بورصة طهران بعد الحرب… صعود هش وسط مخاوف مفتوحة

شهدت الأسواق المالية الإيرانية خلال الأشهر الأخيرة واحدة من أكثر الفترات اضطرابا وتعقيدا في تاريخها الحديث، بعدما تداخلت التطورات العسكرية مع الهواجس الاقتصادية والضغوط النقدية لتخلق حالة واسعة من الضبابية في المشهد الداخلي. وفي ظل تصاعد المخاطر السياسية وتراجع اليقين بشأن مستقبل الاقتصاد، وجد المستثمرون أنفسهم أمام مرحلة استثنائية اتسمت بتجميد جزء كبير من الأنشطة المالية وتبدل أولويات رؤوس الأموال واتجاهها نحو الملاذات الأكثر أمانا. وبينما كانت الأنظار تتركز على تطورات الحرب ومآلاتها، بقيت سوق الأسهم الإيرانية واحدة من أكثر الملفات حساسية، باعتبارها مرآة مباشرة لحالة الاقتصاد وثقة المستثمرين، ومؤشرا على قدرة الدولة على احتواء تداعيات الحرب وإدارة التوازن بين الاستقرار المالي والمخاطر السياسية.

عودة البورصة بعد الحرب… بين المخاوف السياسية وضغوط السوق

بعد توقف استمر نحو 80 يوما، عادت بورصة طهران إلى العمل وسط أجواء شديدة الحساسية، فرضتها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على طهران في 28 فبراير/ شباط 2026، وما خلفته من خسائر اقتصادية وضبابية سياسية. وقد جاء قرار إعادة افتتاح السوق بعد أسابيع طويلة من الجدل بين مؤيدين رأوا أن استمرار الإغلاق يؤدي إلى تجميد أموال المستثمرين وتعطيل دورة الاقتصاد، وبين معارضين حذروا من أن العودة المبكرة قد تؤدي إلى موجة انهيارات واسعة بسبب غياب الاستقرار السياسي والاقتصادي.

Image

وكانت هيئة البورصة الإيرانية قد بررت قرار تعليق التداولات منذ بداية الحرب بأنه جاء لحماية أصول المساهمين ومنع السلوكيات الانفعالية في ظروف غير مستقرة، إضافة إلى منح الشركات الوقت الكافي لتقديم إفصاحاتها المالية وتقييم حجم الأضرار التي لحقت بها نتيجة الحرب. لكن مع مرور الوقت، تصاعدت الانتقادات بسبب استمرار تجميد رؤوس الأموال داخل السوق، خصوصا في ظل ارتفاع أسعار الذهب و الدولار والعملات الرقمية خلال فترة الإغلاق.

Image

على أن المشهد لم يكن عاديا عندما تقرر إعادة افتتاح السوق، فالحرب لم تنته بشكل كامل، وحالة اللا حرب واللا سلم ما زالت تخيم على الاقتصاد الإيراني. كما أن كثيرا من الشركات الكبرى، خصوصا في قطاعات الفولاذ والبتروكيماويات والطاقة، تعرضت لأضرار مباشرة أو غير مباشرة نتيجة الضربات العسكرية والقيود التشغيلية، ما دفع السلطات إلى إبقاء 42 رمزا تداوليا مغلقا، تمثل نحو 35% من القيمة السوقية للبورصة.

وفي أول يوم تداول، ظهرت بوضوح حالة التردد والقلق التي سيطرت على المستثمرين، إذ بدأت السوق تحت ضغط بيع قوي، مع تسجيل طوابير بيع ضخمة تجاوزت عشرة آلاف مليار تومان في بعض التقديرات، فيما كانت غالبية الأسهم تتداول في النطاق السلبي. هذا المشهد عزز مخاوف كثير من المحللين الذين كانوا يتوقعون انهيارا واسعا نتيجة حاجة عدد كبير من المستثمرين إلى السيولة بعد فترة التجميد الطويلة.

Image

إلا أن التطورات اللاحقة حملت مفاجأة نسبية، فمع مرور ساعات التداول، بدأت موجة شراء تدريجية تظهر داخل السوق، وتراجعت أحجام طوابير البيع بشكل ملحوظ، بينما تحولت بعض الأسهم القيادية من النطاق السلبي إلى طوابير شراء. وقد اعتبر بعض المراقبين هذا التحول إشارة إلى أن السوق لا تزال تحتفظ بجزء من قدرتها على امتصاص الصدمات، خصوصا مع وجود مستثمرين رأوا أن الأسعار وصلت إلى مستويات جذابة بعد أشهر من التراجع وعدم اليقين.

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية المحدودة، فإن الصورة العامة بقيت مرتبطة بحالة القلق السياسي، فالمستثمرون يدركون أن أي تصعيد عسكري جديد أو انهيار محتمل لوقف إطلاق النار يمكن أن يعيد السوق سريعا إلى دائرة الخسائر الحادة. كما أن استمرار إغلاق عدد كبير من الرموز الكبرى ترك السوق في وضع غير مكتمل، الأمر الذي جعل كثيرا من المتعاملين يتعاملون بحذر شديد مع أي موجة صعود.

أداء السوق في يوم العودة… مؤشرات خضراء تخفي هشاشة عميقة

على خلاف كثير من التوقعات المتشائمة، أنهت بورصة طهران أولى جلساتها بعد العودة على ارتفاع نسبي، إذ سجل المؤشر العام مكاسب تراوحت بين 2500 و3800 نقطة وفقا لاختلاف التوقيتات والإحصاءات المنشورة، ليستقر قرب مستوى 3.7 مليون نقطة. كما حقق مؤشر الأسهم المتساوية ارتفاعا ملحوظا، في إشارة إلى تحسن أداء الشركات الصغيرة والمتوسطة مقارنة بالشركات الكبرى.

هذا الأداء الإيجابي النسبي منح السلطات الإيرانية فرصة لتقديم إعادة افتتاح السوق بوصفها خطوة ناجحة، خاصة أن بعض التقارير الرسمية تحدثت عن دخول سيولة حقيقية بمليارات الريالات إلى السوق، وعن تحسن تدريجي في توازن العرض والطلب خلال ساعات التداول. كما برزت قطاعات مثل الإسمنت، والأدوية، والصناعات الغذائية، وبعض أسهم البنوك والمعادن الأساسية، باعتبارها الأكثر جذبا للسيولة والطلب.

Image

لكن خلف هذه المؤشرات الخضراء، كانت هناك صورة أكثر تعقيدا، فالسوق عادت في ظل ظروف استثنائية وغير طبيعية، إذ تم السماح بإعادة فتح مئات الرموز دون حدود للتذبذب بسبب الإفصاحات الجوهرية، وهو ما زاد من احتمالات التقلب الحاد والسلوك الانفعالي. كما أن استمرار تعليق عدد كبير من الشركات الكبرى حجب جزءا أساسيا من الوزن الحقيقي للسوق، ما جعل المؤشرات العامة أقل تعبيرا عن الواقع الكامل.

كذلك، فإن جزءا مهما من السيولة التي دخلت السوق لم يكن بالضرورة تعبيرا عن ثقة طويلة الأجل، بل عن محاولات لاقتناص فرص قصيرة المدى بعد التراجعات الحادة. فالمستثمر الإيراني ما زال يواجه بيئة اقتصادية شديدة التعقيد، تتسم بارتفاع التضخم، وتقلب سعر الصرف، وعدم استقرار السياسات النقدية، إلى جانب المخاطر السياسية والأمنية المستمرة.

Image

وقد أظهرت حركة التداولات أن كثيرا من المستثمرين فضلوا القطاعات الأقل تأثرا بالحرب، مثل الصناعات الغذائية والدوائية والإسمنتية، بينما بقيت قطاعات أخرى، خاصة المرتبطة بالطاقة والسيارات والاستثمارات الكبرى، تحت ضغط واضح. كما أن بعض الرموز القيادية التي افتتحت على انخفاضات حادة استطاعت لاحقا التحول إلى الصعود بفعل الطلب القوي، وهو ما عكس وجود صراع واضح داخل السوق بين من يسعى للخروج وتقليص المخاطر، ومن يحاول استغلال الأسعار المنخفضة لتحقيق مكاسب مستقبلية.

في المقابل، أشار عدد من المحللين إلى أن السوق الإيرانية ما زالت مدعومة بشكل غير مباشر من تدخلات الدولة، سواء عبر صناديق التثبيت والدعم أو من خلال التسهيلات الممنوحة للمستثمرين، ومنها القروض المضمونة بالأسهم وخطط التأمين على المحافظ الاستثمارية. ويرى هؤلاء أن استمرار تدخل الدولة في توجيه السوق يجعل المؤشرات أقل ارتباطا بالواقع الاقتصادي الحقيقي، ويؤدي إلى خلق حالة من “الاستقرار المصطنع” الذي قد لا يصمد طويلا إذا استمرت الضغوط السياسية والاقتصادية.

مستقبل البورصة الإيرانية… رهينة السياسة والحرب والاقتصاد

رغم نجاح السلطات الإيرانية في إعادة تشغيل السوق وتجنب سيناريو الانهيار الفوري، فإن مستقبل البورصة الإيرانية ما يزال مفتوحا على احتمالات شديدة التباين. فالسوق اليوم لا تتحرك فقط وفق المعايير الاقتصادية التقليدية، بل أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بمستقبل الحرب، وبمآلات التفاهمات السياسية، وبقدرة الحكومة على احتواء الأزمة الاقتصادية المتفاقمة.

وبهذا الشأن، يجمع كثير من خبراء الاقتصاد وسوق المال في إيران على أن العامل السياسي سيظل المحدد الرئيسي لمسار السوق خلال المرحلة المقبلة، فإذا نجحت طهران في تثبيت وقف إطلاق النار واحتواء احتمالات التصعيد، فقد تتمكن البورصة من استعادة جزء من خسائرها تدريجيا، خاصة أن كثيرا من الأسهم وصلت إلى مستويات يعتبرها بعض المستثمرين جذابة من ناحية القيمة. أما إذا عادت التوترات العسكرية أو تصاعدت العقوبات والضغوط الخارجية، فإن السوق قد تواجه موجة اضطرابات جديدة.

Image

كما أن وضع الاقتصاد الإيراني نفسه يفرض تحديات كبيرة على أي تعاف مستدام، فارتفاع سعر الدولار إلى مستويات قياسية، واستمرار التضخم، وتراجع القدرة الشرائية، كلها عوامل تضغط على الشركات والمستهلكين في آن واحد. وفي حين استفادت بعض الشركات المصدرة من ارتفاع أسعار الصرف، فإن شركات أخرى تواجه صعوبات تشغيلية وتمويلية متزايدة نتيجة الحرب والعقوبات.

من جهة أخرى، تبرز معضلة الثقة بوصفها أحد أكبر التحديات أمام السوق. فالكثير من المستثمرين ما زالوا يتذكرون الانهيارات السابقة التي شهدتها البورصة الإيرانية، ويتعاملون بحذر مع أي صعود سريع، خصوصا في ظل الاعتقاد السائد بأن السوق تتأثر بشكل كبير بالقرارات الحكومية والتدخلات التنظيمية.

Image

وفي هذا السياق، يرى بعض المحللين أن استمرار الحكومة في دعم السوق عبر الحزم التمويلية وصناديق التثبيت قد ينجح مؤقتا في تهدئة المخاوف، لكنه لا يكفي وحده لبناء تعاف حقيقي ما لم يترافق مع استقرار سياسي وإصلاحات اقتصادية أوسع. كما أن إعادة فتح الرموز المتوقفة، خاصة في القطاعات المتضررة من الحرب، ستكون اختبارا حقيقيا لقدرة السوق على استيعاب الصدمات المقبلة.

في النهاية، تبدو بورصة طهران اليوم أقرب إلى ساحة تعكس حالة الاقتصاد الإيراني بكل تناقضاته، ارتفاعات محدودة وسط مخاوف عميقة، وتفاؤل حذر يجاور احتمالات التصعيد. فالسوق عادت إلى العمل، لكن الأسئلة الكبرى ما تزال بلا إجابات واضحة؛ من حجم الخسائر الحقيقية التي خلفتها الحرب، إلى مستقبل الاقتصاد الإيراني، وصولا إلى مصير التوازن الهش بين السياسة والمال في بلد يعيش واحدة من أكثر مراحله حساسية منذ سنوات طويلة.

كلمات مفتاحية: