بين “اتفاقات” بروكسل و”خيبات” طهران: عراقجي يضع أوروبا أمام مرآة ترامب

Image

كتب: الترجمان

في الوقت الذي تترقب فيه العواصم الأوروبية بقلق سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اختار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي توقيتا حساسا ليوجه “صفعة دبلوماسية” لبروكسل. لم يكن منشوره الأخير مجرد رد فعل على موقف عابر، بل كان قراءة في “انتقائية المبادئ” التي تمارسها القارة العجوز.

تغريدة عراقجي

ذكر عراقجي في تغريدته على منصة إكس أنه عندما تنتهك الولايات المتحدة اتفاقا وُقِّع مع الاتحاد الأوروبي قبل ستة أشهر فقط، تهب رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين فجأة للتحرك، وتصر على أنه “في السياسة كما في الأعمال؛ الصفقة هي صفقة”، وأنه عندما “يتصافح الطرفان، يجب أن يعني ذلك شيئا ما”.

وأشار إلى أنه بالنسبة لأوروبا، فإن معضلتها الحالية هي التعريف الحرفي لـ “الارتداد العكسي” (Blowback). لقد انصاعت الترويكا الأوروبية والاتحاد الأوروبي بوفاء، بل وساعدوا الرئيس ترامب عندما ألغى جانب واحد الاتفاق النووي الإيراني خلال ولايته الأولى. وبفعلتهم تلك، كان عليهم أن يفكروا في عواقب اليوم.

وأضاف أن هناك درس واحد واضح يمكن استخلاصه من كل هذا: إما أن “كل الصفقات هي صفقات ملزمة”، أو أن “لا قيمة لأي مصافحة”. الأمر بهذه الصراحة والوضوح، ونتيجة الخيار الأخير ليست سوى انهيار النظام الدولي.

وأوضح أن خير مثال على ذلك هو تهديد ترامب بالاستيلاء على “جرينلاند” بأي وسيلة كانت — وهو أمر غير قانوني وفقا لأي تصور للقانون الدولي أو حتى “النظام القائم على القواعد” — لكنه مصير لا تستحقه قارة أكثر من أوروبا.

Image

انقلاب السحر على الساحر: نظرية “الأثر المعكس”

استخدم عراقجي مصطلح “الأثر المعكس” لوصف المعضلة الأوروبية الحالية. فرئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، التي تصرخ اليوم بأن “الصفقة هي صفقة” ردا على انتهاك واشنطن لاتفاقيات تجارية مع أوروبا، هي نفسها التي كانت صامتة حينما مزق ترامب الاتفاق النووي في 2018.

إيران تحاول إحراج أوروبا أخلاقيا؛ فالمبادئ الدولية لا يمكن تجزئتها. فإذا كانت “المصافحة” لها قدسيتها في بروكسل، فلماذا فقدت قيمتها عندما كانت اليد المقابلة إيرانية؟

رسالة “جرينلاند”: التهكم كوسيلة ضغط

إشارة عراقجي لتهديدات ترامب بشأن الاستيلاء على جرينلاند التابعة للدنمارك، العضو في الاتحاد الأوروبي) لم تكن عفوية. هي محاولة لتذكير الأوروبيين بأن “الوحش” الذي ساعدوا في إطلاقه عبر السكوت على انتهاكاته ضد إيران، لن يتردد في التهام حلفائه أنفسهم. 

الجملة القاسية التي قال فيها إن “أوروبا تستحق ذلك”  تعكس حجم المرارة الإيرانية من سياسة “التبعية السلبية” التي انتهجتها الترويكا الأوروبية لسنوات.

يؤصل عراقجي في خطابه لنقطة جوهرية وهي أم النظام الدولي لا يمكن أن يستمر بالانتقائية، فإما الالتزام الشامل بالمعاهدات ،وإما شريعة الغاب التي ستؤدي في النهاية إلى انهيار “النظم القانونية” التي تتغنى بها أوروبا.

الدبلوماسية الهجومية

تؤشر نبرة عباس عراقجي الأخيرة على تحول بنيوي في العقيدة الدبلوماسية الإيرانية؛ فالدبلوماسية التي كانت تسعى يوما لاستمالة “الوسيط الأوروبي”، باتت اليوم تخاطبه من موقع “الناقد الأخلاقي”.

 لقد أدركت طهران أن الرهان على استقلالية القرار الأوروبي كان رهانا خاسرا في اختبارات سابقة، لذا فهي تستخدم الآن التهديد بـ “الترامبية” ليس لتخويف أوروبا فحسب، بل لإحراجها أمام منطقها القانوني ذاته.

الرسالة الجوهرية هنا تتجاوز العتاب، إنها إنذار مبكر للنظام الدولي برمته. فإذا استمرت القوى الكبرى في التعامل مع الاتفاقيات كأدوات “استخدام واحد” تُحترم عند المصلحة وتُهمل عند الضغط، فإننا أمام انهيار حتمي لنظام “القواعد والقانون”، واستبداله بنظام “الصفقات والقوة”.

في نهاية المطاف، يضع عراقجي أوروبا أمام مرآة صعبة، إما أن تمتلك الشجاعة لفرض سيادتها السياسية بعيدا عن العباءة الأمريكية وتثبت أن “المصافحة” لا تزال تعني شيئا، أو أن تستعد لمواجهة مصيرها في عالم “ترامبي” جديد لا يعترف بالحدود، ولا بالسيادة، ولا حتى بالاتفاقيات الموقعة بالأمس.