- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 10 Views
كتب: الترجمان
تعكس عناوين الصفحات الأولى للصحف الإيرانية الصادرة اليوم السبت 23 مايو/أيار 2026، مشهدا استراتيجيا بالغ الكثافة والتعقيد، تتداخل فيه نبرة الردع العسكري الحاسم مع تحركات دبلوماسية مكثفة تقودها أطراف إقليمية لفتح “انسداد” المسارات السياسية. ويأتي تموضع طهران الجديد ليربط بوضوح بين معادلة “إنهاء الحصانة الجغرافية للخصوم” وبين قراءة استشرافية لسيناريوهات الاقتصاد والأسواق في حال اندلاع أي مواجهة، مع بروز لافت لملف الوساطات الإقليمية كأداة لاحتواء التصعيد الحرِج وإعادة صياغة قواعد الاشتباك من موقع القوة.
وفي هذا المشهد التحليلي الشامل، تتوزع التوجهات الصحفية الإيرانية عبر أجنحة متكاملة الأثر: جناح أصولي وعسكري يتولى تصدير الردع الميداني ومهاجمة الإدارة الأمريكية، وجناح حكومي ومعتدل يشرعن المفاوضات كساحة معركة موازية مستنداً لغطاء سيادي، وجناح إصلاحي يفكك أزمات الداخل الرقمية والاجتماعية، وجناح اقتصادي تخصصي يرصد حركة الرساميل المحلية وأصول الاستثمار في ظل هذه الأجواء المشحونة.
جبهة الردع العسكري ونهاية “الحصانة الجغرافية” للخصوم
في معسكر القوة والقبضة الحديدية، رسمت الصحف المحسوبة على التيار الأصولي والقوات المسلحة خطوطا حمراء غير مسبوقة. حيث تصدر مانشيت صحيفة “خراسان” الأصولية عنوان استراتيجي حاد: “پایان مصونیت جغرافیایی” (نهاية الحصانة الجغرافية)، في إشارة مباشرة إلى الرسالة التحذيرية التي وجهها الحرس الثوري بشأن طبيعة الردع الإيراني الجديد العابر للمنطقة. وتحت هذا المانشيت، وضعت الصحيفة تساؤلا مركزيا: “سپاه با تهدید نبرد فرامنطقهای چه پیامی به جهان مخابره کرد؟” (ما هي الرسالة التي أبرق بها الحرس الثوري للعالم عبر التهديد بمعركة عابرة للمنطقة؟).

أما صحيفة “رسالت” الأصولية، فقد ذهبت إلى أقصى درجات التعبئة البصرية واللفظية، حيث أفردت صفحتها الأولى للوحة فنية ملحمية تجسد يدا تشهر سيفا من نور يضرب صواريخ الأعداء، مستخدمة مانشيتا هجوميا صارما: “ایران در کمین حماقت دوباره قمارباز” (إيران في كمين الحماقة المتجددة للمقامر)، ناقلة تحذيرا عسكريا بأن أي تعرض لتراب البلاد سيواجه برد مدمر ودون أي قيود جغرافية، بالتزامن مع رصد الصحيفة لما وصفته بـ “شکست ترکیبی آمریکا در مقابل چین” (الفشل المركب لأمريكا في مواجهة الصين).

وفي ذات السياق الهجومي، شنت صحيفة “جوان” (المحسوبة على الحرس الثوري) هجوما كاسحا لضمان عدم إظهار أي تراجع، متخذة من صورة كاريكاتورية مجسمة ومقصوصة بعناية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وهو يرفع قبضته تعبيرا عن الغطرسة مانشيتا رئيسيا على خلفية باللون الأصفر الفاقع: “تهدیدات لاتی، مذاکرات وانتی!” (تهدیدات بلطجية ومفاوضات هزيلة!)، واصفة استراتيجية ترامب بأنها نموذج لبيع الأوهام والضغط النفسي الذي لن يثني طهران عن التمسك بأوراق قوتها الميدانية.

“ترافيك” الوساطات الإقليمية وشرعنة المفاوضات تحت غطاء القوة
في المقابل، شهدت الصحف الحكومية والمعتدلة تحولا تكتيكيا بارزا نحو استثمار هذا الردع الميداني وتسييله في غرف السياسة. وجاء مانشيت صحيفة “ایران” الحكومية ليصيغ المعيار الجديد في التعاطي مع الغرب، معلنة بوضوح: “مذاکره، صحنه دیگری از کارزار نبرد است” (المفاوضات هي ساحة أخرى من ساحات المعركة)، واضعة صورة ضخمة لوزير الخارجية الإيراني مع وفد باكستاني رفيع المستوى تحت عنوان: “عاصم منیر دوباره در تهران” (عاصم منير مجددا في طهران)، للإشارة إلى كواليس الحراك الدبلوماسي المكثف لوقف التوتر.

وتكامل هذا العنوان مع ما أوردته صحيفة “مردم سالاری” الحزبية التي كشفت عن تنسيق وثيق بين العسكر والدبلوماسيين تحت مانشيت: “سپاه پاسداران در پیامی تاکید کرد: لزوم پشتیبانی از افسران دیپلماسی” (الحرس الثوري يؤكد في رسالة: ضرورة دعم ضباط الدبلوماسية)، واضعة صورة بارزة لعلمي إيران والولايات المتحدة متقاطعين على طاولة المفاوضات تحت تساؤل: “آیا ایران و آمریکا به پیشنویس توافق نزدیک شدهاند؟” (هل اقتربت إيران وأمريكا من مسودة اتفاق؟)، بالتزامن مع نقل تحذيرات دولية بشأن مضيق هرمز كـ “مفتاح توازن القوة في الشرق الأوسط”.

من جانبه، رصد الخط المعتدل لصحيفة “جمهوری اسلامی” التناغم ذاته بين أركان الدولة، حيث صدرت صفحتها الأولى بمانشيت: “دولت با تمام ظرفیت از تقویت نیروهای مسلح حمایت میکند” (الحكومة تدعم تعزيز القوات المسلحة بكل طاقاتها)، واضعة صورة تجمع رئيس الجمهورية بـ قادة أركان الجيش الإيراني، فيما لمحت في نصفها السفلي إلى قنوات التهدئة الخلفية تحت عنوان: “افزایش امیدواریها به دستیابی چارچوب توافق میان ایران و آمریکا” (ارتفاع الآمال بالتوصل إلى إطار اتفاق بين إيران وأمريكا) عبر وساطات باكستان وسلطنة عمان.

سيكولوجية الخصم والبدائل الدبلوماسية في قراءة التيار الإصلاحي
على الجانب الإصلاحي، برزت محاولات جادة لتفكيك شيفرة التصعيد وقراءة الفرص المتاحة؛ حيث أفردت صحيفة “آرمان ملی” صدر صفحتها الأولى لصورة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير مانشيتاهادرا: “ترافیک میانجی هادر در تهران” (ترافيك الوسطاء الهادر في طهران)، مؤكدة أن عواصم المنطقة من إسلام آباد إلى الدوحة (عبر الهيئات القطرية) تتحرك بنشاط لضبط نقطة التعادل ومنع الانفجار، بينما وجهت الصحيفة في عناوينها الجانبية انتقاداً للتيارات المتطرفة داخلياً قائلة: “المتطرفون لا يمكنهم الإمساك بمقدرات البلاد”.

أما صحيفة “سازندكي” التابعة لحزب كوادر البناء، فقد خصصت صفحتها الأولى لتحليل سيكولوجية الإدارة الأمريكية الحالية من واقع التجربة التاريخية، مصدّرة المانشيت ببيان سياسي للمسؤول السابق إسحاق جهانغيري: “روایت جهانگیری از مواجهه با ترامپ” (رواية جهانغيري عن مواجهة ترامب)، مؤكداً أن عبور الوضع المعقد الحالي يتطلب استحضار تجربة حكومة روحاني السابقة في إدارة العقوبات والضغط الأقصى واحتواء الأزمات الدولية دون الانزلاق للمواجهة.

وفي سياق متصل، ركزت صحيفة “شرق” الإصلاحية البارزة على التكلفة الدولية للمغامرات العسكرية عبر مانشيت ثقيل: “۳ سناریوی اقتصاد آمریکا و جنگ” (۳ سيناريوهات لاقتصاد أمريكا والحرب)، مستعرضة تقارير تؤكد أن آثار التضخم الناتجة عن أي صراع في الخليج ستضرب الأسواق العالمية، واضعة تقريرا مصورا حول ذات الحراك الإقليمي تحت عنوان: “پیچ آخر یا آغاز راه؟” (المنعطف الأخير أم بداية الطريق؟) في قراءة لكواليس “الدبلوماسية المبهمة” بين طهران وواشنطن.

الجبهة الداخلية وأجراس الاقتصاد الافتراضي والمحلي
لم تغب قضايا الداخل الحارقة عن المشهد الصحفي في ظل أجواء الترقب؛ حيث قادت صحيفة “اعتماد” الإصلاحية جبهة المطالبة بالحريات الرقمية وتفكيك الاقتصاد الموازي عبر مانشيتها الرئيسي: “جدال با مافیای فیلترینگ” (الصراع مع مافيا الفلترة وحجب المواقع)، ملمحة إلى قرب التصويت على رفع الحظر عن الإنترنت لرفع العبء عن كاهل المواطنين. وفي البُعد الإنساني، وضعت صورة تعبيرية ليد أم تمسك بيد طفلها تحت عنوان: “مادری برای بچه مردم” (أمومة لأطفال الآخرين) لعكس حجم القلق الاجتماعي من تهديدات ترامب.

وفي العمق التحليلي البحت، جردت صحيفة “دنیای اقتصاد” (اليومية الاقتصادية الأبرز) المشهد من لغته الحماسية السياسية لترصد حركة الرساميل المحلية، مطلقة مانشيتاً فاجأ الأسواق الاستثمارية: “خودرو گوی سبقت را ربود” (سوق السيارات يتفوق على منافسيه)، حيث كشف التقرير الإحصائي أن عائدات الاستثمار في قطاع السيارات سجلت نموا قياسيا بنسبة 37% متفوقة على الذهب والعملات الأجنبية والعقارات التي أصيبت بالركود جراء القلق من الصدمات الخارجية. وتحت المانشيت، أبرزت الصحيفة ندواتها الاقتصادية تحت عنوان: “اقتصاد پس از جنگ از نگاه کارشناسان” (اقتصاد ما بعد الحرب من وجهة نظر الخبراء) لبحث سيناريوهات حماية البنية التحتية وسلاسل الإمداد.

تثبت القراءة المتكاملة للصفحات العشر لـ الصحافة الإيرانية اليوم أن طهران تدير الأزمة الحالية بمبدأ “توزيع الأدوار الاستراتيجية المتناغمة” والتأسيس لمرحلة جديدة عنوانها “تسييل الردع العسكري في غرف السياسة”.
فبينما يتكفل الخط الأصولي والعسكري (خراسان، رسالت، وجوان) بفرض الخطوط الحمراء، والتأكيد على نهاية زمن “الحصانة الجغرافية” للأعداء، ووصم تهديدات ترامب بالبلطجة لرفع السقف التفاوضي؛ يتحرك الجناح الحكومي والمعتدل (إيران، جمهوري إسلامي، ومردم سالاري) لشرعنة المفاوضات بوصفها “ساحة معركة أخرى” تدار بكفاءة وتحت غطاء مباشر من الحرس الثوري.
وفي ذات الوقت، يفتح الجناح الإصلاحي والاقتصادي (آرمان ملي، شرق، سازندگي، اعتماد، ودنياي اقتصاد) النوافذ لقراءة سيكولوجية الخصم واستثمار “الترافيك الهادر” للوساطات الإقليمية (الباكستانية والقطرية)، مع إعادة توجيه السيولة المحلية نحو قطاع سيارات ينمو بقوة، لخلق حائط صد اقتصادي داخلي يتكامل مع حائط الصد العسكري المرفوع في الميدان.
