بعد صراع داخلي للتصديق عليها.. إيران لا تزال في القائمة السوداء

تعيش إيران مرحلة دقيقة في علاقاتها المالية مع العالم، وسط تجاذبات سياسية واقتصادية داخلية حادة، تتقاطع فيها الحسابات الوطنية مع الضغوط الدولية، فبين مساعٍ رسمية للاندماج في النظام المالي العالمي وإصرار داخلي على الحفاظ على ما يعد استقلالاً اقتصادياً، تتجسد معركة هوية تمتد من مؤسسات الدولة إلى الشارع. 

هذا الجدل لا ينفصل عن تحولات أعمق تشهدها البلاد في سعيها لتحقيق توازن بين الانفتاح الحذر والإصلاح الاقتصادي من جهة، ومخاوف فقدان السيطرة على مفاتيح القرار المالي من جهة أخرى، في مشهد يعكس صراعاً مستمراً بين الواقعية السياسية والاعتبارات الأيديولوجية.

إيران مستمرة في القائمة السوداء

فقد أعلنت مجموعة العمل المالي، FATF، خلال اجتماعها الجمعة 24 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أنها لم تقبل مصادقة إيران على الانضمام إلى اتفاقية باليرمو، اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، بسبب التحفظات التي وضعتها طهران بشأن تعريف الجماعات الإرهابية.

Image

هذا وقد نشرت FATF على موقعها الرسمي أن إيران قدمت في سبتمبر/أيلول 2025 تقريراً حول تصديقها على اتفاقية باليرمو، وأكدت المجموعة أنها سجلت هذا التفاعل، لكنها تعتبر أن تحفظات إيران على الاتفاقية مفرطة، وأن تطبيقها الداخلي لا يفي بالمعايير المطلوبة، كما ذكرت أن إيران لم تنفذ معظم بنود خطة العمل المتفق عليها منذ عام 2016، رفضت المجموعة تفسير إيران وروسيا والصين بشأن عدم عودة قرارات مجلس الأمن ضد إيران، وقالت بأن على جميع الدول الأعضاء مواجهة مخاطر تمويل انتشار الأسلحة النووية الصادرة من إيران.

وبسبب ما وصفته FATF بالتهديدات المستمرة في مجال تمويل الإرهاب وانتشار الأسلحة، دعت المجموعة مجدداً الدول الأعضاء إلى تطبيق إجراءات مضادة فعالة ضد إيران، تشمل منع إنشاء فروع أو مكاتب تمثيلية للمؤسسات المالية الإيرانية في أراضيها، أو التعامل بحذر مع المؤسسات التابعة لدولة لا تمتلك نظاما كافيا لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، كذلك منع المؤسسات المالية الأجنبية من فتح فروع داخل إيران، أو أخذ ذلك بعين الاعتبار عند التعامل مع فروع في دول تفتقر إلى أنظمة كافية للرقابة المالية.

Image

وأكدت مجموعة العمل المالي، في ختام بيانها، أن إيران ستبقى ضمن قائمة الدول عالية الخطورة، ما يجعلها في القائمة السوداء لتلك المنظمة، حتى تكمل بالكامل تنفيذ خطة العمل المتفق عليها، وأوضحت أنه في حال صادقت إيران على اتفاقيتي باليرمو وتمويل الإرهاب (CFT) وطبقتهما وفق المعايير الدولية، فإن المجموعة ستعيد النظر في تعليق الإجراءات المفروضة، أما إذا لم تظهر طهران تقدماً كافياً، فقد تتخذ FATF إجراءات إضافية ضدها.

كما طالبت المجموعة إيران باتخاذ خطوات محددة تشمل ما يلي تجريماً شاملاً لتمويل الإرهاب، بما في ذلك إزالة الاستثناءات للجماعات التي تكافح الاحتلال الأجنبي أو الاستعمار أو العنصرية، تحديد وتجميد الأصول الإرهابية بما يتوافق مع قرارات مجلس الأمن الدولي، تطبيق نظام فعال ومعتمد للتعرف على هوية العملاء، إثبات قيام السلطات بتحديد ومعاقبة مزوّدي خدمات تحويل الأموال غير المرخصين، التصديق على اتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب (CFT) وتنفيذها وفق المعايير، وضمان تطبيق اتفاقية باليرمو بشكل يتوافق مع تلك المعايير، بما في ذلك توضيح قدرة إيران على تقديم المساعدة القضائية المتبادلة، وضمان أن تؤكد المؤسسات المالية أن جميع التحويلات المصرفية تتضمن معلومات كاملة عن المرسل والمستفيد.

الحكومة تتبنى خطاباً أقل حدة

بهذا الشأن، صرح هادي خاني، رئيس مركز المعلومات المالية، السبت 25 أكتوبر/تشرين الأول 2025، بأن FATF رحبت بتفاعلات إيران الجديدة، وأن خطة عمل البلاد تتركز على محورين أساسيين وهما تعديل القوانين واللوائح لتتوافق مع المعايير العالمية، وإثبات قابلية تنفيذ هذه القوانين داخل البلاد.

وأضاف خاني أن إيران اتخذت الخطوة الأولى عبر المصادقة على اتفاقيتي باليرمو ومكافحة تمويل الإرهاب CFT وأن المناقشات مع FATF مستمرة لإثبات التطبيق العملي لهذه القوانين، مؤكداً أن مجرد المصادقة على اتفاقية باليرمو لا يعني الخروج من القائمة السوداء، ومشيراً إلى أن تفاعل إيران مع FATF لحل التحديات القائمة منذ سنوات بدأ حديثاً وسيتوسع تدريجياً.

Image

وأوضح رئيس مركز المعلومات المالية أن ما يعرف بـالتحفظات الإيرانية في اتفاقية باليرمو كانت محور النقاش، مضيفاً أنه نظراً لتأخر المصادقة على اتفاقية CFT عن الموعد المحدد لتقديم التقرير إلى FATF، فقد تم خلال الاجتماع الأخير التركيز فقط على موضوع باليرمو. وصرح: “باستثناء شرط واحد يحتاج إلى مراجعة قانونية إضافية، فقد قبلت وثائق إيران التي تؤكد أن القوانين الداخلية أقوى من نصوص اتفاقية باليرمو، وستستمر الاجتماعات الفنية بين الجانبين”.

وحول ما يتعلق بإشارة FATF إلى العقوبات المرتبطة بآلية الزناد، آليات العقوبات التي فعلتها الدول الأوروبية مؤخراً، أوضح خاني أن موقف المجموعة جاء فقط في إطار تنفيذ قرارات مجلس الأمن، وأنه لا يمثل أمراً جديداً، مضيفاً أن البنود الواردة في بيانها موجودة مسبقاً، ولا تفرض تأثيرات اقتصادية إضافية على البلاد.

الخلاف بين البرلمان والمجمع

كانت تلك الاتفاقية قد مرت سابقاً بالعديد من العقبات قبل وصولها إلى محطة التصديق من قبل البرلمان في سبتمبر/أيلول 2025، كان آخرها الخلاف القانوني والسياسي الذي نشب بين البرلمان الإيراني ومجمع تشخيص مصلحة النظام حول اتفاقية في الآونة الأخيرة، تلك الأزمة التي بدأت عندما نشر ميثم ظهوريان، أمين لجنة الاقتصاد وعضو هيئة رئاسة البرلمان، تغريدة قال فيها إن المجمع حذف الشرط الذي كان البرلمان السابق قد أدرجه عام 2018، وينص على ربط تنفيذ اتفاقية CFT بخروج إيران من القائمة السوداء لـ FATF، الاتهام الذي أثار مواجهة علنية بين السلطتين.

Image

في المقابل، نفى محسن دهنوي، المتحدث باسم مجمع تشخيص مصلحة النظام، هذه الادعاءات مؤكداً أن النص النهائي الذي أرسله البرلمان إلى مجلس صيانة الدستور والمجمع في ديسمبر/كانون الأول 2018 لم يتضمن مثل هذا الشرط أصلا، مشيراً إلى أن النسخة الأولى التي أُرسلت في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه واجهت ملاحظات من المجلس، فقام البرلمان بتعديلها وإزالة البند الخلافي قبل الإرسال النهائي، وأوضح دهنوي أن المجمع لم يحذف أي بند من مصادقة البرلمان، بل أضاف شرطاً جديداً يضمن مزيداً من الدقة القانونية.

Image

ورغم هذا التوضيح، استمر الجدل واتخذ أبعاداً سياسية واسعة، فقد رأى مراقبون أن التيار الأصولي داخل البرلمان يحاول استغلال القضية لتقويض جهود الحكومة للانفتاح على النظام المالي الدولي، فيما اعتبر محمد مهاجري، الناشط السياسي الأصولي، أن جبهة الصمود، وهو التكتل الأصولي داخل البرلمان، تمارس شعبوية سياسية وأخلاقية وتضع المصالح الحزبية فوق المصلحة الوطنية، مشيراً إلى أن هذا التيار لم يقدم طوال تاريخه أي إنجاز يخدم التنمية أو الاقتصاد الوطني، بل يسعى إلى عزل إيران وجعلها تسير في نموذج يشبه كوريا الشمالية من حيث الانغلاق والقيود على الحريات.

Image

من جانبه، أوضح النائب السابق، حشمت الله  فلاحت‌ بيشه، أن بعض الشخصيات والجماعات المستفيدة من العقوبات تعارض عمداً تنفيذ اتفاقيات FATF، لأن استمرار الوضع القائم يخدم مصالحها الخاصة، مؤكداً حينها أن تأخير المصادقة على الاتفاقيات كبَّد إيران خسائر اقتصادية كبيرة، من بينها انخفاض قيمة العملة المحلية بنسبة 30%، مضيفاً أنه حتى روسيا والصين تدعمان انضمام إيران إلى FATF لما لذلك من دور في تسهيل العلاقات التجارية ورفع العزلة عن الاقتصاد الإيراني.

Image

تاريخ إيران مع مجموعة العمل المالي.. من العزلة المالية إلى طريق الإصلاح

تعود علاقة إيران بـ مجموعة العمل المالي  إلى أكثر من عقدين، وهي علاقة اتسمت بالتوتر والشد والجذب بين محاولات الانفتاح الاقتصادي من جهة، وضغوط التيارات الداخلية والعقوبات الدولية من جهة أخرى، فمجموعة FATF، التي تأسست عام 1989 لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، صنفت إيران منذ أوائل الألفية الجديدة ضمن الدول عالية المخاطر، لتبدأ بذلك رحلة طويلة من المفاوضات والتعهدات غير المكتملة.

في العام 2008، أدرجت المجموعة اسم إيران رسمياً في القائمة السوداء، بسبب ضعف أنظمتها الرقابية على حركة الأموال وغموض تعاملاتها المصرفية، هذا التصنيف أدى إلى تقييد العلاقات البنكية بين إيران والعالم، وأجبر معظم المصارف الدولية على تجنب التعامل مع المؤسسات الإيرانية خشية الوقوع تحت طائلة العقوبات، ومع تشديد العقوبات الأمريكية في عهد الرئيس باراك أوباما، ازدادت عزلة طهران المالية حتى بلغت ذروتها قبيل توقيع الاتفاق النووي عام 2015.

Image

وبعد توقيع الاتفاق النووي، رأت حكومة الرئيس حسن روحاني أن تحسين صورة إيران أمام النظام المالي العالمي ضرورة ملحَّة لجذب الاستثمارات الأجنبية، وفي عام 2016، وقعت طهران خطة عمل مع FATF تضمنت التزامات محددة بإصلاح قوانين مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وبناء على تلك الخطوات الأولية، علقت المجموعة إجراءاتها العقابية مؤقتا، ومنحت إيران مهلة لتنفيذ الإصلاحات المطلوبة.

Image

غير أن الطريق لم يكن ممهداً، إذ واجهت الحكومة معارضة شرسة من التيار الأصولي الذي رأى في تلك الخطوات تنازلا سياسيا يهدد الاستقلال المالي للبلاد، ومع تصاعد الخلافات بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور، توقفت عملية المصادقة على الاتفاقيات الأساسية المطلوبة، وهي اتفاقية باليرمو لمكافحة الجريمة المنظمة، واتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب.

وفي عام 2018، صوت البرلمان الإيراني لصالح الانضمام إلى الاتفاقيتين، غير أن مجلس صيانة الدستور رفض بعض البنود، خاصة المتعلقة بتعريف المنظمات الإرهابية، معتبراً أن ذلك قد يلزم إيران بتصنيف جماعات المقاومة مثل حزب الله وحماس كجماعات إرهابية، وأُحيلت القوانين إلى مجمع تشخيص مصلحة النظام لحسم الخلاف، وهناك بقيت مجمدة لسنوات بسبب الانقسامات الداخلية والتجاذبات السياسية.

خلال تلك الفترة، واصلت FATF تمديد مهَلها لإيران مراراً، لكنها في النهاية أعادت إدراجها رسمياً في القائمة السوداء في فبراير/شباط 2020، بعدما رأت أن طهران لم تفِ بالتزاماتها ولم تنفذ كامل خطة العمل، هذا القرار كان له أثر مباشر على الاقتصاد الإيراني، إذ فاقم صعوبات التحويلات المالية الدولية وعرقل التعاون التجاري حتى مع الحلفاء مثل روسيا والصين.

ومع تشكيل الحكومة الرابعة عشرة بقيادة الإصلاحي مسعود بزشكيان عام 2024، عادت مسألة FATF إلى الواجهة مجدداً، حيث تبنت الحكومة الجديدة نهجا أكثر واقعية في إدارة الاقتصاد، ودفعت نحو إحياء المفاوضات مع المجمع والبرلمان لإتمام المصادقة على الاتفاقيات، وبعد نقاشات مطوّلة وصراعات سياسية علنية، تم التصديق أخيراً على اتفاقيتي باليرمو وCFT في خطوة وصفت بأنها نقطة تحول في العلاقات المالية لإيران مع العالم.

Image

ومع ذلك، لا يزال الطريق أمام إيران طويلًا، فمجموعة العمل المالي تطالبها بإثبات التطبيق العملي للقوانين وليس مجرد المصادقة عليها، كما يتعيّن على طهران بناء نظام مصرفي أكثر شفافية يتوافق مع المعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وبينما يرى الإصلاحيون في هذه الخطوات مفتاحاً لإنعاش الاقتصاد الإيراني، يعتبرها الأصوليون خضوعاً للغرب وتقويضاً لسيادة البلاد المالية.