- زاد إيران - المحرر
- 371 Views
منذ أواخر العام ٢٠٢٥، تحولت قضية بيجمان جمشيدي، الممثل الإيراني المشهور، من شكوى فردية إلى ملف قضائي بالغ الحساسية، تجاوز حدود الوسط الفني ليصبح قضية رأي عام. فالمتهم شخصية معروفة في السينما والتلفزيون ووجه رياضي سابق، ما منح الاتهامات الموجهة إليه صدى واسعا. وبين رواية المدعية وإنكار المتهم، وبين قرارات التوقيف والإفراج، ظل الملف يتفاعل في الإعلام ومواقع التواصل، بينما يستمر القضاء في نظره وفق إجراءاته الرسمية، ليصل إلى أولى جلساته أمام المحكمة.
ما جرى في الجلسة الأولى… الروايتان وجها لوجه
ففي ١٤ فبراير/ شباط ٢٠٢٦ عقدت أولى جلسات الاستماع والتي مثلت اللحظة الأهم في مسار القضية حتى الآن، إذ التقى الطرفان وجها لوجه أمام هيئة المحكمة في الدائرة التاسعة من المحكمة الجنائية الأولى بطهران، فيما عقدت الجلسة بصورة غير علنية وخلف أبواب مغلقة، نظرا لطبيعة الاتهامات المصنفة ضمن الجرائم المخلة بالآداب العامة. حضر جمشيدي برفقة ثلاثة من محاميه، فيما حضرت المدعية شخصيا إلى المحكمة، وكانت والدتها موجودة في محيط الجلسة، بينما منع الصحفيون من دخول القاعة.

بدأت الجلسة باستعراض وقائع الملف، قبل أن تمنح المدعية الكلمة لتعيد سرد روايتها، والتي أكدت مجددا أنها تعرفت إلى المتهم في إطار مشروع سينمائي، وأنه وعدها بمساعدتها على دخول عمل مهم، وأضافت أن التواصل بينهما استمر إلى أن طلب منها في إحدى الليالي أن يوصلها إلى منزلها، لكنها، بحسب قولها، فوجئت به يغير مسار الطريق ويصطحبها إلى منزله، هناك، شددت على أن ما جرى لم يكن برضاها، وأنها تعرضت للاعتداء بالقوة.
وخلال أقوالها، أوضحت المدعية أنها بقيت في حالة صدمة بعد الواقعة، وأنها تمكنت من مغادرة المكان بمساعدة بعض الجيران، كما كررت أن علاقتها بالمتهم كانت مهنية فقط، وأنها لم توافق على أي علاقة شخصية. وقد بدا، بحسب ما نقل عن أجواء الجلسة لوسائل الإعلام، أن أقوالها جاءت متسقة مع ما ورد في شكواها الأولى المسجلة لدى الجهات القضائية.
بعد ذلك، أُعطيت الكلمة للمتهم لعرض دفاعه. استهل جمشيدي حديثه برفض الاتهامات جملة وتفصيلا، مؤكدا أن علاقته بالمدعية لم تتجاوز حدود التعارف المهني في إطار مشاريع سينمائية، وقال إن المدعية كانت تسعى إلى تطوير مسيرتها الفنية، وإن التواصل بينهما كان في هذا السياق فقط.
وحول الليلة محل النزاع، قال جمشيدي أن لقاء جمعهما بالفعل، حيث تجولا معا بالسيارة في شوارع المدينة، وتبادلا الحديث والضحك، مؤكدا أنه لم يكن هناك أي إكراه، وأشار إلى أن المدعية نزلت من السيارة في أحد الأماكن خلال الطريق لشراء بعض الأغراض ثم عادت بمحض إرادتها، وهو ما اعتبره دليلا على عدم وجود احتجاز أو ضغط.

وتابع المتهم بأن الشاكية كانت ضيفة في منزله لبضع ساعات في تلك الليلة، غير أنه نفى بشكل قاطع وقوع أي اعتداء أو علاقة قسرية، معتبرا أن ما حدث لا يتطابق مع الرواية المطروحة ضده. وفي ختام دفاعه، قال عبارته التي لفتت الانتباه داخل قاعة المحكمة، حيث صرح “أقسم بتربة أمي أنني بريء”، في محاولة لتأكيد تمسكه ببراءته أمام القضاة.
وفي سياق الجلسة، استمعت المحكمة مجددا إلى عدد من الشهود المرتبطين بمكان إقامة المتهم، وهم من مسؤولي ومديري المبنى الذي يقيم فيه، وقد أعيدت مناقشة أقوالهم السابقة في ضوء ما أثارته أطراف القضية. كما ركز فريق الدفاع على ما اعتبره تناقضات أو ثغرات في رواية المدعية، وقدم مذكرة قانونية مفصلة تتناول هذه النقاط.
من جانبه، أوضح محامي الدفاع كامبيز برجاس لاحقا أن الجلسة كانت جلسة دفاع خصص فيها وقت كاف لعرض الدفوع القانونية، وأن هيئة المحكمة أتاحت المجال للطرفين لعرض أقوالهما بشكل كامل، مؤكدا أن موكله حضر بهدوء وثبات، وأنه قدم دفاعه ضمن الإطار القانوني.

في المقابل، شددت المدعية على تمسكها بأقوالها، واعتبرت ما ورد في دفاع المتهم غير صحيح. كما عبرت والدتها، التي تابعت مجريات الجلسة، عن استيائها من إنكار المتهم، مؤكدة أن الأسرة ستواصل متابعة القضية حتى صدور حكم نهائي.
وبعد مداولات أولية، أعلنت المحكمة أن الجلسة الأولى انتهت دون صدور قرار فوري، وأنه سيتم تحديد موعد لاحق لاستكمال النظر في القضية، سواء عبر الاستماع إلى شهود إضافيين أو استكمال المرافعات. وهكذا انتهت أول مواجهة مباشرة بين الروايتين داخل قاعة المحكمة، لتبقى الكلمة الفصل معلقة بانتظار ما ستسفر عنه الجلسات القادمة.
بداية القضية وتسجيل الشكوى
تعود جذور القضية إلى ربيع عام ٢٠٢٥، حين تقدمت شابة تبلغ من العمر ٢٣ عاما بشكوى رسمية إلى الجهات الأمنية والقضائية، اتهمت فيها جمشيدي بالاغتصاب بالإكراه، المدعية، التي عرفت نفسها بأنها ممثلة شابة مبتدئة، قالت إنها تعرفت إلى المتهم في إطار أحد المشاريع السينمائية، وإنه وعدها بمساعدتها في دخول مشروع مهم عبر علاقاته في الوسط الفني.

وبحسب روايتها، فإن العلاقة بدأت في إطار مهني، قبل أن تتطور إلى واقعة اعتداء في إحدى الليالي، حين طلب منها أن يوصلها إلى منزلها، لكنها فوجئت به يصطحبها إلى منزله. هناك، تؤكد أنها تعرضت للاعتداء بالقوة، وأنها تمكنت لاحقا من مغادرة المكان بمساعدة الجيران، قبل أن تبادر إلى تسجيل شكواها رسميا.
ومع تسجيل الشكوى بدأت التحقيقات، كما تشعب الملف إلى مسارين قضائيين، الأول يتعلق بتهمة الاغتصاب بالإكراه أمام المحكمة الجنائية، والثاني يتعلق بتهمة الخطف أمام جهة قضائية مختصة، بالنظر إلى طبيعة الوقائع المزعومة.
التوقيف و الإفراج بالكفالة
خلال المرحلة الأولى من التحقيقات، بقي المتهم طليق مقابل كفالة مالية كبيرة بلغت خمسون مليار ريال إيراني، ما يعادل 32 ألف دولار، غير أن مسار القضية شهد تطورا لافتا في ٢٠ أكتوبر/ تشرين الأول ٢٠٢٥، حين تم استدعاء جمشيدي لاستكمال التحقيقات في جلسة مواجهة حضورية، فقرر قاضي الملف تحويل قرار الكفالة إلى توقيف احتياطي، ونقل المتهم إلى السجن.
أثار خبر التوقيف صدمة واسعة في الأوساط الفنية والإعلامية، واعتبره البعض مؤشرا على خطورة الاتهامات. غير أن فريق الدفاع لم يتأخر في تقديم اعتراض رسمي على قرار الحبس، مؤكدا أن الأدلة القائمة لا تبرر التوقيف الاحتياطي، وأحيل الملف إلى محكمة الاستئناف للنظر في هذا الاعتراض.

وبعد مراجعة محتويات القضية، خلصت محكمة الاستئناف إلى أن الشواهد المتوافرة لا ترقى إلى مستوى يبرر استمرار التوقيف، فقررت نقض القرار وإعادة العمل بالكفالة المالية. وبذلك أُفرج عن جمشيدي بعد عدة أيام من الاحتجاز، مقابل كفالة بقيمة خمسون مليار ريال إيراني، بانتظار تحديد موعد المحاكمة الرسمية.
مغادرة إيران والعودة
لم تتوقف تداعيات القضية عند حدود الإفراج، إذ غادر جمشيدي إيران لفترة قصيرة متوجها إلى كندا، ما أثار موجة جديدة من الجدل. بعض وسائل الإعلام تحدثت عن هروب، بينما نفى محاموه هذه الرواية، مؤكدين أن السفر كان لأسباب شخصية ولزيارة العائلة، وأن موكلهم سيعود إلى البلاد فور تحديد جلسة المحاكمة.

استمر الجدل الإعلامي خلال فترة وجوده خارج البلاد، غير أن عودته إلى إيران قبل انعقاد الجلسة الأولى أنهت كثيرا من الشائعات، وأكد فريق الدفاع أن موكلهم ملتزم بالحضور أمام القضاء، وأنه يثق في المسار القانوني للقضية.
انتظار الحكم… بين الجدل والعدالة
منذ تسجيل الشكوى، مرورا بقرار التوقيف ثم الإفراج بالكفالة، ووصولا إلى الجلسة الأولى، ظل الملف يتحرك بين أروقة القضاء وسط اهتمام واسع من الرأي العام، فيما لم تصدر المحكمة بعد حكمها النهائي، واليوم، تقف القضية عند مرحلة مفصلية، حيث تتجه الأنظار إلى القرار القضائي المنتظر. وبين رواية المدعية التي تصر على اتهامها، وإنكار المتهم وتمسكه ببراءته، يبقى الحسم بيد القضاء وحده. فالملف لم يعد مجرد قضية شخصية، بل أصبح اختبارا لثقة المجتمع في العدالة، ولقدرة المؤسسات القضائية على الفصل في قضايا حساسة تمس الشهرة والسمعة والحقوق الفردية في آن واحد.

