- زاد إيران - المحرر
- 443 Views
في صباح يوم 9 سبتمبر/أيلول 2025، اهتزت العاصمة القطرية بانفجارات عنيفة، حيث شنت إسرائيل هجوما جويا مدروسا بطائرات مسيرة على مقر وفد حماس التفاوضي في الدوحة، هذا الهجوم، الذي أعلنته وسائل إعلام إسرائيلية بأن الولايات المتحدة أعطت الضوء الأخضر له، لم يسفر عن مقتل القادة الرئيسيين للحركة، لكنه أثار موجة من الغضب العالمي وألقى بظلال قاتمة على المفاوضات المتعثرة لإنهاء الحرب الجارية في غزة.
فيما يُعتبر انتهاكا صارخا لسيادة دولة وسيطة رئيسية، يأتي هذا الفعل كدليل جديد على استراتيجية إسرائيلية يائسة، تُغامر بكل شيء لتجنب الانهيار الداخلي، وسط تصاعد الاحتجاجات الداخلية وفقدان الثقة في حكومة بنيامين نتنياهو، هذه الحادثة ليست مجرد صراع إقليمي، بل تحول استراتيجي كبير يُهدد بإشعال حرب إقليمية واسعة، مع توقف تدفق المساعدات الإنسانية إلى غزة المنكوبة مرة أخرى، تاركا ملايين النساء والأطفال في مواجهة المجاعة والحصار والدمار.
وفي هذا السياق قال قاسم محبالي، المدير العام السابق لشؤون الشرق الأوسط ومحلل قضايا غرب آسيا، إن الهجوم الإسرائيلي على مقر حماس في الدوحة يعكس سياستها العنيفة الثابتة، متجاهلة اتفاقيات المفاوضات التي أُنشئت بالتنسيق مع أمريكا لمنع التصعيد، وأوضح محبالي أن الحدث قد يؤثر على علاقات إيران بالعرب، مشيرا إلى ثلاثة محاور صراع: فلسطين-إسرائيل، إيران-إسرائيل، إيران-العرب.
وأكد أن تحول الصراع الإيراني-العربي إلى تعاون قد يعزل إسرائيل، لكن استمرار الصراعات الثلاثة يحافظ على الوضع الراهن، خاصة مع دول عربية كالإمارات ومصر غير مستعدة لقطع علاقاتها مع إسرائيل، داعيا إلى ضرورة حدوث تفاهم “إيراني-عربي”، يركز على أن إسرائيل هي التهديد الرئيسي، مع قرارات إقليمية لقطع العلاقات معها، لتحقيق مصالح إيرانية وعربية مشتركة.
إسرائيل في قفص الاتهام
رغم الهجمات المتواصلة على غزة، التي تجاوزت 700 يوم من الدمار، فشلت إسرائيل في تحقيق أهدافها المعلنة: لا استعادة للأسرى، ولا إنهاء للمقاومة الفلسطينية، وبحلول سبتمبر/أيلول 2025، بلغ عدد الشهداء الفلسطينيين أكثر من 65,000، مع آلاف آخرين تحت الأنقاض، فيما يُصنف الخبراء هذه الحرب كأطول وأكثر تدميرا في تاريخ الصراع.
نتنياهو، المواجه لاتهامات بجرائم حرب أمام المحكمة الجنائية الدولية، يُكرر شعاره “لا أحد يمنع إسرائيل من مهاجمة أعدائها”، لكن الواقع يروي قصة مختلفة: خسائر اقتصادية تجاوزت 200 مليار دولار، وانهيار في الرأي العام العالمي، حيث أصبحت إسرائيل رمزا للعنف الممنهج.
في إسبانيا، في أعقاب الاحتجاجات الواسعة النطاق في سباق الدراجات الهوائية “فويلتا أ إسبانيا”، قاد رئيس الوزراء بيدرو سانشيز حملة لفرض عقوبات رياضية على إسرائيل، مقارنا إياها بروسيا بعد غزو أوكرانيا، وأعلن وقف مرور السفن المحملة بالأسلحة عبر موانئها، مما يعكس تحولا أوروبيا نحو دعم فلسطين.. هذه العزلة ليست مصادفة؛ فالحرب امتدت إلى لبنان وسوريا واليمن، دون أن تكسر إرادة “محور المقاومة”، الذي يواصل هجماته الصاروخية رغم الاغتيالات.
النووي الإيراني
في مواجهة الضغوط الغربية، زادت إيران إنتاج اليورانيوم المخصب إلى 60%، مما أثار مخاوف الغرب وإسرائيل، رغم تأكيد طهران على السلمية، بحلول سبتمبر/أيلول 2025، علقت إيران تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA)، وسط مطالب من نواب متشددين ببناء قنبلة نووية كرد على العقوبات.
الهجوم الإسرائيلي في يونيو/حزيران 2025، الذي اغتال قادة في الحرس الثوري وتسعة علماء نوويين، لم يوقف البرنامج؛ بل أدى إلى رد إيراني قوي، حيث اخترقت صواريخها الباليستية دفاعات إسرائيل مثل “القبة الحديدية”، مما أثار ذعرا داخليا وإجلاء سكان. الولايات المتحدة، تحت قيادة ترامب، تُهدد بـ”snapback” للعقوبات، لكن إيران توقع صفقة مع روسيا لبناء محطات نووية جديدة، مما يعزز تحالفها الشرقي، هذا التصعيد يُبرز تناقضا غربيا: دعم إسرائيل ذات الـ200 رأس نووي، مقابل عقوبات على إيران التي ترفض التسلح النووي.
زانغزور: ممر الطموحات الأمريكية لمحاصرة إيران وإعادة رسم القوقاز
في جنوب القوقاز، يتقدم مشروع ممر زانغزور بسرعة، حيث أكملت أذربيجان 67% من أعمال البناء للسكة الحديدية بحلول أغسطس/آب 2025، هذا الممر، الذي يبلغ طوله 50 كيلومترا، يهدف إلى ربط أذربيجان بنخجوان، المتمتعة بالحكم الذاتي عبر مقاطعة سيونيك في أرمينيا، محاصرا إيران لمنع تواصلها مع روسيا، تحت إشراف المبعوث الأمريكي توماس باراك، ويُعتبر المشروع أداة واشنطن لإضعاف نفوذ إيران، في المنطقة مع دعم صيني لتعزيز “الممر الوسطي”.
رئيس أذربيجان إلهام علييف يتوقع زيادة في النقل البري، مما يجذب استثمارات كبرى، لكن إيران تراه تهديدا لأمنها، مما يعمق التوترات في المنطقة. هذا المشروع ليس مجرد طريق؛ بل استراتيجية لإعادة تشكيل موازين القوى، محولا باكو إلى مركز استخباراتي إسرائيلي-أمريكي.
قمة شنغهاي
في قمة تيانجين الأخيرة في أغسطس/آب 2025، برزت إيران كلاعب رئيسي في منظمة شنغهاي للتعاون (SCO)، التي تضم الآن بيلاروسيا كعضو جديد تحت قيادة الصين، أعلنت القمة تضامنا مع إيران ضد العقوبات الغربية، محولة المنظمة إلى سوق لصادرات النفط الإيراني ومنصة للتجارة المستقلة عن الدولار.
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وصفها بـ”فرصة تاريخية للتعددية”، وسط مناقشات لمواجهة الهيمنة الأمريكية، هذا القطب الناشئ، الذي يُنافس مجموعة الثماني، يُعيد التوازن العالمي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، مع تركيز على التعاون الاقتصادي والأمني. بينما تهدد أوروبا بـ”سناب باك”، تُعزز إيران دبلوماسيتها الشرقية، مما يجعلها أقل عرضة للضغوط الغربية، ويُبرز انقساما عالميا يُفضل الجنوب العالمي.
ماذا ينبغي لإيران أن تفعل؟
وفقا لموقع “خبر فوري”، على إيران تغيير نهجها الأمني والانتقال من مرحلة الهجوم إلى مرحلة الدفاع. ينبغي أن تُركّز جهود طهران على العراق، ومساعدة الجماعات الشيعية فيه، والتعاون مع الحكومة العراقية، خاصة رجال الدين، بل وحتى مع الأمريكيين لتحسين الوضع فيه، يُعدّ الحفاظ على العراق في وضعه الراهن أهم أولويات إيران الأمنية.
في الوقت نفسه، ينبغي على إيران أن تفتح باب الحوار الإقليمي مع الدول العربية، والأهم من ذلك، تركيا، في أقرب وقت ممكن. فالتعاون الدبلوماسي مع تركيا، ذات النفوذ الكبير على الجماعات المسلحة السورية، من شأنه أن يخفف من حدة الخلافات والتوترات كما ينبغي عليها أيضا تسهيل الحوار مع الولايات المتحدة لتخفيف التوترات في المنطقة، حيث يُعدّ تخفيف التوترات العامل الأهم في تسهيل تحوّل الموقف الأمني الإيراني من هجومي إلى دفاعي، وسيكون دبلوماسيو البلاد في طليعة هذه الحركة.
وفي إشارة إلى ما ينبغي على إيران فعله أيضا قال قاسم محب علي المدير العام السابق لشؤون الشرق الأوسط بوزارة الخارجية الإيرانية ومحلل قضايا غرب آسيا، إن إيران تملك فرصة لإعادة طرح خطط الأمن الجماعي في ظل الوضع الراهن بالشرق الأوسط، لكنه أكد أن التعاون الإقليمي في الخليج العربي، المنطقة الاستراتيجية للتجارة والطاقة، يتطلب تعاونا دوليا نظرا لمصالح القوى الكبرى كالولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والصين واليابان، التي تملك وجودا عسكريا واقتصاديا بالمنطقة.
وأوضح محبالي أن طمأنة الدول العربية بأن إيران لا تشكل تهديدا لأنظمتها في العراق، سوريا، لبنان، مصر، السعودية، أو دول مجلس التعاون الخليجي، تمثل الخطوة الأولى. وشدد على ضرورة تفاهم مشترك يضمن عدم اتخاذ أي طرف إجراءات ضد أمن الآخر، مع إدارة القضايا الحساسة كالهجمات على السفارات وقضايا الأقليات، مثل الشيعة في البحرين والسعودية أو العلويين في سوريا، بشفافية للقضاء على سوء الفهم، وأشار إلى أن سياسات ثنائية ومتعددة الأطراف واضحة ضرورية لمنع إسرائيل والولايات المتحدة من استغلال الخلافات أو تصوير إيران كعامل لتغيير الأنظمة.
ودعا إلى مراجعة السياسة الخارجية الإيرانية مع التركيز على تفاهمات ثنائية مرتبطة بحل القضايا النووية والعلاقات مع الغرب، وأكد محب علي أن إيران يجب أن تقدم ضمانات عملية، وليس مجرد تصريحات، لتأكيد أن التهديد الرئيسي هو سياسات إسرائيل، خاصة سيطرتها على الضفة الغربية، وحث على طرح هذه القضايا في المحافل الدولية والإقليمية بشفافية، والوقوف إلى جانب العرب بسياسة واضحة دون جعلهم رأس حربة في الصراع مع إسرائيل، بل دعمهم مباشرة.
وأضاف أن هذا النهج يتيح للعرب اتخاذ إجراءات مضادة ضد التطورات الإقليمية بدعم إيراني، كما في باكستان وتركيا، لتجنب تولي إيران المبادرة بمفردها أو توقع انسياق العرب وراءها، محذرا من أن الخلاف قد يورط إيران في صراع مع إسرائيل أو أمريكا إذا استغل العرب الوضع، وختم محب علي بالقول إن السيناريو الأمثل هو بناء تحالف إقليمي مدعوم دوليا يركز على الشفافية والطمأنة المتبادلة، لتحويل الفرصة إلى سلام مستدام، مشددا على ضرورة شجاعة سياسية من طهران لتغيير مسارها نحو تعاون حقيقي.
يُظهر هذا الصراع كيف أن إسرائيل، غارقة في مستنقع غزة، تواجه عزلة متزايدة، بينما تُعيد إيران تشكيل تحالفاتها الشرقية لتحقيق توازن جديد.

