خطأ واحد… ومنحنا إيران مسؤولا لم تُعيّنه

Image

كتب: الترجمان

في عالم الترجمة السياسية، لا يقع الخطأ دائما في الجمل الطويلة أو المصطلحات المعقّدة، لكن كثيرا ما يتسلّل من الكلمات المألوفة التي يظن المترجم أنه أمسك بمعناها من أول نظرة. كلمة واحدة، توصيف صغير، قد يبدوان تفصيلا هامشيا، لكنهما في الأخبار السياسية قد يصنعان فارقا بين رأي شخصي وموقف دولة.

ومن بين النوادر التي صادفتها خلال عملي في ترجمة الأخبار الإيرانية بموقع “زاد إيران”، نادرة تتعلق بخطأ شائع وخطير في آن واحد: سوء توصيف المسؤول الإيراني، وكيف يمكن لجملة واحدة أن ترفعه من خانة “المستشار” إلى مصاف “صنّاع القرار”.

كنت أراجع خبرا مترجما عن موقع إيراني يتناول تصريحا سياسيا حول ملف إقليمي حساس. في بداية المادة، وجدت التعريف التالي:
“قال أحد كبار المسؤولين الإيرانيين إن بلاده…”

توقفت عند العبارة.
“أحد كبار المسؤولين”؟
فتحت النص الفارسي الأصلي، فوجدت أن الاسم مسبوق بتوصيف واضح وصريح:
مشاور رئیس ‌جمهور در امور…
أي: مستشار رئيس الجمهورية في شؤون…

لا وزير، ولا نائب، ولا عضو في البرلمان، ولا مسؤول تنفيذي. مجرد مستشار من بين عشرات المستشارين الذين يحيطون بالرئيس، يقدّم رأيا، وقد يُؤخذ به أو يُترك، لكنه لا يمثّل قرار الدولة.

استدعيت المترجم المسؤول عن المادة وسألته بهدوء:
– لماذا وصفتَه بأنه “أحد كبار المسؤولين الإيرانيين”؟
فأجاب بثقة:
– لأنه قريب من الرئيس، وتصريحاته تُنشر كثيرا في الإعلام، فاعتبرته شخصية كبيرة.

وهنا تحديدا تكمن المشكلة.

الترجمة السياسية لا تقوم على “الانطباع”، ولا على تقدير شخصي لحجم المتحدث، إنما على التوصيف الدقيق للمنصب. فعندما تقول “مسؤول إيراني كبير”، فأنت تمنح التصريح وزنا سياسيا أعلى مما يحتمله. القارئ العربي سيفهم تلقائيا أن الكلام صادر عن جهة تنفيذية أو مركز قرار، لا عن رأي استشاري.

شرحت له أن الخطأ هنا ليس لغويا، بل سياقي ومهني. فهو لم يخطئ في نقل الجملة، وإنما أخطأ في توصيف صاحبها، وهذا في العمل الإخباري قد يكون أخطر من إسقاط كلمة أو حرف.

ثم أوضحت له — ولمن حضر النقاش — الفروق التي يغفل عنها كثير من المترجمين عند التعامل مع الشأن الإيراني:
فـالمستشار (مشاور) يقدّم رأيا، لكنه لا يوقّع قرارا، أما نائب الوزير (معاون وزیر) فهو مسؤول تنفيذي بملف محدد، والوزير عضو في الحكومة، وتصريحه يُعدّ رسميًا، وعضو البرلمان مشرّع، لا ممثل للحكومة، بينما عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام يُعدّ من أصحاب المواقع الاستراتيجية الثقيلة.

أي قفزة غير محسوبة بين هذه المسميات تغيّر دلالة الخبر بالكامل.

واللافت أن هذا النوع من الأخطاء يتكرر كثيرا في الترجمة من الفارسية، حتى صار من الأخطاء “الكلاسيكية”، مثل:
ترجمة “عضو سابق في الحكومة” كأنه مسؤول حالي، أو اعتبار كل من يرتدي العمامة “رجل دين” بلا توصيف سياسي، أو الخلط بين قائد عسكري سابق وقيادة فاعلة على الأرض.

وما يزيد الأمر سوءا أن كثيرا من المواقع العربية تنسخ هذه الترجمات كما هي، دون مراجعة أو تدقيق، فيتحول المستشار إلى “مسؤول رفيع”، والرأي الشخصي إلى “موقف إيراني”، ويُبنى على ذلك تحليل سياسي كامل لا أساس له.

وفي السياسة، الفارق بين رأي وموقف، وبين شخصية قريبة من السلطة وممثل رسمي لها، قد يصنع عناوين، أو يخلق توترا، أو يضلّل القارئ عن حقيقة المشهد، وأي تهاون في توصيف المسؤول، هو في الحقيقة تهاون في فهم الخبر نفسه.

وإلى لقاء في نادرة جديدة من نوادر المترجمين.