بين الأرقام والواقع… هل تنقذ زيادة الأجور في إيران المواطنين من الفقر؟

Image

في خضم نقاش اقتصادي محتدم تعيشه إيران بعد إقرار موازنتها للعام الجديد 1405، مارس/ آيار 2026، عاد ملف الأجور إلى صدارة الاهتمام السياسي والشعبي، باعتباره أحد أكثر القضايا ارتباطا بالحياة اليومية للمواطنين، الإعلان الأخير عن نسب زيادة الأجور، الذي جاء في سياق مناقشات مشروع الموازنة الجديدة، لم يكن مجرد قرار مالي عابر، بل مثل مؤشرا على عمق الأزمة المعيشية، وحدة التباين بين الأرقام الرسمية والواقع الذي يعيشه ملايين العمال والموظفين والمتقاعدين في البلاد.

السلطات التشريعية والتنفيذية قدمت الزيادة بوصفها محاولة لتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية، في وقت تتآكل فيه القدرة الشرائية بفعل التضخم وتراجع قيمة العملة. غير أن هذا الإعلان، على أهميته، فتح في المقابل بابا واسعا للنقاش حول مدى واقعيته، وحول ما إذا كانت الزيادات المقترحة قادرة بالفعل على حماية المواطنين من الانزلاق أكثر نحو الفقر، أم أنها ستظل خطوة محدودة التأثير في مواجهة أزمة اقتصادية مركبة.

زيادة الأجور في الموازنة الجديدة… أرقام رسمية وسياق سياسي

جاء الإعلان عن زيادة الأجور للعام الإيراني الجديد، الثلاثاء 27 يناير/ كانون الثاني 2026، ضمن مناقشات مشروع الموازنة العامة، وليس عبر قرار حكومي مستقل أو بيان تنفيذي منفصل، فقد كانت الحكومة اقترحت في البداية زيادة موحدة بنسبة 20% على الرواتب، وهو مقترح قوبل بانتقادات حادة داخل قاعة البرلمان، نظرا لعدم تناسبه، بحسب النواب، مع الارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة.

Image

هذا الخلاف دفع لجنة التوفيق في البرلمان إلى إعادة النظر في المقترح الحكومي، حيث تم رفض الصيغة الأولى لمشروع الموازنة، وفتح باب التفاوض مجددا بين الحكومة والبرلمان، ونتيجة لهذا التفاعل، جرى التوصل إلى صيغة معدلة تقضي بأن تتراوح زيادة الأجور بين 20% و43%، وفق ما أعلن رسميا في الإطار العام للموازنة الجديدة.

اللافت في هذه الصيغة أنها اعتمدت، وفق خبراء، على ما سمي بالزيادة التصاعدية العكسية، أي منح نسب زيادة أعلى لأصحاب الدخول المنخفضة، مقابل نسب أقل لأصحاب الدخول المرتفعة، هذا التوجه قدم على أنه محاولة لتقليص الفجوة بين الشرائح الاجتماعية، وتخفيف الضغط عن الفئات الأكثر تضررا من التضخم.

بهذا الشأن، فقد قال مجتبي يوسفي، المتحدث باسم لجنة التوفيق، أن الهدف من هذه الصيغة هو ضمان أن تكون الزيادة حقيقية وليست شكلية، مشيرا إلى أن التجارب السابقة أثبتت أن رفع الرواتب دون معالجة النظام الضريبي يؤدي عمليا إلى استرداد الزيادة من جيوب المواطنين عبر الضرائب.

Image

الضرائب والرواتب… ست شرائح لتفادي تبخر الزيادة

إلى جانب الإعلان عن نسب زيادة الأجور، شكل تعديل النظام الضريبي على الرواتب أحد أبرز ملامح الموازنة، فالبرلمان والحكومة اتفقا على أن أي زيادة في الدخل لا معنى لها إذا لم تحم من الاستنزاف الضريبي، خاصة بالنسبة لأصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة.

فبموجب الصيغة الجديدة، تم اعتماد ست شرائح ضريبية، الشريحة الأولى تشمل الرواتب حتى 400 مليون ريال شهريا، نحو 261 دولار، وهي معفاة بالكامل من الضريبة، هذه الشريحة تضم، بحسب التقديرات الرسمية، الغالبية العظمى من الموظفين والعمال في القطاعين العام والخاص.

أما الشريحة الثانية، فتشمل الرواتب بين 400 و800 مليون ريال شهريا، بين نحو 261 و523 دولار، حيث تفرض ضريبة بنسبة 10% فقط على الجزء الذي يتجاوز مبلغ 400 مليون ريال، وقد جرى التركيز على مثال الراتب البالغ 500 مليون ريال نحو 327 دولار، إذ تفرض الضريبة على 100 ملايين ريال فقط، نحو 65 دولار، بنسبة 10%، أي ما يعادل عشرة مليون ريال ضريبة، نحو 6.5 دولار.

Image

الشريحة الثالثة تشمل الرواتب من 800 ألف إلى مليار ريال، نحو 523 إلى 654 دولار، وتخضع لضريبة بنسبة 15%. أما الشريحة الرابعة فتشمل الرواتب من مليار إلى مليار و200 مليون ريال، نحو 654 إلى 784 دولار، بنسبة ضريبة 20%

في الشريحة الخامسة، تفرض ضريبة بنسبة 25% على الرواتب التي تتراوح بين مليار و200 ومليار 400 مليون ريال، نحو 784 إلى 915 دولار، أما الرواتب التي تتجاوز مليار 400 مليون ريال شهريا، أكثر من 915 دولار، فتخضع لضريبة تصل إلى 30%.

وحسب التقارير الإعلامية، فيرى النواب المؤيدون لهذه الصيغة أن هذا التقسيم يضمن حماية نحو 85% من أصحاب الرواتب في إيران، الذين يقعون ضمن الشريحتين الأولى والثانية، أي تحت سقف 800 مليون ريال، 523 دولار، ويحول دون تآكل الزيادات المعلنة بفعل الضرائب.

هل تكفي الزيادة؟ الأجور في مواجهة خط الفقر والأزمة المعيشية

رغم الطابع الذي وصف بالتقدمي الذي حاولت السلطات إضفاءه على زيادة الأجور ونظام الضرائب، إلا أن السؤال الأهم بقي مطروحا بقوة، هل تكفي هذه الزيادة لمواجهة الواقع المعيشي الصعب في إيران؟ الإجابة، وفق آراء العديد من الخبراء والنقابيين، تميل إلى التشكيك أكثر من التفاؤل.

سمية كلبور، رئيسة الاتحاد الأعلى للجمعيات النقابية للعمال، كانت من أبرز الأصوات المنتقدة للاكتفاء بالحديث عن نسب الزيادة، فقد شددت على أن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن ينحصر في الأرقام المئوية، بل في القدرة الشرائية الفعلية للأجور، معتبرا أن أي زيادة، حتى لو بلغت 50% أو 60%، قد تبقى غير كافية إذا لم تواكبها سياسات تضمن استقرار الأسعار وتحد من التضخم.

فحسب كلبور، فإن الحد الأدنى الحالي للأجور، الذي يدور حول 120 ريال، 78 دولار، لا يغطي سوى جزء بسيط من الاحتياجات الأساسية للأسر العمالية، وحتى في حال رفع هذا الرقم بنسبة 50% ليصل إلى0 18 مليون ريال، 118 دولار، فإنه سيظل بعيدا جدا عن خط الفقر المعلن.

Image

أحد المحاور الأساسية في هذا الجدل يتمثل في سلة المعيشة، وهي المؤشر الذي تعتمد عليه النقابات العمالية لتقدير الحد الأدنى اللازم لتأمين حياة كريمة للأسرة، فتشير التقديرات الأخيرة إلى أن سلة المعيشة التي كانت تقدر بنحو300 مليون ريال، ما يعادل 196 دولار، قبل أشهر قليلة أصبحت متجاوزة للواقع، ولم تعد تعكس الارتفاع المتسارع في الأسعار.

وترى النقابات العمالية أن سلة المعيشة يجب إعادة احتسابها على أساس معدل تضخم يقارب 60%، إضافة إلى تداعيات إلغاء سعر الصرف التفضيلي، الذي أدى إلى زيادة أسعار العديد من السلع الأساسية، ووفق هذه المعطيات، فإن أي زيادة في الأجور لا تصل بالحد الأدنى إلى مستوى قريب من هذه السلة ستبقى، من وجهة نظرهم، زيادة شكلية أكثر منها حقيقية.

من جهة أخرى، يبرز ملف بدل السكن كأحد أبرز أوجه القصور في سياسات الأجور، فبدل السكن، بحسب النقابات، بقي ثابتا خلال العامين الماضيين دون أي تعديل، رغم الارتفاع الكبير في أسعار الإيجارات، ما يجعل جزءا كبيرا من الدخل، الذي لا يتجاوز في كثير من الحالات بضع مئات من الدولارات شهريا، مخصصا لتغطية تكاليف السكن وحدها.

كما أن تدخل الدولة في مفاوضات الأجور كان محل انتقاد من قبل ممثلي العمال، الذين يؤكدون أن المفاوضة الحقيقية يجب أن تكون بين العمال وأصحاب العمل، ويرون أن التدخل الحكومي غالبًا ما يؤدي إلى فرض سقوف لا تعكس الواقع الاقتصادي، في حين أن ترك المجال للتفاوض قد يفضي إلى اتفاقات أكثر توازنا وعدالة.

Image

من زاوية اجتماعية أوسع، تعكس هذه التطورات حالة من القلق العميق لدى الطبقة المتوسطة والشرائح الضعيفة، التي تجد نفسها عالقة بين زيادات في الأجور لا تواكب الارتفاع في الأسعار، ونظام اقتصادي يزداد تعقيدا، وتشير استطلاعات رسمية إلى أن أكثر من نصف الإيرانيين يعتبرون دخلهم غير كاف لتغطية نفقات المعيشة، فيما يعجز نحو ثلث الأسر عن الادخار.

في المقابل، شدد مسؤولون برلمانيون على أن استهداف الرواتب الفلكية يجب أن يكون أولوية، بدل الضغط على العمال والموظفين والمتقاعدين، معتبرين أن الرواتب غير المتعارفة ترتبط في الغالب بالمناصب الإدارية العليا في شركات شبه حكومية، حيث تلعب المحسوبية دورا كبيرا في تحديد مستويات الأجور.

إن الإعلان عن زيادة الأجور في الموازنة الجديدة يمثل خطوة مهمة من حيث الشكل، ويعكس اعترافا رسميا بعمق الأزمة المعيشية، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في ترجمة هذه الزيادة إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين، وهو أمر يبقى مرهونا بعوامل أوسع من مجرد رفع الرواتب، على رأسها السيطرة على التضخم، واستقرار العملة، وإصلاح السياسات الاقتصادية الكلية.

وبينما تستعد البلاد لتطبيق موازنة العام الجديد، يبقى السؤال مفتوحا في الشارع الإيراني، هل ستتمكن هذه الزيادات، التي لا تزال في معظمها دون 600 دولار شهريا، من تخفيف وطأة الأزمة، أم أنها ستبقى أرقاما محدودة التأثير في مواجهة واقع اقتصادي أكثر قسوة؟