدرة القيادة الهادئة التي حاول بنائها، أما إذا تمسك بالوزراء، فهو يغامر باشتعال مواجهة حادة مع البرلمان، مواجهة قد تؤدي إلى شلل حكومي مؤقت وإدارة وزارات عبر وكلاء لعدة أشهر، بما يهدد ما تبقى من الثقة العامة بالسلطة التنفيذية.

ويرى مراقبون أن الرئيس بات يدرك أخيرا حجم الكلفة السياسية التي يدفعها نتيجة تمسكه ببعض الوزراء، لا سيما بعد أن أصبح عجزهم موضع إجماع بين المحللين وحتى بين حلفائه السابقين، ومع ذلك، يبدو أن بزشكيان يعتقد أن التراجع في هذا التوقيت سيضرب مصداقيته، وأن الاستجابة لضغط البرلمان ستدفعه إلى الدخول في منطق المحاصصة الذي حاول تفاديه، في المقابل، يتساءل خصومه هل يمكن للرئيس أن يخوض ما تبقى من ولايته محملا بوزراء فقدوا القدرة على إقناع الرأي العام؟

ولأن حكومة بزشكيان بدأت بالفعل تفقد رصيدها الاجتماعي، بحسب استطلاعات وآراء نشرت في عدد من الصحف الإصلاحية نفسها، فيرى البعض أن الرئيس يقف أمام لحظة حاسمة، فإما تغيير الوجوه وفتح صفحة جديدة، أو الإبقاء عليهم بما يعنيه ذلك من صدام محتوم مع البرلمان وتآكل إضافي في ثقة الشارع.

انتقادات الإصلاحيين والأصوليين… معركة الخطاب السياسي

على الرغم من أن البرلمان الذي يلوح بالاستجوابات يعتبر كتلة أصولية صرفه، فإن التيار الإصلاحي كان الأكثر صراحة في انتقاد أداء وزراء بزشكيان، ففي تقارير صحف مثل جهان نيوز وآرمان ملي وآرمان امروز، بدا واضحا أن التيار الإصلاحي يرى أن الإبقاء على الوزراء الحاليين يعد تعنتا سياسيا من الرئيس، ويعكس، وفق توصيفهم، انعدام الجرأة على اتخاذ قرارات حاسمة لحماية الحكومة من الانهيار الإداري.

هذا فيما شكلت وزيرة الطرق والإسكان، فرزانه صادق، محورا أساسيا للهجوم البرلماني والإعلامي، فقد أشار نواب مثل زينب قيصري إلى أن الاستجواب بحق الوزيرة مدعوم بأكثر من 70 توقيعا، وأن أداءها خلال 15 شهرا لم يحقق أي اختراق في ملفات تعثرت لسنوات، مثل أزمة الإسكان وجمود مشاريع البنية التحتية، هذا الهجوم وجد صدى واسعا في الصحافة الإصلاحية والأصولية على حد سواء التي رأت في دفاع الرئيس عنها مجازفة غير مبررة.

Image

في المقابل، حاولت بعض الصحف الإصلاحية رسم صورة مختلفة، معتبرة أن الهجوم على الوزيرة موجه ضد كونها امرأة لا ضد أدائها، بينما اتهمت صحيفة اعتماد النواب بالعداء للنساء، وقالت إن الوزيرة تتعرض لـتشويه منظم، غير أن هذا الخطاب بدا ضعيف التأثير، إذ لم يقدم حججا مقنعة بشأن إنجازات الوزيرة، بل لجأ إلى، حسب محللين، خطاب عاطفي لم يغير شيئا من الصورة العامة حول ضعف الأداء.

Image

وحين تحدث حسن خميني، حفيد روح الله الخميني قائد الثورة الإيرانية وأحد الشخصيات السياسية المؤثرة، داعما للوزيرة، لم يسهم ذلك في تهدئة الأجواء، حيث تبنى الخطاب الإعلامي أن الحجج التي ساقها بدت شخصية، تركز على صفات أخلاقية لا على نتائج ملموسة، كما أن المتحدثة باسم الحكومة، فاطمة مهاجراني، هاجمت النواب متهمة إياهم بالتسييس، ما أثار المزيد من التوتر بين السلطتين.

Image

 كذلك فقد وصفت أشرف بروجردي، الناشطة الإصلاحية، غياب التغيير بأنه مضعف للثقة العامة، وقال محمد عطريانفر، الصحفي والسياسي الصلاحي وعضو الأمانة العامة لحزب كوادر البناء، أن حكومة الوفاق لم تحقق الحد الأدنى من توقعات الناس، أما غلام حسين كرباسجي فقد كتب مخاطبا الرئيس” صافحت الشعب بوعود في الانتخابات، فهل أنت متمسك بتلك المصافحة؟”.

Image

هذه الانتقادات المتقاطعة من الأصوليين والإصلاحيين وضعت بزشكيان في موقع دفاعي غير مسبوق، حيث بات واضحا أن الدعم الإعلامي لحكومته يتراجع، وأن الخطاب السياسي يميل نحو اعتبار التعديل الوزاري ضرورة وطنية لا خيارا سياسياً

كذلك، فتشير مقالات مثل تلك التي كتبها أحمد زيد آبادي، الصحفي الإصلاحي، إلى أن المشهد يتجه نحو سيناريو متشائم إذا لم يقدم الرئيس على تغيير وزرائه، ويرى زيد آبادي أن الإبقاء عليهم سيعرقل تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، ويجعل الحكومة عاجزة عن مواجهة الاحتقان في الشارع.

Image

بهذا يصبح بزشكيان محاصرا بين تيار أصولي يبحث عن فرصة لإحراجه، وتيار إصلاحي يشعر بأنه ربما استبعد من الحكومة، ورأي عام يفقد الثقة شيئا فشيئا، وفي ظل هذا التقاطع، يبدو أن التعديل الوزاري، إن تم، فلن يكون مجرد خطوة إدارية، بل معركة سياسية تحمل تأثيرات واسعة تتجاوز حدود الحكومة نفسها.

من هم الوزراء المحتمل خروجهم من الحكومة؟

تشير التسريبات البرلمانية والصحفية إلى قائمة شبه واضحة للوزراء المهددين بالخروج، وهي وزارات توصف بأنها الأكثر التصاقا بحياة الناس، وأن ضعف إدارتها بات ينعكس مباشرة على الاقتصاد والمجتمع، وقد بدأ الحديث يدور حول أربعة وزراء على وجه الخصوص

بالطبع، تتصدر فرزانه صادق، قائمة المرشحين للخروج من الحكومة، فالاستجواب المقدم بحقها مدعوم بأكثر من 70 توقيعا، فتتهم بأنها فشلت في تحريك مشاريع البنية التحتية، كما ينظر إلى أدائها على أنه امتداد لحالة الجمود التي شهدتها الوزارة في السنوات الأخيرة، ورغم دفاع الرئيس عنها وزياراته المفاجئة للوزارة، فإن البرلمان يبدو مصمما على محاسبتها.

Image

يأتي بعد ذلك أحمد ميدري، وزير العمل والتضامن الاجتماعي، والذي تفيد تقارير أن استقالته كانت مطروحة، وأن هناك بالفعل أسماء أخرى مطروحة على الطاولة لخلافته، وتعود أسباب استجوابه إلى ضعف سياسات التأمين الاجتماعي، وتدهور أوضاع صناديق التقاعد، وزيادة الاحتجاجات الاجتماعية المرتبطة بقضايا المعيشة.

Image

كذلك، يواجه وزير الزراعة، غلامرضا نوري، انتقادات حادة تتعلق بإدارة السوق الزراعية وفشل الوزارة في ضبط أسعار السلع الأساسية وتأمين المدخلات الزراعية، وتحدثت تسريبات عن عدة أسماء تطرح كخليفة محتمل.

Image

وأخيرا يأتي الطاقة، عباس على آبادي، حيث يعاني هذا الوزير ضغطا متزايدا بسبب أزمة الكهرباء والمياه، وتزايد الانقطاعات، وضعف الاستثمار في البنية التحتية للطاقة، ويعتبر النواب أن استمرار هذا الوضع ينذر بتفاقم الشتاء الاقتصادي القادم.

Image

هذا على أن مصادر غير مؤكدة قد أفادت أن اثنين من هؤلاء الوزراء قدموا استقالة استباقية بشكل غير معلن، في محاولة لتخفيف حدة الأزمة، وأن الحكومة جهزت فعلا أسماء لمرحلة انتقالية في حال تسوية سياسية مفاجئة، غير أن التقييمات السياسية ترى أن التغيير الوزاري لا يتعلق فقط بهؤلاء الوزراء، بل بصورة الحكومة وقدرتها على المبادرة.

يقف الرئيس مسعود بزشكيان أمام منعطف سياسي حاسم، فالإصرار على الإبقاء على وزراء أثبتوا ضعفهم يضعه في مواجهة مباشرة مع البرلمان ومع قطاعات واسعة من الرأي العام، بينما يمثل التعديل الوزاري فرصة لإعادة بناء الثقة وإحياء مشروع الإصلاح الذي حملته حكومته، وبين خيار التغيير وخيار المواجهة، يتحدد مستقبل ما بقي من عمر الحكومة الإيرانية الرابعة عشر، في مشهد تتداخل فيه الحسابات السياسية مع الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، وتتعاظم فيه الحاجة إلى قرار حاسم لا يحتمل التأجيل.