بين التصعيد والردع.. هل تقترب المواجهة الكبرى بين إيران وأمريكا؟

مع تصاعد التهديدات الأمريكية بشن هجوم كبير ضد إيران، وعودة الحديث داخل واشنطن عن خيارات عسكرية جديدة، رفعت طهران بدورها سقف خطابها السياسي والعسكري بصورة غير مسبوقة. وفي هذا السياق، يأتي خطاب الإعلام الإيراني ككل، والأصولي منه على وجه الخصوص، ليعكس بوضوح طبيعة الرسائل التي تحاول إيران إيصالها إلى الولايات المتحدة وحلفائها، والقائمة على أن أي استهداف للبنية التحتية الإيرانية لن يبقى دون رد واسع يطال أمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي في المنطقة. تزامن ذلك مع تهديدات مباشرة من الحرس الثوري بتوسيع نطاق الحرب إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط، وسط تحذيرات وتحليلات متزايدة تتحدث عن احتمال عودة المواجهة العسكرية بين الجانبين، في ظل استمرار التصعيد وتراجع فرص التوصل إلى تسوية سياسية قريبة.

كيهان.. تدمير إيران يعني تدمير الجميع

جاء التقرير الذي نشرته صحيفة كيهان الإيرانية، الخميس 21 مايو/ آيار 2026، منسجما مع الخطاب السياسي والإعلامي الإيراني خلال المرحلة الأخيرة، والذي يقوم على فكرة الردع من خلال التلويح بإلحاق أضرار واسعة بمصالح الخصوم الإقليمية والدولية إذا تعرضت إيران لهجوم عسكري جديد. فالصحيفة، المعروفة بقربها من التيار الأصولي في إيران، قدمت تصورا واضحا يقوم على أن أي استهداف للبنية التحتية الإيرانية سيقود إلى تهديد مباشر للبنية التحتية للطاقة في المنطقة، وبالتالي تهديد الاقتصاد العالمي بأسره.

Image

وركز التقرير على أن إيران وصلت إلى قناعة مفادها أن تدمير اقتصادها أو ضرب منشآت الطاقة التابعة لها سيجعلها غير معنية بالحفاظ على أمن الطاقة لدى الآخرين، معتبرا أن أمن النفط والغاز في المنطقة مرتبط بصورة مباشرة بأمن إيران واستقرارها. ووفق هذا المنطق، فإن أي حرب جديدة لن تبقى محصورة داخل الأراضي الإيرانية، بل ستؤدي إلى استهداف منشآت الطاقة والممرات الحيوية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي.

كما شدد التقرير على أن العالم يعيش حالة من الترابط الاقتصادي تجعل من الصعب فصل أمن الخليج عن استقرار الاقتصاد الدولي، خاصة في ظل الاعتماد العالمي الكبير على نفط المنطقة و غازها الطبيعي. ومن هنا، حاولت الصحيفة ترسيخ معادلة تقول إن أي ضربة ضد إيران ستنعكس تلقائيا على أسعار النفط، وعلى حركة التجارة والطاقة، وعلى استقرار الأسواق العالمية.

Image

وتحدثت الصحيفة بصورة مباشرة عن أهمية مضيق هرمز بوصفه أحد أبرز أوراق الضغط الإيرانية، مشيرا إلى أن تعطيل الملاحة أو تهديد تدفق النفط عبر المضيق يمكن أن يؤدي إلى أزمة عالمية واسعة. كما اعتبر أن الولايات المتحدة تدرك جيدا أن أي حرب شاملة ضد إيران قد تؤدي إلى انهيار اقتصادي واسع النطاق، ولذلك فإن طهران تسعى إلى استخدام هذه المخاوف كجزء من سياسة الردع.

ولم يقتصر خطاب كيهان على البعد العسكري، بل ربط بصورة واضحة بين أمن إيران واستقرار النظام الاقتصادي العالمي، معتبرا أن استمرار تدفق الطاقة واستقرار الأسواق الدولية باتا مرتبطين بتجنب أي مواجهة عسكرية واسعة مع إيران، ويعكس هذا الطرح توجها إيرانيا متزايدا نحو اعتبار الاقتصاد والطاقة جزءا من معادلة الحرب والردع، وليس مجرد ملف منفصل عن الصراع السياسي والعسكري.

كما حمل التقرير رسالة ضمنية مفادها أن إيران لا ترى نفسها في موقع الطرف الضعيف الذي يمكن إخضاعه بسهولة عبر العقوبات أو الضربات العسكرية، بل تعتبر أن لديها القدرة على إلحاق أضرار كبيرة بمصالح خصومها، خاصة في منطقة الخليج التي تمثل القلب الرئيسي لإنتاج وتصدير الطاقة في العالم.

ترامب والتلويح بالهجوم الكبير

في المقابل، واصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصعيد لهجته تجاه إيران، مع استمرار تعثر المفاوضات المتعلقة بالملف النووي وتصاعد التوتر في المنطقة. فقد لوح ترامب خلال الأيام الماضية أكثر من مرة بإمكانية تنفيذ هجوم كبير ضد إيران إذا لم تستجب لشروط واشنطن، مؤكدا أن الولايات المتحدة لن تسمح لطهران بامتلاك سلاح نووي.

وأشارت تقارير أمريكية إلى أن الإدارة الأمريكية وضعت بالفعل خططا هجومية واسعة، قبل أن يتم تأجيل تنفيذها مؤقتا لإفساح المجال أمام المسار التفاوضي، كما تحدث ترامب علنا عن أنه وافق على تنفيذ ضربات واسعة ثم قرر تأجيلها، مع استمرار التحذير من أن الخيار العسكري لا يزال مطروحا بقوة.

Image

وترافقت هذه التهديدات مع تصعيد واضح في الخطاب الأمريكي الذي يصور إيران باعتبارها تهديدا مباشرا للمصالح الأمريكية وحلفاء واشنطن في المنطقة. كما أثارت تصريحات ترامب التي تحدث فيها عن احتمال موت حضارة كاملة إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، حالة من القلق داخل أوروبا، خصوصا مع غياب وضوح كامل بشأن حدود الخيارات العسكرية الأمريكية.

لكن في الوقت نفسه، تبدو الإدارة الأمريكية حذرة من الانزلاق إلى حرب طويلة ومكلفة في الشرق الأوسط، خاصة في ظل التجارب السابقة التي أرهقت الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وعسكريا. كما تدرك واشنطن أن أي حرب واسعة مع إيران قد تؤدي إلى اضطراب كبير في أسواق النفط والطاقة، وهو ما قد ينعكس بصورة سلبية على الاقتصاد العالمي وعلى الداخل الأمريكي نفسه.

Image

وتشير تقارير أمريكية إلى أن إيران استغلت فترات التهدئة الأخيرة لإعادة ترتيب جزء من قدراتها العسكرية والصاروخية، وإعادة توزيع بعض منصات الإطلاق، فضلا عن تطوير تكتيكات دفاعية جديدة بعد الحرب الأخيرة. كما اعترف بعض المسؤولين العسكريين الأمريكيين بأن الحرب السابقة لم تؤد إلى إضعاف إيران بالشكل الذي كان متوقعا، بل جعلتها أكثر استعدادا لمواجهة جديدة.

ويبدو أن ترامب، حسب خبراء،  يحاول الموازنة بين الرغبة في إظهار القوة والقدرة على فرض الشروط الأمريكية بالقوة، وبين المخاوف من الدخول في حرب مفتوحة قد تتحول إلى استنزاف طويل ينعكس على الوضع الداخلي الأمريكي، خصوصا في ظل الجدل السياسي القائم داخل الولايات المتحدة بشأن جدوى أي مواجهة جديدة في الشرق الأوسط.

الحرس الثوري.. الحرب المقبلة لن تبقى داخل المنطقة

في مواجهة التصعيد الأمريكي، جاء رد الحرس الثوري الإيراني شديد اللهجة، حيث أكد في بيان رسمي أن أي هجوم جديد على إيران سيؤدي إلى نقل الحرب إلى ما هو أبعد من حدود المنطقة. وحمل البيان لغة واضحة تقوم على التهديد بتوسيع دائرة الصراع واستهداف مواقع ومصالح لا يتوقعها الخصوم.

Image

وأكد الحرس الثوري أن إيران لم تستخدم حتى الآن كل قدراتها العسكرية، رغم الهجمات التي تعرضت لها، مشددا على أن أي جولة جديدة من المواجهة ستكون مختلفة وأكثر اتساعا. كما أشار البيان إلى أن الرد الإيراني لن يقتصر على الدفاع داخل الأراضي الإيرانية، بل سيشمل توجيه ضربات قاسية ضد أهداف مرتبطة بالولايات المتحدة وحلفائها.

وتقاطع هذا الخطاب مع تقارير وتحليلات تحدثت عن إعداد طهران لسيناريوهات رد جديدة، تتضمن احتمال استهداف منشآت حيوية في الخليج، أو تهديد خطوط الملاحة والطاقة، أو توسيع العمليات إلى مناطق بحرية أخرى مثل البحر الأحمر.

Image

كما برز خلال الفترة الأخيرة حديث متزايد داخل الأوساط الإيرانية عن استخدام الاقتصاد العالمي نفسه كجزء من معادلة الردع، عبر التهديد بتعطيل طرق التجارة والطاقة أو استهداف بنى تحتية حيوية مرتبطة بالاتصالات والتكنولوجيا والطاقة.

ويعكس هذا التوجه اقتناعا متزايدا داخل إيران بأن الحرب الحديثة لا تقتصر على المواجهة العسكرية التقليدية، بل تشمل أيضا التأثير على الاقتصاد العالمي وشبكات التجارة والطاقة والتكنولوجيا، وهو ما يفسر تركيز الخطاب الإيراني على مضيق هرمز ومنشآت النفط والبنية التحتية الإقليمية.

كما تسعى طهران من خلال هذا الخطاب إلى إيصال رسالة مفادها أن أي حرب ضدها لن تكون سهلة أو محدودة، وأن نتائجها ستطال الجميع، وليس إيران وحدها. ولذلك، فإن إيران تراهن على أن الخوف من اتساع نطاق الحرب سيشكل عامل ردع يمنع الولايات المتحدة من الذهاب إلى مواجهة شاملة.

هل تعود الحرب؟ وهل تستطيع إيران توجيه ضربات قوية؟

رغم استمرار الاتصالات السياسية والمفاوضات غير المباشرة، فإن احتمالات العودة إلى المواجهة العسكرية لا تزال قائمة بقوة، خاصة في ظل استمرار التصعيد السياسي والإعلامي والعسكري بين الطرفين، وغياب أي اتفاق نهائي بشأن الملفات الخلافية الكبرى.

ويرى عدد من المحللين أن كلا من واشنطن وطهران يعتقد أن امتلاك القدرة على التصعيد يمنحه موقعا تفاوضيا أقوى. فالولايات المتحدة تراهن على أن الضغوط العسكرية والاقتصادية قد تدفع إيران إلى تقديم تنازلات، بينما تراهن إيران على قدرتها على الصمود وإلحاق أضرار مؤلمة بمصالح خصومها.

Image

وفي هذا السياق، تبدو إيران حريصة على إظهار قدرتها على امتصاص الضربات والاستمرار في المواجهة، فقد تحدثت تقارير أمريكية عن أن جزءا كبيرا من الصواريخ الباليستية الإيرانية ما يزال محفوظا داخل منشآت عميقة تحت الأرض أو داخل جبال يصعب استهدافها بالكامل. كما أن إيران أعادت توزيع جزء من أسلحتها وطورت أساليب دفاعية جديدة بعد الحرب الأخيرة.

إضافة إلى ذلك، تمتلك إيران عدة أوراق ضغط مهمة، من بينها قدرتها على تهديد الملاحة في مضيق هرمز، واستهداف منشآت الطاقة في الخليج، إضافة إلى شبكة الحلفاء والقوى المسلحة المرتبطة بها في عدد من الساحات الإقليمية.

Image

لكن في المقابل، تدرك طهران أيضا أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك تفوقا عسكريا وتقنيا واقتصاديا كبيرا، وأن أي حرب طويلة قد تؤدي إلى استنزاف واسع داخل إيران نفسها، خاصة إذا تعرضت البنية التحتية الحيوية لضربات مستمرة.

ولهذا، تبدو المنطقة اليوم أمام معادلة شديدة التعقيد؛ فالحرب ليست حتمية، لكنها أيضا ليست مستبعدة. وبين التصعيد الأمريكي وخطاب الردع الإيراني، يبقى الشرق الأوسط على حافة مواجهة قد تبدأ بضربات محدودة، لكنها قد تتحول سريعا إلى صراع إقليمي واسع يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والتوازنات الدولية بأكملها.