بين ترميم الحكومة الإيرانية وسيف الاستجواب… قاليباف يصعد وبزشكيان تحت الضغط

Image

شهدت الساحة السياسية الإيرانية خلال الأيام الماضية تصاعدا ملحوظا في حدة الخطاب بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، في ظل تفاقم الأوضاع الاقتصادية واستمرار الضغوط المعيشية على المواطنين، وفي هذا السياق، برزت تحذيرات رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، إلى رئيس الجمهورية، مسعود بزشكيان، بوصفها تطورا لافتا في طبيعة العلاقة بين البرلمان والحكومة. هذه التحذيرات، التي جاءت في توقيت حساس داخليا واقتصاديا، أعادت إلى الواجهة جدل الإصلاح الاقتصادي، وحدود الرقابة البرلمانية، وإشكالية الاستقرار الحكومي في مرحلة دقيقة تمر بها البلاد.

قاليباف: إما أنتم أو نحن من سيصلح الحكومة

انعقدت الجلسة العلنية للبرلمان الإيراني الأحد، 21 ديسمبر/ كانون الأول 2025 في أجواء مشحونة بالقلق الاقتصادي والتوتر السياسي، حيث طغت قضايا الغلاء وارتفاع أسعار العملة والذهب على مجمل النقاشات، وقد استهل رئيس البرلمان قاليباف الجلسة بكلمة قبل جدول الأعمال، ركز فيها على ما وصفه بالغلاء المنفلت الذي بات يهدد الاستقرار المعيشي للأسر الإيرانية.

Image

وأكد قاليباف في مستهل حديثه أن الهم الأساسي للمجلس في المرحلة الراهنة هو الاستجابة لمخاوف المواطنين المتزايدة من ارتفاع أسعار السلع الأساسية، ولا سيما الغذاء والطاقة، إلى جانب القفزات المتلاحقة في سعر الصرف والذهب، معتبرا أن هذه العوامل تشكل إما أسبابا مباشرة للغلاء أو ذرائع تستخدم لتبريره في السوق، كما شدد رئيس البرلمان على أن البرلمان لا يقف موقف المتفرج إزاء هذه التطورات، بل يتابعها بجدية كاملة على حد تعبيره، موضحا أن المجلس تحرك خلال الأسابيع الماضية على أكثر من مسار رقابي وتشاوري لمساءلة الحكومة عن أدائها الاقتصادي.

Image

وفي سياق استعراض خطوات المجلس، أشار قاليباف إلى أن فترة تواجد النواب في دوائرهم الانتخابية لم تمنع رئاسة البرلمان ورؤساء اللجان الاقتصادية ولجنة التخطيط والموازنة من عقد اجتماعات متواصلة مع وزراء الحكومة وأعضاء الفريق الاقتصادي، لبحث أسباب الغلاء وسبل احتواء ارتفاع سعر الصرف، مضيفا  أن هذه اللقاءات لم تكن شكلية أو بروتوكولية، بل تناولت تفاصيل السياسات الاقتصادية المتبعة، ومدى فاعلية الإجراءات الحكومية في حماية القدرة الشرائية للمواطنين، إضافة إلى تقييم آليات التدخل في سوق الصرف وتنفيذ قانون بطاقة السلع التموينية.

وأوضح قاليباف أن البرلمان خصص جلسة رقابية موسعة يوم الثلاثاء من الأسبوع نفسه، بحضور وزراء الاقتصاد، الزراعة والصناعة، إلى جانب رئيس منظمة التخطيط والموازنة ومحافظ البنك المركزي، وذلك لمناقشة حزمة من القضايا المرتبطة مباشرة بمعيشة المواطنين.

غير أن النقطة المحورية في خطاب رئيس البرلمان، والتي أثارت أوسع ردود الفعل، تمثلت في تحذيره الصريح للحكومة من أن استمرار الوضع القائم دون نتائج ملموسة سيقود إلى تفعيل أدوات رقابية أشد، فقد أكد قاليباف أن الأولوية، من أجل تقليل الوقت والتوتر، هي أن تبادر الحكومة نفسها إلى ترميم نفسها، وأضاف بلهجة، وصفت أنها لا تخلو من التهديد والحزم، أن عدم قيام الحكومة بالإصلاحات الضرورية سيجبر النواب على الشروع في إجراءات الاستجواب، معتبرا أن الاستجواب ليس خيارا مفضلا، لكنه يبقى أداة دستورية لا يمكن للمجلس تجاهلها إذا فشلت سبل المعالجة الأخرى.

Image

هذا فيما حاول قاليباف، في أكثر من موضع، تقديم هذه التحذيرات في إطار الحرص على خفض التوتر بين السلطات، مشيرا إلى أن الهدف ليس الدخول في مواجهة سياسية، بل دفع الحكومة إلى اتخاذ قرارات إصلاحية عاجلة قبل تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

قصف تحت القبة البرلمانية… مداخلات نارية ودفاع على استحياء

هذا وقد أثارت تصريحات قاليباف ردود فعل واسعة داخل أروقة البرلمان، حيث انقسم النواب بين مؤيد يرى في هذه التحذيرات تعبيرا عن واجب رقابي مشروع، ومعارض يحذر من أن تصعيد الخطاب قد يقود إلى مزيد من عدم الاستقرار.

ففي صف المؤيدين، برز عدد من النواب المحسوبين على التيار الأصولي الذين اعتبروا أن صبر البرلمان بلغ حدوده، وأن الحكومة لم تعد تملك ترف الوقت في ظل الانفجار المتواصل للأسعار، وبهذا الشأن أشار محمد تقي نقد علي، النائب البرلماني عن مدينة خميني شهر، خلال مداخلة” السيد قاليباف! تحدثتم في بداية كلمتكم عن الغلاء الخانق، في حين أن سعر الأرز ارتفع خلال أسبوع واحد فقط بمقدار نصف مليون ريال للكيلوجرام الواحد، ما يعادل نصف دولار تقريبا، وفي هذا السياق، وجه إنذار جديد من المجلس إلى الحكومة، لكن أقولها صراحة، لقد انتهى زمن الإنذارات، والآن حان وقت التحرك العملي”.

Image

كذلك، قال محمد منان رئيسي، النائب البرلماني عن مدينة قم” ما نشهده اليوم بوضوح هو نوع من الإهمال والتراخي الشديد في إدارة شؤون البلاد، بل وحتى حالة من الفوضى وغياب الدولة، ويظهر هذا الوضع في مختلف القضايا، من الاقتصاد والمعيشة إلى القضايا الثقافية والاجتماعية، شخصيا لم يعد لدي أمل كبير ببعض المسؤولين الذين يفترض أن يؤدوا واجبهم ولا يفعلون، وحتى هيئة رئاسة المجلس ما زالت تنتظر الاستخارة لتقرر قبول بعض الاستجوابات من عدمها”.

Image

في حين تجاوز جبار كوجكي‌ نزاد، النائب البرلماني لرشت وخمام، مسألة الاستجواب، ووجه سهام النقد مباشرة إلى بزشكيان، قائلا” مع تصاعد التضخم في السلع الأساسية وارتفاع سعر الصرف، يواجه المواطنون مشكلات معيشية كبيرة تتفاقم يوما بعد يوم. وبما يتناسب مع ضرورة الإصلاحات الاقتصادية، يتعين على الحكومة إعادة النظر في تركيبة حكومتها وإجراء التعديلات اللازمة على فريقها الاقتصادي، وإلا فإن مجموعة من نواب البرلمان ستطرح سؤالا إلى رئيس الجمهورية في الجلسة العلنية وتطالب بمناقشته”.

Image

في مقابل موجة الهجمات الحادة والإنذارات، حاول بعض النواب تقديم قراءة مختلفة للوضع القائم، أبرزهم كان شمس الدين حسيني، رئيس اللجنة الاقتصادية في البرلمان، الذي عارض صراحة تبسيط المشكلة واتهام طرف واحد فقط، فقد وصف عام 2025 بأنه أصعب من سابقه، وعزا جذور معاناة الناس إلى اختلالات مركبة، وتضخم مزمن، ونمو اقتصادي قريب من الصفر، مؤكدا أن الاعتذار وحده لا يكفي، وأن جميع السلطات بما فيها البرلمان يجب أن تبحث عن جذور المشكلة وتعمل على الحل”.

Image

كما شدد حسيني على أنه رغم تأثير العقوبات والضغوط الخارجية وحتى تداعيات الحرب الإيرانية الإسرائيلية في 13يونيو/ حزيران 2025 في تعميق الأزمة، فإن مشكلات البلاد لا يمكن اختزالها في هذه العوامل أو في أداء قصير الأمد للحكومة الرابعة عشرة، الحكومة الحالية، ورأى أن الاختلال القائم ليس اقتصاديا فقط، بل هو اختلال إداري وغياب للانسجام الاستراتيجي، وأن علاجه مسؤولية بنية الحكم ككل.

 وأكد مخاطبا بزشكيان أن غالبية البرلمان، بغض النظر عن انتماءاتها السياسية، ستدعم أي سياسة مدروسة وفعالة لعبور الأزمات، مضيفا “ليس من الإنصاف اعتبار كل المشكلات نتاج أداء عام وبضعة أشهر للحكومة”.

ومع ذلك، لم يخف حسيني نقده للحكومة أيضا، معتبرا أن غياب برنامج تنفيذي واضح وضعف التواصل المنسق مع الناس من أبرز نقاط الضعف، فبرأيه، فإن التوقع من حكومة نالت ثقة كاملة تحت شعار التوافق هو مزيد من الانسجام والصلابة والاستفادة القصوى من قدرات البرنامج الاقتصادي للخطة السابعة للحكومة الرامي لتخفيف الضغط عن حياة المواطنين.

مهاجراني ترد… التهديد ليس في مصلحة أحد والبرلمان شريك للحكومة

في مواجهة هذه التحذيرات، سارعت المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني إلى الرد، في تصريحات هدفت إلى تهدئة الأجواء وتأكيد التزام الحكومة بمسؤولياتها الاقتصادية، فقد أكدت مهاجراني أن الحكومة وضعت إدارة الغلاء والحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين في صدارة أولوياتها التنفيذية، مشيرة إلى أن الفريق الحكومي يعمل ضمن إمكانيات محدودة وقيود بنيوية معروفة لمعالجة الأزمات الاقتصادية.

Image

وشددت على أن الحكومة، كما هي مسؤولة عن تنفيذ السياسات، فإن البرلمان يتحمل بدوره مسؤولية القوانين التي أقرها وتداعيات القرارات التشريعية على الواقع الاقتصادي، معتبرة أن تحقيق الاستقرار يتطلب توزيعا عادلا للمسؤوليات بين السلطتين، بدل تبادل الاتهامات.

وأوضحت المتحدثة باسم الحكومة أن الإصلاح الاقتصادي لا يتحقق فقط عبر تغيير الأشخاص، بل يحتاج إلى مراجعة السياسات والإجراءات في كلا الجانبين، التنفيذي والتشريعي، وأضافت أن الحكومة ترحب بأدوات الرقابة البرلمانية عندما تُستخدم في إطار الإصلاح وبناء الثقة العامة.

غير أنها حذرت، في الوقت ذاته، من أن الاستخدام المتكرر والمعلن لأدوات الضغط قد يؤدي إلى تعميق حالة عدم الاستقرار في الأجواء الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما لا يخدم مصلحة المواطنين.

لماذا قال قاليباف ما قال الآن؟

يطرح توقيت تصريحات قاليباف جملة من الأسئلة الجوهرية حول الدوافع السياسية والاقتصادية الكامنة خلف هذا التصعيد، فحسب تحليلات الصحافة الإيرانية، فمن الناحية الاقتصادية، تأتي هذه التحذيرات في ذروة موجة تضخمية غير مسبوقة، حيث تشير الأرقام الرسمية إلى ارتفاعات حادة في أسعار السلع الغذائية الأساسية، ما وضع الحكومة تحت ضغط شعبي متزايد، هذا الواقع خلق بيئة سياسية ملائمة لتشديد الرقابة البرلمانية، إذ يجد النواب أنفسهم في مواجهة ناخبين غاضبين يطالبون بإجراءات ملموسة، لا بيانات تطمين، ومن هنا، يمكن قراءة تصريحات قاليباف بوصفها استجابة لضغط الشارع بقدر ما هي رسالة للحكومة.

Image

لكن البعد الاقتصادي ليس وحده العامل الحاسم، فسياسيا، وحسب التحليلات، يبدو أن قاليباف يسعى إلى إعادة ترسيم حدود العلاقة بين البرلمان والحكومة، في ظل حكومة جاءت بشعار الوفاق وسعت إلى تقليل حدة الاستقطاب، هذا الشعار، وفق قراءة بعض المراقبين، فسر من قبل أطراف برلمانية على أنه هامش أوسع لممارسة الضغط وانتزاع التنازلات.

كما أن قاليباف، بصفته رئيسا للبرلمان وفاعلا سياسيا بارزا، يدرك أن موقعه يفرض عليه إظهار الحزم في مواجهة الأزمات الكبرى، خاصة مع اقتراب محطات سياسية واقتصادية حساسة، فالظهور بمظهر المدافع عن معيشة المواطنين يعزز موقعه داخل المؤسسة التشريعية وخارجها.

إلى جانب ذلك، لا يمكن فصل تصريحات قاليباف عن الصراع غير المعلن حول إدارة الملف الاقتصادي، فالتلويح بترميم الحكومة، تغيير بعض وجوهها، أو الاستجواب يعكس رغبة البرلمان في لعب دور مباشر في إعادة تشكيل الفريق الاقتصادي، أو على الأقل فرض معايير جديدة لأدائه، ومن زاوية أخرى، قد يكون التصعيد رسالة وقائية تهدف إلى تحميل الحكومة المسؤولية مسبقا عن أي تدهور اقتصادي محتمل، بما يسمح للبرلمان بتبرئة نفسه أمام الرأي العام. ففي حال استمرار الغلاء، يمكن للنواب القول إنهم حذروا واتخذوا المواقف اللازمة.

Image

كما أن الخطاب التحذيري يحمل بعدا تكتيكيا، إذ يمنح الحكومة فرصة محدودة للتحرك قبل الانتقال إلى مرحلة أكثر صدامية، فالقائلون بهذا الرأي يرون أن قاليباف فتح باب الترميم الطوعي قبل اللجوء إلى الاستجواب، في محاولة للحفاظ على توازن دقيق بين الضغط والتعاون.

بزشكيان ووفاقه السبب… وهناك من يريد المزيد من الامتيازات

هذا، في حين قدمت صحيفة اعتماد، في عددها الصادر الإثنين 22 ديسمبر/ كانون الأول 2025، قراءة إصلاحية ناقدة لتصعيد البرلمان، من خلال تصريحات إسماعيل كرامي ‌مقدم وحسين نوراني ‌نزاد، اللذين عبرا عن مخاوف حقيقية من أن يتحول الضغط البرلماني إلى عامل زعزعة للاستقرار.

فمن جهته، يرى كرامي ‌مقدم، الناشط السياسي الإصلاحي، أن تهديد الحكومة بتغيير الوزراء من قبل رئيس سلطة أخرى يشكل سابقة غير معهودة في التجربة السياسية الإيرانية، ووفق رؤيته، فإن رئيس الجمهورية هو الجهة الأولى والأكثر اطلاعا على أداء وزرائه، بحكم المتابعة اليومية والتقييم المستمر داخل الحكومة، كما يؤكد أن أي تغيير فعلي وفعال يجب أن ينبع من داخل الحكومة نفسها، بناء على تقارير مهنية ولجان تقييم، لا نتيجة تهديدات علنية أو ضغوط سياسية، معتبرا أن اللجوء إلى لغة الإنذار يضعف هيبة القرار التنفيذي بدل أن يعززه.

Image

كما يشير إلى أن الإفراط في التوافق من قبل الحكومة ربما شجع بعض الأطراف على المبالغة في مطالبها، معتقدة أنها قادرة على فرض خياراتها على رئيس الجمهورية، ويحذر من أن الاستجابة لهذه الضغوط قد تقلل من ثقة الجمهور بالحكومة.

أما حسين نوراني ‌نزاد، فيتناول القضية من زاوية أوسع، معتبرا أن المشكلات الاقتصادية الحالية متراكمة منذ سنوات، ولا يمكن تحميل حكومة لم يمضِ على تشكيلها سوى فترة قصيرة مسؤولية حلها جذريا، كما يشير إلى أن جزءا من الانتقادات الموجهة للحكومة نابع من توقعات غير واقعية، سواء من أطراف كانت تطمح إلى مكاسب سياسية، أو من فئات تتوقع حلولا سريعة لأزمات بنيوية عميقة.

Image

كما يؤكد أن الحكومة، رغم محدودية إنجازاتها، نجحت في خلق هامش تنفس نسبي، سواء عبر تخفيف بعض القيود أو فتح نقاشات إصلاحية طال انتظارها، ويرى أن هذه الخطوات، وإن بدت محدودة، تشكل أساسا لأي إصلاح مستقبلي.

في ضوء ذلك الوضع السياسي المشحون، يتضح أن تحذيرات قاليباف لبزشكيان تعكس لحظة مفصلية في العلاقة بين البرلمان والحكومة، حيث تتقاطع الضغوط الاقتصادية مع الحسابات السياسية، وبينما يرى مؤيدو التصعيد أنه ضرورة لحماية معيشة المواطنين، يحذر المعارضون من أن الإفراط في التهديد قد يقود إلى عدم استقرار يفاقم الأزمة بدل حلها، يبقى التحدي الأساسي في إيجاد توازن دقيق بين الرقابة والإصلاح، بما يحفظ استقرار الدولة ويستجيب في الوقت ذاته لمطالب الشارع المتزايدة.