- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 65 Views
منذ أكثر من شهر، تتواصل المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة وسط تصاعد سياسي وعسكري متزامن، في واحدة من أكثر المراحل حساسية وتعقيدا في العلاقة بين البلدين، بل على مستوى الشرق الأوسط بأكمله. وخلال الأسابيع الأخيرة، انتقلت الاتصالات من مرحلة تبادل الرسائل والمواقف إلى مستوى أكثر تطورا، مع تكثيف الوساطات الإقليمية والدولية، ودخول باكستان على خط التحرك المباشر بين طهران وواشنطن بعد أن تراجعت الفترة الماضية. كما برزت مؤشرات على وجود مساع للتوصل إلى تفاهم مؤقت يخفف التوتر ويفتح الباب أمام اتفاق أوسع يشمل البرنامج النووي الإيراني، ومستقبل اليورانيوم المخصب، ووضع مضيق هرمز، في ظل استمرار المخاوف من انهيار المسار التفاوضي وعودة التصعيد العسكري.
الوساطة الباكستانية ومحاولات إنتاج اتفاق مؤقت
برزت باكستان خلال الأيام الماضية بوصفها اللاعب الإقليمي الأكثر حضورا في مسار الوساطة بين إيران والولايات المتحدة، بعدما شهدت طهران سلسلة زيارات واتصالات مكثفة لمسؤولين باكستانيين، في مقدمتهم وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي، الذي زار العاصمة الإيرانية مرتين خلال أقل من أسبوع، وعقد لقاءات مع كبار المسؤولين الإيرانيين، من بينهم الرئيس الإيراني ووزير الخارجية.

وترافقت هذه التحركات مع تقارير متزايدة عن احتمال زيارة قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير إلى طهران، في إطار الجهود الهادفة إلى تقريب وجهات النظر بين الطرفين. ووفق ما نقلته وسائل إعلام باكستانية وإقليمية، فإن هذه الزيارة لا تحمل طابعا بروتوكوليا فقط، بل ينظر إليها باعتبارها محطة حاسمة قد تشهد الإعلان عن تفاهمات أولية أو عن الصيغة النهائية لاتفاق مؤقت بين إيران والولايات المتحدة.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الوساطة الباكستانية لا تقتصر على نقل الرسائل بين الجانبين، بل تشمل أيضا المشاركة في صياغة مقترحات عملية لخفض التصعيد. وقد تحدثت تقارير إعلامية عن قيام إيران بإرسال نص تفاوضي مكون من أربعة عشر بندا إلى الجانب الأمريكي عبر الوسيط الباكستاني، قبل أن ترد واشنطن بدورها بنص جديد قيد الدراسة في طهران.
ووفق مصادر مقربة من فريق التفاوض، فإن إيران لم تقدم ردها النهائي بعد، إذ طلبت مهلة لتقييم المطالب الأمريكية ودراسة تفاصيلها. كما تشير المعلومات المتداولة إلى أن النقاشات الحالية تدور حول إطار عام لاتفاق مؤقت، يتضمن إجراءات لبناء الثقة وضمانات متبادلة، تسمح للطرفين بإعلان إنهاء الحرب رسميا، مع استمرار المفاوضات حول الملفات الخلافية الكبرى خلال فترة زمنية قد تمتد إلى ثلاثين يوما أو أكثر.

وتؤكد بعض التغطيات أن هذا الاتفاق المؤقت قد يتضمن ترتيبات خاصة بمضيق هرمز، إضافة إلى آليات مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني. كما تحدثت تقارير إعلامية عن دور قطري وسعودي داعم للوساطة الباكستانية، في ظل خشية دول الخليج من انفجار مواجهة عسكرية جديدة قد تهدد استقرار المنطقة وممرات الطاقة العالمية.
وفي هذا السياق، أشارت تقارير إعلامية إلى أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أبدى رغبة في اختبار فرص التوصل إلى اتفاق مع إيران قبل العودة إلى الخيار العسكري، وأنه أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بأن الوسطاء يعملون على مذكرة تفاهم أولية قد تسمح بوقف التصعيد وفتح باب التفاوض مجددا.
في المقابل، تبدو إسرائيل أكثر تشددا واندفاعا نحو خيار التصعيد العسكري، حيث تحدثت تقارير أمريكية وإسرائيلية عن وجود تباينات واضحة بين ترامب ونتنياهو بشأن التعامل مع إيران. وبينما يرى البيت الأبيض أن منح المسار الدبلوماسي فرصة إضافية قد يحقق نتائج أفضل، تعتبر الحكومة الإسرائيلية أن تأجيل الضربات العسكرية ضد إيران يمثل خطأ استراتيجيا.
ويعكس هذا التباين حجم التعقيد الذي يحيط بالمفاوضات الحالية، خصوصا أن أي اتفاق محتمل لا يرتبط فقط بالعلاقة بين طهران وواشنطن، بل يتداخل مع حسابات إقليمية ودولية أوسع تشمل إسرائيل ودول الخليج وروسيا والصين، فضلا عن التأثير المباشر للأزمة على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.
اليورانيوم المخصب… العقدة الأساسية في مسار التفاوض
رغم كثافة التحركات الدبلوماسية، فإن الملف النووي الإيراني لا يزال يمثل العقبة الأكثر تعقيدا في المفاوضات الجارية، وتحديدا قضية اليورانيوم المخصب، التي تصفها تقارير إعلامية ودبلوماسية بأنها العقدة الرئيسية بين إيران والولايات المتحدة.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن واشنطن تواصل الضغط من أجل التوصل إلى صيغة تحد من قدرة إيران على الاحتفاظ بمخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، بينما ترفض طهران بشكل قاطع أي طرح يمس حقها في التخصيب أو يفرض نقل المخزون النووي الإيراني إلى الخارج.

وفي هذا الإطار، أثارت تقارير وكالة رويترز جدلا واسعا بعدما تحدثت عن توجيهات صادرة من القيادة الإيرانية، المتمثلة في مجتبى خامنئي المرشد الأعلى الإيراني، تقضي بعدم إخراج مخزون اليورانيوم المخصب القريب من درجة الاستخدام العسكري خارج البلاد، وهو ما اعتبرته الوكالة مؤشرا على تشدد الموقف الإيراني خلال المفاوضات.
كما أكدت تقارير أخرى أن إيران تعتبر اليورانيوم المخصب جزءا من سيادتها الوطنية وأحد أهم عناصر القوة التفاوضية لديها، وترى أن التخلي عنه أو نقله إلى الخارج يعني فقدان ورقة ضغط استراتيجية في مواجهة الولايات المتحدة.

وقد عبر المسؤولون الإيرانيون بوضوح عن هذا الموقف خلال الأيام الأخيرة، إذ شددت وزارة الخارجية الإيرانية على أن حق إيران في تخصيب اليورانيوم واستخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية حق ثابت وغير قابل للتفاوض، وأن الشعب الإيراني وحده هو الذي يملك حق تقرير مصير هذا الملف.
في المقابل، تحاول الولايات المتحدة الدفع نحو ترتيبات تضمن الحد من التخصيب الإيراني أو فرض رقابة أكثر صرامة على المخزون النووي، في ظل المخاوف الغربية والإسرائيلية من اقتراب إيران من امتلاك قدرة نووية عسكرية.
وفي خضم هذا الجدل، دخلت روسيا بقوة على خط الملف النووي، حيث أعلنت موسكو استعدادها للمساعدة في تنفيذ أي ترتيبات أو حلول تتعلق باليورانيوم المخصب، مؤكدة في الوقت نفسه أن القرار النهائي بشأن مصير المخزون النووي يعود إلى إيران وحدها.

وقالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا إن حل قضية إيران لا يمكن أن يتم إلا عبر الوسائل الدبلوماسية ومع مراعاة مصالح طهران، مضيفة أن موسكو مستعدة لتقديم الدعم اللازم لجميع الأطراف المعنية في حال التوصل إلى تسوية.
ويعكس الموقف الروسي رغبة موسكو في لعب دور الضامن أو الشريك في أي اتفاق نووي جديد، خصوصا في ظل تصاعد التنافس الدولي حول النفوذ في الشرق الأوسط، ومحاولة روسيا والصين تعزيز حضورهما في مواجهة النفوذ الأمريكي.
كما تكشف التقارير المتداولة أن الملف النووي لم يعد مجرد قضية تقنية تتعلق بنسبة التخصيب أو حجم المخزون، بل أصبح جزءا من معادلة أمنية وسياسية أوسع تشمل توازن القوى في المنطقة ومستقبل النفوذ الإيراني ودور طهران الإقليمي.
ومن هنا، تبدو مهمة الوسطاء أكثر صعوبة، لأن أي اتفاق لا بد أن يحقق توازنا دقيقا بين المطالب الأمريكية المتعلقة بالرقابة النووية، وبين الإصرار الإيراني على الحفاظ على “الحقوق السيادية” وعدم تقديم تنازلات تعتبرها طهران مساسا بمكانتها أو بأمنها القومي.
مضيق هرمز ومستقبل المواجهة المفتوحة بين طهران وواشنطن
إلى جانب الملف النووي، برز مضيق هرمز خلال الأسابيع الأخيرة باعتباره أحد أهم عناصر الصراع والتفاوض بين إيران والولايات المتحدة، بعدما تحول من مجرد ممر مائي استراتيجي إلى أداة ضغط سياسية وأمنية تستخدمها طهران في مواجهة خصومها.

وقد أعلنت إيران رسميا تحديد نطاق إشرافي وإداري جديد لمضيق هرمز، يمتد من الخط الواصل بين جبل مبارك الإيراني وجنوب الفجيرة الإماراتية شرقا، إلى الخط الواصل بين جزيرة قشم وأم القيوين غربا، مع اشتراط التنسيق المسبق والحصول على تصاريح لعبور هذا النطاق.

وأثار هذا الإعلان مخاوف دولية واسعة، خصوصا مع استمرار التوترات العسكرية ووجود تقارير عن تعطل حركة ناقلات النفط وارتفاع أسعار الطاقة العالمية. كما تحدثت تقارير إعلامية عن وجود أكثر من 160 ناقلة نفط عالقة في الخليج العربي بسبب تشديد إيران سيطرتها على المضيق.
وتعتبر الولايات المتحدة ودول الخليج أن إعادة مضيق هرمز إلى وضعه الطبيعي تمثل أولوية أساسية في أي اتفاق مؤقت أو دائم مع إيران، في حين ترى طهران أن التخلي عن سيطرتها المشددة على المضيق قد يعني خسارة واحدة من أهم أوراق الضغط الاستراتيجية لديها.
ويبدو أن هذه القضية أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بمصير المفاوضات الحالية، إذ تشير تقارير إعلامية إلى أن وضع المضيق يمثل “النقطة الرئيسية للخلاف” في المباحثات الخاصة بالتفاهم المؤقت.
وفي موازاة ذلك، تتزايد المخاوف من تحول المنطقة إلى حالة لاحرب ولاسلم، حيث تستمر العقوبات والضغوط والهجمات السيبرانية والتوترات البحرية دون اندلاع مواجهة شاملة.
وفي هذا السياق، طرحت مجلة نيوزويك الأمريكية خمسة سيناريوهات محتملة لمستقبل المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، تراوحت بين العودة إلى الضربات العسكرية المحدودة، والتوصل إلى اتفاق سياسي شامل، أو الانزلاق نحو حرب استنزاف طويلة، أو دخول دول الخليج في المواجهة بشكل مباشر.

لكن السيناريو الذي اعتبرته المجلة الأكثر احتمالا يتمثل في استمرار هدنة شكلية تبقي المنطقة في حالة توتر دائم دون حرب واسعة النطاق، مع استمرار الضغوط الاقتصادية والتوترات الأمنية والعمليات غير المباشرة.
ويبدو أن هذا السيناريو ينسجم مع طبيعة المرحلة الحالية، حيث تحاول جميع الأطراف تجنب الانفجار الكبير، لكنها في الوقت نفسه ترفض تقديم تنازلات جوهرية قد تفسر باعتبارها تراجعا استراتيجيا.
وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة طويلة من التجاذب السياسي والأمني، يكون فيها التفاوض جزءا من الصراع، وليس بديلا عنه. كما أن مستقبل المفاوضات الإيرانية الأمريكية سيظل مرتبطا بقدرة الوسطاء على إيجاد توازن بين المصالح المتعارضة، وبمدى استعداد الطرفين للانتقال من إدارة الأزمة إلى محاولة حلها فعليا.
ومع استمرار الغموض حول مصير الاتفاق المحتمل، يبقى المؤكد أن أي تطور في هذا الملف لن ينعكس على إيران والولايات المتحدة فقط، بل سيؤثر مباشرة على أمن الخليج، وأسواق الطاقة العالمية، والتوازنات السياسية في الشرق الأوسط بأكمله.

