جدل في طهران قبيل رحلة بزشكيان إلى نيويورك… إصلاحيون يضغطون وأصوليون يعترضون

بينما يستعد الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، للتوجه إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة الثلاثاء 23 سبتمبر/ أيلول 2025، تتصاعد في الداخل سجالات سياسية حادة تعكس الانقسام العميق بين التيارين الإصلاحي والأصولي. ففي حين يرى الإصلاحيون أن الزيارة تمثل فرصة تاريخية لكسر الجمود وفتح مسارات جديدة عبر تفويض كامل للحوار مع الغرب، يصر الأصوليون على أن أي رهان على لقاء مع ترامب أو العودة إلى وصفات الماضي ليس سوى إعادة إنتاج لفشل الاتفاق النووي وما تلاه من خسائر.

وبين هذا وذاك، سيقف الرئيس الإيراني بعد أن يقرع جرس بداية العام الدراسي وربما المعركة التي سيشهدها في نيويورك، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وهو يمثل داخل منقسم، وشعب يخشى العقوبات أكثر من أي وقت مضى.

الخط الإصلاحي.. لا يجب أن تكون مجرد زيارة

فقد تعالت الدعوات من الصحف الإصلاحية قبيل سفر بزشكيان، وكانت أولها من هم ميهن، التي استضافت في عددها لليوم الإثنين 22 سبتمبر/ أيلول 2025 عددا من المحللين السياسيين للتأكيد على رسالة مفادها أن تلك الزيارة هي فرصة يجب استغلالها، وفي هذا الإطار، قال قال غلام حسين كرباسجي، مدير تحرير الصحيفة، إن سفر الرئيس إذا كان كسابقاته فلن يجدي نفعا، أما إذا أراد أن يحدث تحولا فعليه أن يحصل على تفويض كامل من المرشد وبقية مراكز القرار ليجري محادثات مباشرة مع كبار المسؤولين الأميركيين والأوروبيين، تماما كما فعل هاشمي رفسنجاني عام 1988 عندما أقنع الخميني بقبول القرار 598 لإنهاء الحرب، وأضاف أن الظروف الاجتماعية والاقتصادية اليوم أسوأ من عام 1988، وعلى بزشكيان أن يتحمل المسؤولية التاريخية، وإلا فإن الاكتفاء بخطابات بروتوكولية لن يقدم شيئا.

Image

كذلك، قال سعيد شريعتی، القيادي في حزب اتحاد ملت، إن قيمة زيارة نيويورك تكمن في إعلان تحول استراتيجي بالسياسة الخارجية، لكن ذلك مشروط بوفاق داخلي كامل بين الرئيس والمرشد وبقية المؤسسات، كما رأى أن الرهان على لقاء مع ترامب غير واقعي، لأن الأخير لا يميل أصلا إلى ذلك، وإن حدث فلن يكون سوى إذلال إضافي لإيران. واعتبر أن المأمول من هذه الرحلة ليس الخطابات العلنية، بل اللقاءات الجانبية مع قادة الدول لفتح مسار سياسي يخفف من ضغوط آلية العقوبات المزمع إقامتها في 28 من سبتمبر/ أيلول.

Image

محمد عطریان فر، عضو مجلس شورى حزب كوادر البناء، صرح أن أي قرار استراتيجي لا بد أن يتم بموافقة المرشد، وإذا نال بزشكيان تفويضا في ملف التفاوض فبإمكانه حتى لقاء ترامب مباشرة، ما يمنح المفاوضات شرعية ويفتح بابا جديدا لمصالح إيران.

Image

كذلك، وفي عددها اليومي، استعرضت صحيفة سازندجي عددا من آراء المحللين في تقرير تحت عنوان الخطبة وحدها لا تكفي، خلاله عرضت الصحيفة رأي حسين مرعشي، الأمين العام لحزب كوادر البناء، الذي شدد في تصريحاته على أن إيران يجب أن تكون حذرة كي لا تندلع حرب جديدة، لافتا إلى أن أوضاع البلاد اليوم مختلفة كثيرا عما كانت في الماضي، وصرح “الوضع الحالي في إيران هو أننا نواجه عدوا شديد الحقد والعناد وذا طبيعة مختلفة للغاية، علينا أن نكون يقظين ونتجنب حدوث حرب أخرى”.

Image

وعن تفعيل آلية سناب باك وعودة العقوبات، أوضح” لا أريد الخوض في التفاصيل، لكن تحليلي العام أن سناب باك لن يُفعَّل… كما أن قدرة إيران على المساومة الدبلوماسية ليست ضعيفة، وهي قادرة على إدارة هذه المسألة”، كما أكد مرعشي أن الانفتاح على الولايات المتحدة لا يعني بالضرورة الوقوع في التبعية، معتبر أنه “العلاقات مع أميركا لا تنتهي بالضرورة إلى التبعية، بل قد تسهم في تعزيز مكانة البلاد، ما أود قوله إن النموذج الصيني نموذج حي وناجح، ويمكن التعامل مع العالم على أساس المصالح الوطنية”.

كما استشهدت الصحيفة بتصريحات نائب رئيس البرلمان الأسبق، علي مطهري، والذي اقترح عبر قناته في تلغرام أن تتضمن زيارة بزشكيان إلى نيويورك عدة محاور أولها أن يتولى وزير الخارجية التفاوض مع الدول الأوروبية الثلاث بشأن آخر مقترح قدّمه، وأن يوضح الرئيس في خطابه حقيقة الهجوم الإسرائيلي والأمريكي على إيران، وأخيرا أنه في حال طلب ترامب لقاء، فعلى الرئيس أن يقبل به من أجل مصالح الشعب.

Image

أيضا، نشرت صحيفة اعتماد، التابعة لحزب اتحاد ملت، تصريحات محمد جواد حق ‌شناس، السياسي الإصلاحي وعضو المجلس المركزي للحزب، بشأن الزيارة، حيث قال” إن زيارة الرئيس إلى نيويورك تمثل واحدة من أهم الفرص المتاحة أمام البلاد ويجب استغلالها على النحو الأمثل، إذا تحولت هذه الزيارة إلى مجرد رحلة بروتوكولية تقليدية، تقتصر على سلسلة خطابات في الجمعية العامة تسجّل للتاريخ، فلن تجدي نفعا لإيران، فالبلاد لتجاوز أزماتها الحالية بحاجة إلى دبلوماسية نشطة، متحركة، تعتمد على فهم الزمان والمكان والجمهور المستهدف، هذه الزيارة يجب أن تخطط وتنفذ مع أخذ المخاطبين الدوليين بعين الاعتبار، وأن تُسخّر لتحقيق أكبر قدر من المكاسب الدبلوماسية لإيران”.

Image

وأضاف” بعد هجوم إسرائيل على قطر، فإن العالم العربي ودول المنطقة باتوا أكثر استعدادًا من أي وقت مضى للاستماع إلى خطابنا، فبزشكيان اليوم في موقع مناسب، ويمكنه عبر طرح خطاب عقلاني أن يخلق أرضية لتقارب المواقف بين دول المنطقة. ومن ناحية أخرى، تتيح الأمم المتحدة فرصة للحوار المباشر والثنائي مع قادة الدول الأوروبية وأعضاء مجلس الأمن. ففي البيان الأخير لمجلس الأمن، دعمت 4 دول إيران بشكل صريح، وامتنعت دولتان عن التصويت، فيما عارضت 9 دول، على الرئيس ووزير خارجيته عراقجي أن يضعا على جدول أعمالهما الحوار مع الدول الـ 15 الأعضاء في المجلس، عبر قادتها ووزراء خارجيتها وممثليها، كي تكون أصواتهم في لحظات الحسم لصالح العدالة والإنصاف”.Top of Form

أوهام أطفال وحماقات مستمرة

هذا، ولم يكن الإعلام الأصولي ليصمت أمام تلك الدعوات، فقد تناولت صحيفة كيهان في عددها اليوم بإسهاب مسار المفاوضات النووية الإيرانية منذ عام 2003 وحتى اليوم، معتبرة أن 22 عاما من التفاوض مع الغرب لم تثمر سوى خسائر استراتيجية واقتصادية متكررة لإيران، وأن ما يطرحه التيار الغربي داخل البلاد لا يتجاوز الأوهام الطفولية، كما ترى الصحيفة أن الاتفاق النووي والاتفاقات اللاحقة، بما فيها تفاهم  القاهرة عام 2025، انتهت كلها إلى لا شيء ، بل سببت تعزيز ضغوط الغرب وتوسيع نطاق تحركاته العدائية، من العقوبات القصوى وصولا إلى الهجمات المباشرة على منشآت نووية.

Image

وأشارت كيهان إلى أن اتفاق 2015 وما تلاه كان بمثابة رقم تاريخي في الفشل الدبلوماسي، إذ قدمت إيران تنازلات استراتيجية كبيرة كتعليق التخصيب وتفكيك أجهزة الطرد المركزي، بينما لم يحصد الشعب سوى مزيد من القرارات الدولية والقيود الاقتصادية. واستشهدت الصحيفة باعتراف روحاني في ختام حكومة الإصلاحات بأن إيران لم تحصل مقابل إجراءاتها إلا على القليل جدا أو لا شيء.

كما انتقدت كيهان الأصوات الداخلية التي دعت مؤخرا إلى لقاء ترامب أو التواصل مع جماعات الضغط اليهودية في نيويورك، ووصفتها بالوصفات الكوميدية والمهينة، وسخرت من تصريحات شخصيات سياسية وإعلامية إصلاحية تحدثت عن جدوى سلام عابر مع ترامب أو الاطمئنان للصهاينة، معتبرة ذلك استسلاما صريحا.

وخلصت كيهان إلى أن ما تسميه التيار الغربي لم يتعلم من دروس الماضي، ولا يزال يكرر وصفات الاستسلام رغم انهيار الاتفاق النووي وقرار 2231، واعتبرت أن الحل الوحيد أمام إيران هو المقاومة النشطة، الاعتماد على القدرات الداخلية، والتوجه شرقا وإقليميا بدلا من تعليق الآمال على الغرب، وأكدت أن الاستمرار في مسار التنازلات يعني المزيد من الإذلال والخسائر، بينما السبيل الحقيقي يكمن في ديبلوماسية متوازنة مع قوى مستقلة.

من جانبها، ردت صحيفة جوان على هذا التوجه الإصلاحي أيضا، فقالت في افتتاحية عددها” يوجه الرئيس غدا إلى مقر الأمم المتحدة في نيويورك، وهي فرصة لم يفرط فيها أي من الرؤساء منذ عقود، لكنها لم تحمل تقريبا أي إنجاز ملموس أو واقعي لنا، أحيانا اختزلت الزيارة في بضع مقابلات مع صحفيين أمريكيين وقحين ومتطلبين، تحت أجواء مظلمة وعنيفة، وأحيانا في البحث عن الحظ في ممرات ودورات مياه الأمم المتحدة. منذ الآن، بدأ الإصلاحيون كثيرو الأخطاء وعديمو البصيرة مثل مطهري وكرباسجي علنا، وآخرون تلميحًا، يطالبون الرئيس الإيراني بأن يجد طريقة ما للوصول إلى ترامب، يا للأسف من هذا الكم من الحماقة والنفاق والسذاجة”.

Image

وتتابع” الشعب الإيراني لم ينسَ بعد كيف أن الشيخ الدبلوماسي، تقصد حسن روحاني، وخلال سنوات الاتفاق النووي الذي ألحق أكبر الخسائر بالبلاد وحوّل العقد إلى عقد ركود وتراجع، كان يتسول لقاء ومصافحة عرضية مع رئيس أمريكا آنذاك في ممرات الأمم المتحدة، الاتفاق نفسه الذي أُمطر حينها دبلوماسيونا من أجله بالذهب والامتيازات، بينما اليوم البلاد تعاني من تبعاته وعلى رأسها آلية الزناد، بل والأنكى أن أبطال الدبلوماسية ذاتهم، بوقاحة، ينكرون اليوم أصل وجود هذه الآلية في الاتفاق النووي وقرار مجلس الأمن 2231، ويصفونها بأنها اختراع أمريكي”.

وتضيف الصحيفة “حكومة الدكتور بزشكيان ورثت الخسائر التي ألحقتها الحكومة المنبثقة من التيار الإصلاحي بالبلاد، لكن وبدل أن يلتزموا الصمت ويضعوا سياسة الاستسلام في رفوف الذاكرة، نراهم يتقدمون بدور المستشارين والمقترحين، ويطالبون الرئيس بالذهاب للقاء ترامب ومصافحته، وكأن في ذلك منعا لتفعيل آلية الزناد، هذا ترامب ذاته الذي عندما مزق الاتفاق النووي وأعلن خروجه منه، قال حسن روحاني في 8 أيار/مايو 2018 على التلفزيون”أنا سعيد أن كائنا مزعجا خرج من الاتفاق، وسنواصل طريقنا بنجاح دون شك.”