بين تصريحات تخت روانجي ونيران كيهان… خبراء يرسمون مستقبل المفاوضات

مع اقتراب جولة جديدة من المحادثات بين طهران وواشنطن، يتصاعد الجدل داخل إيران وخارجها حول طبيعة المرحلة المقبلة وحدود ما يمكن أن تفضي إليه. فبين خطاب رسمي يؤكد الانخراط الجاد في المسار الدبلوماسي، وأصوات ناقدة تحذر من تضخيم التوقعات أو إعادة إنتاج تجارب سابقة، تتشكل لوحة معقدة تتداخل فيها الرسائل السياسية مع الحسابات الاستراتيجية. في هذه الأجواء، لا تبدو المفاوضات مجرد عملية تقنية حول بنود محددة، بل ساحة اختبار لإرادات متقابلة، ولقدرة كل طرف على إدارة التوازن بين الضغوط والفرص في لحظة إقليمية ودولية دقيقة.

تخت روانجي يرسم حدود التفاوض ويعيد الكرة إلى الملعب الأميركي

فقد قدم مجيد تخت روانجي، نائب وزير الخارجية الإيراني، خلال مقابلة أجراها في طهران الأحد 16 فبراير/ شباط 2026 في طهران مع شبكة بي بي سي، رواية رسمية متماسكة لما تعتبره طهران مسارا نحو اتفاق عادل، مقرونا بشرط جوهري هو أن تثبت واشنطن، بالفعل لا بالتصريحات، أنها تريد اتفاقا لا مجرد إدارة أزمة. التصريحات، التي تزامنت مع بداية جولة المفاوضات التالية بين طهران وواشنطن المقررة غدا الثلاثاء 17 فبراير/ شباط، بدا وكأنها تضع إطارا نفسيا وسياسيا للمشهد، وتهيئ الرأي العام لفكرة أن اختبار الجدية لم يعد عند طهران وحدها، بل عند الطرف الأميركي الذي يطالب بتقديم دليل عملي على صدق النوايا.

Image

فخلال حديثه شدد تخت روانجي على أن إيران لا تتحدث من موقع انتظار، بل من موقع إرادة الاتفاق، لكنه في الوقت نفسه قال بوضوح إن لحظة البرهنة تقع الآن على عاتق الأميركيين، مستخدما التعبير الدارج في لغة التفاوض “الكرة في ملعب أميركا”، وضمن رده على سؤال بشأن آخر تطورات المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة التي عقدت مؤخرا في عمان، قال “إذا كانوا صادقين، فسنكون على طريق الاتفاق”، بما يعني أن طهران تربط تقدم المسار التفاوضي بفعل أميركي ملموس، لا بمجرد فتح قنوات أو تبادل رسائل، ورغم أنه وصف أجواء الجولة الأولى بأنها إيجابية إلى حد ما، لكنه شدد على أن الحكم ما زال مبكرا.

هذا وكان أكثر ما لفت الانتباه في تصريحات تخت روانجي هو أنه لم يكتفِ بتقييم الأجواء، بل انتقل إلى جوهر الملف عبر طرح صيغة مقايضة واضحة، وتكمن في استعداد إيران للحديث عن تخصيب ٦٠٪ وسائر جوانب برنامجها النووي السلمي، لكن بشرط أن تكون واشنطن مستعدة للحديث الجدي عن رفع العقوبات.

Image

وفي صياغته الأكثر مباشرة، قال نائب وزير الخارجية الإيراني إن طهران، في حال وجدت استعدادا أميركيا للحديث عن إلغاء العقوبات، فهي مستعدة بدورها للبحث في تخفيف اليورانيوم المخصب بنسبة ٦٠٪، ومعالجة ملفات أخرى مرتبطة بالبرنامج، وعند سؤاله عما إذا كان ذلك يعني إعادة سيناريو اتفاق ٢٠١٥ لجهة إرسال المواد المخصبة إلى خارج إيران، أجاب بأنه من المبكر تحديد ما سيحدث داخل مسار التفاوض.

أما العبارة الأكثر حسما في حديثه، فكانت موقفه من التخصيب الصفري، حيث أعاد تخت روانجي تثبيت ما تعتبره طهران حقا مشروعا داخل إطار معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، مصرحا أن مسألة التخصيب صفر لم يعد موضوعا قابلا للنقاش، ولم يعد على طاولة المفاوضات بالنسبة لإيران.

Image

كيهان تفتح النار على قمبري وتحذر من إعادة تدوير الوعود

على الجهة الأخرى، شنت صحيفة كيهان الأصولية هجوما حادا على حميد قنبري، المستشار الدبلوماسي في الخارجية الإيرانية، معتبرة أن ما صرح به خلال مشاركة في جلسة بغرفة التجارة الإيرانية لم يكن مجرد نقاش حول تفاصيل تفاوضية، بل محاولة لتسويق وهم جديد باسم المفاوضات، حيق قالت كيهان أن بيع الفراغ المرتبط بالاتفاق النووي تكرر مرارا على ألسنة من تصفهم بمدعي الإصلاح، وأن هذا المسار يعاد الآن بوجوه جديدة وتعبيرات مختلفة، لكن بذات الجوهر تتلخص في وعود كبيرة قبل أن تتضح الوقائع.

جديرا بالذكر أن قنبري، وخلال مشاركته في الجلسة، ذكر أن مجالات النفط والغاز، والحقول المشتركة، والاستثمارات التعدينية، وحتى شراء الطائرات هي بنود مدرجة ضمن صيغة التوافق الحالي، مضيفا أن ملف الأموال المجمدة سيكون جزءا من أي تفاهم، وأن تحريرها يجب أن يكون حقيقيا وقابلا للاستخدام لا رمزيا ولا مؤقتا، وأن هذا التحرير قد يتم تدريجيا أو دفعة واحدة، بل وألمح إلى إمكانية تقديم ضمانات من طرف إيران لتأمين إطلاق تلك الأموال بشكل فعلي.

Image

هذا ولم تقف عند مضمون حديث قنبري بقدر ما ركزت على دلالته السياسية والإعلامية، وتساءلت الصحيفة عن معنى إدراج هذه المصالح في متن المفاوضات؟ ولماذا يعاد فتح سوق الوعود الاقتصادية الضخمة قبل الوصول إلى اتفاق محكم؟ ثم تربط الصحيفة ذلك مباشرة بتجربة اتفاق ٢٠١٥ النووي، الذي قالت إنه قدم وعود بإلغاء شامل للعقوبات دفعة واحدة، وحديث عن عودة أموال مجمدة، صفقات طائرات، واستثمارات أجنبية بمئات المليارات، ثم انتهى الأمر، بحسب طرحها، إلى واقع مختلف تماما حيث لم تتحقق الوعود، بينما تحققت تنازلات نووية غير قابلة للعودة.

Image

وتعيد كيهان في تقريرها استدعاء تفاصيل كثيرة من السجال الداخلي الإيراني حول الاتفاق النووي من تفكيك أجهزة طرد، وتقييد مخزون، وترتيبات زمنية اعتبرتها الصحيفة غير متوازنة، مقابل التزامات غربية تصفها بأنها مؤجلة وملتبسة وبلا ضمانات فعالة ولا آلية تعويض، من هذه الزاوية، تضع الصحيفة حديث قنبري تحت عنوان واحد، وهو إعادة تهيئة الرأي العام لصفقة جديدة عبر لغة المكاسب الاقتصادية الكبرى، قبل أن تتضح بنية الالتزامات والضمانات.

بل أن الصحيفة تذهب أبعد من نقد الرسائل، لتطعن في المنطق التفاوضي نفسه حين يرسل، وفق توصيفه، إحساس بالحاجة إلى الاتفاق، إذ يلمّح إلى أن إظهار البلاد كأنها مضطرة للتسوية بأي ثمن يمنح الطرف المقابل ميزة تفاوضية ويشجعه على رفع سقف مطالبه، ثم يستدعي اقتباسات وتقييمات تستخدم في الجدل الإيراني لتأكيد أن الخصم يستثمر اعتراف الطرف الآخر بضيق الخيارات.

ملف التفاوض إلى أين؟ … خبراء يرسمون سيناريوهات المسار المقبل

في الملف الخاص الذي أعدته صحيفة شرق الإصلاحية، الإثنين 16 فبراير/ شباط 2026، حول قنوات التفاوض المتعددة، برزت قراءتان متكاملتان لخبيرين هما ساسان كريمي، عضو الهيئة التدريسية بجامعة طهران، وأبو القاسم دلفي، السفير الإيراني الأسبق لدى فرنسا وبلجيكا وتشيلي، كلاهما ينطلق من تشخيص واحد، وهو أن تعدد المسارات والجهات داخل طهران يخلق غموضا ويستهلك الطاقة ويرفع احتمال الخطأ، ذلك في إشارة لتولي المجلس الأعلى للأمن القومي ووزارة الخارجية ملف التفاوض، لكنهما يختلفان في التركيز بين ما هو تنظيمي وما هو سياسي في إدارة الملف.

حيث يرى كريمي أن التفاوض عبر مسارات متفرقة يشتت الجهد ويجعل التنسيق أكثر صعوبة، ويقترح دفع كل المفاوضات الرسمية، التي يفهم أنها تجري على الأقل عبر مسارين، نحو مسار واحد حقيقي بقدرة جدية، فجوهر رأيه أنه في اللحظات الكبرى فإن ترف المنافسات الداخلية أو حساسية الأسماء أمر لا يحتمل، وأن الدولة في المنعطفات التاريخية يجب أن تستخدم كل طاقاتها، بما في ذلك شخصيات لا تشغل مناصب رسمية الآن، لأن القيمة ليست في اللقب الإداري، بل في جدوى الدور داخل المفاوضات.

Image

وفي قراءته لطبيعة القناة غير المباشرة، يقول كريمي “إن المفاوضة غير المباشرة إذا كانت فعّالة فلن تبقى غير مباشرة”، حيث يوضح أن نجاح الوساطة والتراسل غالبا ما يفتح الباب سريعا لانتقال الأطراف إلى تواصل مباشر، لأن إدارة التفاصيل الحساسة والضمانات والجدول الزمني تتطلب مستوى أعلى من الحسم والسرعة، لذلك يميل كريمي، حسب تصريحاته إلى أن التفاوض المباشر، إذا تهيأت شروطه، سيكون أكثر كفاءة، لكنه يربط ذلك بشرط وجود فريق أقوى وأكبر وبحضور عقول تخطيط واستراتيجية إلى جانب المفاوضين، بحيث لا يكون الوفد مجرد ناقل رسائل بل صانع خيارات.

أما أبو القاسم دلفي، فيتقدم خطوة أخرى في نقد تعدد الجهات، ويصفه صراحة بأنه مضر ويحمل إشارات سلبية للخارج، ويلفت دلفي إلى أن واشنطن حددت فريقا واضحا يمثلها، في حين تبدو الصورة من الجانب الإيراني أقل وضوحا، فهل تمثل وزارة الخارجية وحدها خط التفاوض؟ أم أن المجلس الأعلى للأمن القومي حاضر بوصفه مركز القرار؟ وهل وجود شخصيات متعددة في الواجهة يخلق انطباعا لدى الطرف الآخر بأن طهران لا تتحدث بصوت واحد؟ بالنسبة إليه، هذا ليس نقاشا إداريا، بل مسألة جوهرية، فالطرف المقابل يستثمر أي ارتباك في التمثيل ليُراكم مكاسب تفاوضية.

Image

من النقاط اللافتة في حديث دلفي أنه يفتح الباب لاحتمال وجود قناة ثالثة غير معلنة، مستندا إلى إشارات إعلامية وتصريحات توحي بأن هناك تواصلا يتجاوز القناة المعروفة بين المفاوضين المعلنين، فدلفي لا يجزم، لكنه يرى أن مجرد تداول هذا الاحتمال يزيد الغموض ويستدعي شفافية داخلية على الأقل حول سؤال من يفاوض؟ وبأي تفويض؟ وعلى أي خطوط؟ لأن التفاوض، وفق منطقه، يحتاج ممثلا واحدا واضح المهمة، مدعوما من كل مؤسسات النظام، كي لا يلتقط الطرف الآخر التناقضات أو تفاوت الإشارات.

وفي تقييمه لمشهد التهديد العسكري مع استمرار المسارات الدبلوماسية، لا ينفي دلفي خطورة الحشود الأميركية، لكنه لا يراها بالضرورة إعلان حرب، بل يعتبرها أداة ضغط ومساومة ورسائل موجهة كذلك إلى أطراف إقليمية، مع بقاء الدبلوماسية، في تقديره، صاحبة الأولوية طالما أن جولات التفاوض تتوالى من مسقط إلى جنيف، مضيفا أن الإشكال الحقيقي ليس وجود التفاوض، بل أن يستمر التفاوض بلا وحدة مسار، لأن ذلك قد يقود إلى نتيجة ضعيفة حتى لو تحقق اتفاق شكلي، إذ ستكون الولايات المتحدة، بحسب رأيه، الأقدر على استغلال التشتت الداخلي.

وعند سؤال إلى أين تمضي المفاوضات؟، يلتقي الخبيران على استنتاج عملي، مفاده أن المسار المقبل سيظل معلقا بين ضغط عسكري يرفع سقف الابتزاز وبين نافذة دبلوماسية لم تغلق بعد، فكريمي يراهن على أن تخفيض احتمال المواجهة مقارنة بأسابيع سابقة يفتح هامشا لصفقة ممكنة، لكنه يربط ذلك بمستوى الفريق وبالقدرة على المبادرة وعدم الاكتفاء بردود الفعل.

فيما يرى دلفي أن تقدما ما قد تحقق في النقاش النووي عبر صيغ متعددة مطروحة، مثل وقف التخصيب، أو نموذج ائتلاف نووي، أو تخفيف جزء من مخزون ٦٠٪، لكن النجاح النهائي يبقى رهينا بحسم سؤال التمثيل ووحدة القرار وتحديد ما إذا كانت الحزمة ستبقى نووية فقط أم ستنفتح، كما يروج الأميركيون، على ملفات أخرى.

كلمات مفتاحية: