المرشد الإيراني وتحذيرات الحرب السكانية… هل تدخل إيران مرحلة الخطر الديموغرافي؟

تشهد إيران في السنوات الأخيرة تصاعدا لافتا في النقاشات المرتبطة بمستقبلها الديموغرافي، في ظل مؤشرات متزايدة على تراجع معدلات الخصوبة والمواليد، وارتفاع معدلات الشيخوخة، واتساع المخاوف الرسمية من التحولات السكانية التي قد تفرض تحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة خلال العقود المقبلة. وفي خضم هذا الجدل، عادت قضية السكان لتحتل موقعا مركزيا في الخطاب السياسي والإعلامي الإيراني، خصوصا بعد دخول مؤسسات الدولة الدينية والتنفيذية والصحية على خط التحذير من التداعيات المحتملة لاستمرار الانخفاض السكاني. ويعكس هذا الحراك حجم القلق داخل دوائر صنع القرار الإيرانية من تأثير التحولات الديموغرافية على قوة الدولة، ودورها الإقليمي، ومستقبلها التنموي، والحضاري.

السكان في قلب الخطاب السياسي الإيراني

أعاد رد المرشد الإيراني، مجتبى خامنئي، على رسالة عدد من الناشطين في مجال السكان، الأربعاء 20 مايو/ آيار 2026، تسليط الضوء على الأهمية الاستراتيجية التي توليها القيادة الإيرانية للملف الديموغرافي، باعتباره أحد أبرز التحديات التي تواجه البلاد في المرحلة المقبلة. فالرسالة التي حملت مضامين واضحة بشأن ضرورة زيادة عدد السكان، لم تأت بوصفها موقفا عابرا أو استجابة بروتوكولية لمبادرة شعبية، بل بدت امتدادا لخطاب سياسي متكامل تعتبر فيه طهران أن قضية السكان ترتبط بصورة مباشرة بمستقبل النفوذ الإيراني وقدرته على الاستمرار كقوة إقليمية مؤثرة.

Image

ففي متن الرد، ربط المرشد الإيراني بين النمو السكاني وبين قوة إيران والحضارة الإيرانية الإسلامية الحديثة، معتبرا أن استمرار مكانة إيران كدولة كبرى يتطلب الحفاظ على زخمها السكاني وتعزيز نسبة الشباب داخل المجتمع، كما أشار إلى أن بعض السياسات السابقة أدت إلى اختلالات ديموغرافية، في إشارة إلى برامج تنظيم الأسرة التي اعتمدتها إيران خلال العقود الماضية، والتي ساهمت في خفض معدلات الإنجاب بصورة كبيرة بعد الطفرة السكانية التي أعقبت الثورة الإيرانية والحرب العراقية الإيرانية.

وحسب قراءات للمشهد الداخلي، فإن هذا الربط بين السكان والقوة لم يعد مقتصرا على الخطاب الديني أو السياسي، بل بات يتكرر في تصريحات كبار المسؤولين الإيرانيين، الذين يرون أن التراجع السكاني قد يتحول إلى تهديد استراتيجي يفوق في خطورته التهديدات العسكرية. وفي هذا السياق، قال معاون شؤون الصحة في وزارة الصحة الإيرانية عليرضا رئيسي إن قضية السكان لا تقل أهمية عن الحرب، معتبرا أن الانتصار في المعارك العسكرية قد يكون ممكنا، لكن الانتصار في مواجهة الانحدار السكاني ليس مضمونا.

Image

ويكشف هذا الخطاب عن تحول واضح في طريقة تعامل الدولة الإيرانية مع الملف السكاني، إذ انتقلت من مرحلة القلق النظري إلى مرحلة التحذير العلني من حرب سكانية قد تغير ملامح البلاد خلال العقود المقبلة. ويبدو أن القيادة الإيرانية تنظر إلى انخفاض عدد السكان بوصفه أزمة مركبة لا تتعلق فقط بتراجع أعداد المواليد، وإنما أيضا بتأثير ذلك على سوق العمل، والقدرة الإنتاجية، والإنفاق الحكومي، والتركيبة الاجتماعية، وحتى على البعد الأمني والاستراتيجي للدولة.

وفي هذا الإطار، لم يكن لافتا أن يتحدث مسؤولون إيرانيون عن مفهوم النافذة السكانية، وهو المصطلح الذي يشير إلى المرحلة التي ترتفع فيها نسبة السكان القادرين على العمل والإنتاج مقارنة بالفئات العمرية الأخرى، فيما تشير التقديرات الإيرانية إلى أن هذه النافذة قد تغلق خلال 15 إلى 20 عاما، ما يعني أن البلاد ستدخل تدريجيا في مرحلة الشيخوخة السكانية، مع ارتفاع أعداد كبار السن وتراجع نسبة الشباب.

كما حملت الرسائل الرسمية الأخيرة بعدا أيديولوجيا واضحا، إذ جرى تصوير زيادة السكان باعتبارها جزءا من مشروع النهضة الحضارية الإيرانية، وربطها بالهوية الوطنية والدينية للبلاد. وهذا ما يفسر الإصرار المتكرر على وصف الإنجاب بأنه “مسؤولية وطنية” وواجب حضاري، وليس مجرد خيار فردي أو عائلي.

أرقام مقلقة و تحولات ديموغرافية متسارعة

تعكس الأرقام الرسمية الإيرانية حجم التحولات التي يعيشها المجتمع الإيراني خلال السنوات الأخيرة، حيث تشير بيانات وزارة الصحة ومركز الإحصاء والسجل المدني إلى استمرار انخفاض معدلات الولادة والخصوبة، مقابل ارتفاع تدريجي في معدلات الشيخوخة والوفيات، وهي مؤشرات تدفع المسؤولين الإيرانيين إلى إطلاق تحذيرات متكررة بشأن مستقبل البلاد السكاني.

وبحسب الإحصاءات الرسمية، تجاوز عدد سكان إيران 86 مليون نسمة، إلا أن هذا الرقم يخفي خلفه تغيرات عميقة في بنية المجتمع. فقد انخفض معدل الخصوبة الكلي من نحو 6.5 أطفال لكل امرأة خلال العقود الماضية إلى ما يقارب 1.35 فقط في السنوات الأخيرة، وهو معدل أدنى بكثير من معدل الإحلال السكاني العالمي المحدد عند 2.1 طفل لكل امرأة، وهو المستوى اللازم للحفاظ على استقرار عدد السكان.

Image

وتشير البيانات إلى أن عدد الولادات في إيران انخفض من قرابة مليون ولادة سنويا إلى أقل من 900 ألف ولادة، فيما تتزايد أعداد الوفيات تدريجيا مع ارتفاع نسبة كبار السن، ويحذر المسؤولون من أن استمرار هذا الاتجاه سيؤدي خلال العقود المقبلة إلى وصول البلاد إلى النمو السكاني الصفري، ثم الدخول في مرحلة الانكماش السكاني، حيث يصبح عدد الوفيات أكبر من عدد المواليد.

وتزداد المخاوف الإيرانية مع تراجع معدلات الزواج وارتفاع سن الزواج والعزوبية الدائمة، إلى جانب ارتفاع معدلات الطلاق وتغير أنماط الحياة داخل المدن الكبرى. وتشير الإحصاءات الرسمية إلى انخفاض عدد الزيجات بصورة واضحة خلال الأعوام الأخيرة، في مقابل استمرار التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع كثيرا من الشباب إلى تأجيل الزواج أو الاكتفاء بطفل واحد.

Image

ويرى خبراء السكان في إيران أن الأزمة الحالية ليست اقتصادية فقط، رغم تأثير الأوضاع المعيشية وارتفاع تكاليف السكن والتربية، بل ترتبط أيضا بتحولات ثقافية واجتماعية عميقة. فمع ارتفاع نسب التحضر، وتوسع التعليم الجامعي، ودخول النساء بشكل أوسع إلى سوق العمل، تغيرت أولويات كثير من الأسر الإيرانية، وباتت الرغبة في الإنجاب المحدود أكثر انتشارا مقارنة بالعقود السابقة.

وفي الوقت نفسه، تواجه إيران تحديا إضافيا يتمثل في التركز السكاني داخل المدن الكبرى، حيث تستحوذ مدن مثل طهران وأصفهان ومشهد وشيراز على نسبة ضخمة من السكان، ما يخلق ضغوطا متزايدة على البنية التحتية، والخدمات، وفرص العمل، والسكن. كما ساهمت الهجرة الداخلية والخارجية في إعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية للبلاد.

وتشير بعض التقديرات التي جرى تداولها داخل الأوساط الإيرانية إلى سيناريوهات شديدة التشاؤم، تتحدث عن احتمال تراجع عدد سكان إيران إلى ما بين 30 و32 مليون نسمة بحلول نهاية القرن الحالي إذا استمرت الاتجاهات الحالية. ورغم أن هذه التقديرات تبقى موضع جدل، فإن مجرد تداولها رسميا وإعلاميا يعكس حجم القلق داخل مؤسسات الدولة.

Image

كما يلفت المسؤولون الإيرانيون الانتباه إلى أن أكثر من 60 دولة حول العالم تواجه اليوم تحديات مشابهة مرتبطة بالشيخوخة وانخفاض الخصوبة، بما في ذلك اليابان وكوريا الجنوبية وعدد من الدول الأوروبية. إلا أن إيران ترى أن وضعها أكثر حساسية بسبب طبيعة التحديات الاقتصادية والعقوبات والضغوط الاجتماعية التي تواجهها.

بين السياسات الحكومية والتحولات الاجتماعية

في مواجهة هذه المؤشرات المقلقة، تحاول الحكومة الإيرانية منذ سنوات إطلاق برامج وسياسات تهدف إلى تشجيع الإنجاب ورفع معدلات الخصوبة، غير أن النتائج حتى الآن تبدو محدودة مقارنة بحجم التحديات القائمة. وقد أطلقت السلطات الإيرانية ما يعرف بقانون تجديد الشباب السكاني، الذي يتضمن حوافز مالية وتسهيلات للأسر وتشجيع الزواج والإنجاب، إلى جانب توسيع خدمات علاج العقم ودعم الأمهات.

Image

كما كثفت وسائل الإعلام الرسمية والخطاب الديني حملات التوعية التي تدعو إلى زيادة الإنجاب، مع التركيز على المخاطر المستقبلية للشيخوخة السكانية. وبرز في هذا السياق خطاب يعتبر أن الأسرة الكبيرة تمثل ركيزة للاستقرار الاجتماعي والنفسي، وأن تراجع الإنجاب يؤدي إلى أزمات اجتماعية وعاطفية واقتصادية على المدى الطويل.

لكن رغم هذه الجهود، يرى كثير من الباحثين الإيرانيين أن السياسات الحالية لم تنجح بعد في تغيير الاتجاه العام للمجتمع، لأن الأزمة تتجاوز حدود الحوافز الحكومية. فالتغيرات التي شهدها المجتمع الإيراني خلال العقود الأخيرة خلقت نمطا جديدا من الحياة يقوم على الأسرة الصغيرة، وارتفاع تطلعات الشباب، وتغير مفهوم الزواج والأسرة والعمل.

كما أن الضغوط الاقتصادية تبقى عاملا مؤثرا بقوة، خصوصا مع ارتفاع معدلات البطالة والتضخم وتكاليف المعيشة والسكن، وهي عوامل تدفع كثيرا من الشباب إلى تأجيل تكوين الأسرة أو الحد من عدد الأطفال. وإلى جانب ذلك، فإن تزايد مشاركة النساء في التعليم والعمل أدى إلى تغيرات في النظرة التقليدية لدور المرأة داخل الأسرة.

Image

وفي موازاة البعد الاقتصادي، تتحدث المؤسسات الإيرانية عن البعد الثقافي للأزمة، معتبرة أن المجتمع الإيراني تأثر بأنماط حياة حديثة قللت من أهمية الأسرة الكبيرة، ورسخت قيم الفردانية والاستقلال الشخصي. ولذلك يكرر المسؤولون الإيرانيون أن معالجة الأزمة السكانية لا يمكن أن تعتمد على الاقتصاد وحده، بل تحتاج أيضا إلى تغييرات ثقافية وإعلامية طويلة الأمد.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو إيران أمام معادلة معقدة تجمع بين الطموحات السياسية للدولة والتحولات الاجتماعية العميقة داخل المجتمع. فبينما ترى القيادة الإيرانية أن الحفاظ على مجتمع شاب وكثيف السكان يمثل شرطا أساسيا لاستمرار القوة والنفوذ، يواجه هذا التوجه واقعا اجتماعيا واقتصاديا متغيرا يصعب تغييره بسرعة.

ومع استمرار المؤشرات السكانية السلبية، يبدو أن ملف السكان سيتحول خلال السنوات المقبلة إلى أحد أبرز ملفات النقاش داخل إيران، ليس فقط بوصفه قضية اجتماعية، وإنما باعتباره قضية ترتبط بمستقبل الاقتصاد والهوية والاستقرار السياسي والدور الإقليمي للبلاد.