- زاد إيران - المحرر
- 366 Views
كتب: الترجمان
لم يكن الاجتماع الذي عقده الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان مع أكثر من ستين ناشطا سياسيا من التيارين الأصولي والإصلاحي مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تحوّل سريعًا إلى اختبار عملي لشعار «الوفاق الوطني» الذي ترفعه الحكومة منذ تشكيلها.
اختبار كشف، خلال ثلاث ساعات فقط، حجم التناقضات المتراكمة داخل المشهد السياسي الإيراني، وحدود قدرة الخطاب التوافقي على احتواء خلافات تتجاوز الأشخاص إلى الرؤى والمسارات.
اجتماع طويل… ونتائج قصيرة
عُقد الاجتماع يوم الأربعاء 17 ديسمبر/كانون الأول 2025، بعد عام ونصف تقريبا على تولّي بزشكيان الرئاسة، بهدف مناقشة «سبل تحقيق الانسجام الوطني وعبور التحديات». غير أن ما نُشر لاحقا من كواليس اللقاء، عبر تصريحات المشاركين، أوحى بأن الحديث عن الانسجام سبق الوصول إلى حدّ أدنى من التفاهم حول طبيعة الأزمة نفسها.
فبين من خرج متفائلا، ومن وصف الجلسة بأنها «إضاعة للوقت»، بدت القاعة وكأنها جمعت أزمات السياسة الإيرانية كلها في مساحة واحدة: خلاف حول التفاوض، غضب اجتماعي مكتوم، تشكيك في جدوى الأحزاب، وصراع مفتوح على تفسير معنى “الوفاق”.

بزشكيان يضع سقف التفاوض
اللحظة الأكثر حساسية في الاجتماع كانت بلا شك حين طُرح ملف التفاوض مع الولايات المتحدة. بزشكيان لم يناور، ولم يقدّم خطابا دبلوماسيا مرنا، بل اختار الوضوح الحاد. قال إن واشنطن تريد «كل شيء»، وإنه لا يقبل مفاوضات تقوم على نزع القدرات الدفاعية أو فرض التخصيب الصفري.
الرئيس الإيراني بدا حريصا على توجيه رسالتين في آن واحد:
الأولى إلى الخارج، مفادها أن حكومته لن تكون بوابة لتنازلات استراتيجية.
والثانية إلى الداخل، خصوصا إلى قاعدته الإصلاحية، بأن الواقعية السياسية لا تعني التفريط بالثوابت.
هذا الخطاب لقي تصفيقا ضمنيا من التيار الأصولي، لكنه في المقابل أثار امتعاض شخصيات إصلاحية رأت فيه تجاهلا لتعقيدات الأزمة الاقتصادية التي يرزح تحتها الشارع الإيراني.
إصلاحيون: المشكلة في الذهنية لا في الأشخاص
بعيدا عن السياسة الخارجية، حاول بعض الإصلاحيين نقل النقاش إلى مستوى أعمق. محمد حسين بني أسدي تحدث عن «ذهنية إقصائية» تحكم العلاقة بين الدولة والمجتمع، معتبرا أن الأزمات المتراكمة ليست وليدة أخطاء ظرفية، بل نتاج نمط حكم يقوم على الفرز والاستبعاد.
تشبيه المجتمع الإيراني بـ«مريض محاصر بين ضغط خارجي واضطراب داخلي» لم يكن مجرد استعارة بلاغية، بل توصيفًا لحالة انسداد مزدوج: لا حلول خارجية ممكنة بلا كلفة، ولا إصلاح داخلي قابل للاستمرار تحت العقوبات.
“الوفاق” من منظور الشارع
آذر منصوري، رئيسة جبهة الإصلاحات، ذهبت خطوة أبعد، محذّرة من تحويل الوفاق إلى مجرد صفقة سياسية بين النخب. بالنسبة لها، المعيار الحقيقي لأي انسجام وطني هو انعكاسه على حياة الناس: الأجور، التضخم، الحريات، ونمط الحياة.
كلامها لامس أحد أخطر التحديات التي تواجه حكومة بزشكيان: فجوة التوقعات. فحين تُرفع شعارات كبرى دون نتائج ملموسة، يتحول الإحباط الشعبي إلى عامل تقويض لأي مشروع إصلاحي، مهما كان حسن النية.
توتر داخل القاعة… لا خارجها
لم يقتصر الجدل على اختلاف الرؤى، بل امتد إلى أسلوب النقاش نفسه. مقاطعات، اعتراضات، وحدّة في الخطاب دفعت الرئيس إلى التدخل، مذكّرا بأنه استمع لساعات دون مقاطعة.
هذه اللحظة، وإن بدت عابرة، كشفت هشاشة قواعد الحوار بين النخب السياسية، حتى داخل مساحة يُفترض أنها آمنة للنقاش.
محمد علي أبـطحي لخّص المشهد بسخرية لاذعة، حين كتب أن الجلسة شهدت «فتح عدد كبير من عبوات المشروبات الغازية»، في إشارة إلى فراغ النقاش من نتائج عملية، وانفصال الحاضرين عن الجيل الجديد.

الاقتصاد… الغائب الحاضر
رغم أن ملف المعيشة لم يكن محورا منظما للنقاش، فإنه ظل حاضرا في الخلفية بقوة. حبيب الله بوربور، الأمين العام لجمعية «وفاداران انقلاب إسلامي»، انتقد صراحة ضعف إدارة الجلسة، معتبرا أن مشكلات الدولار والأسعار لم تُطرح بجدية.
حديثه عن الفجوة بين الأجور والأسعار، وعن تحوّل الدعم والعملة إلى أدوات بيد السماسرة، أعاد التذكير بأن أي حديث عن الوفاق، دون معالجة الاقتصاد، سيظل خطابًا نخبويًا بلا صدى شعبي.
أزمة الأحزاب نفسها
محمد قوجاني قدّم تشخيصا مختلفا، معتبرا أن المشكلة لا تكمن فقط في الحكومة، بل في الأحزاب ذاتها. فغياب البرامج، وتحوّل اللقاء إلى ساحة مطالب عامة، يعكس ضعف البنية الحزبية، وعجزها عن لعب دور الوسيط الفعّال بين المجتمع والسلطة.
تشبيهه بعض الجلسات بمشاهد من مسلسل «العاصمة» لم يكن ساخرا بقدر ما كان مؤلمًا: سياسة بلا أجندة، ومطالب بلا إطار.
رسالة مخبر… عودة إلى لغة التحذير
الجدل لم ينتهِ بانتهاء الاجتماع. فقد أرسل محمد مخبر، نائب الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي، رسالة غلى الرئيس مسعود بزشكيان محذّرا من التساهل مع الإساءة إلى الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي، أعادت فتح ملف حساس: حدود النقد السياسي، والذاكرة المتصارعة للمرحلة السابقة.
الرسالة عكست خشية حقيقية داخل النظام من أن يتحول خطاب «الوفاق» إلى منصة لتصفية حسابات سياسية، بدل أن يكون جسرًا لعبور الخلاف.

ما كشفه اجتماع بزشكيان مع الأحزاب ليس فشل الحوار، بل صعوبة المهمة. فالتباينات أعمق من أن تُحل في جلسة واحدة، والوفاق، إذا لم يُترجم إلى سياسات اقتصادية واضحة، وإلى آليات حوار منضبطة، سيظل شعارًا جذابًا بلا مضمون عملي.
في إيران اليوم، يبدو أن السؤال لم يعد: هل نحتاج إلى وفاق؟ بل: أي وفاق، وبأي ثمن، ولصالح من؟

