- زاد إيران - المحرر
- 539 Views
كتب: كريمة هاني
تعيش العلاقات الإيرانية-الفرنسية مرحلة دقيقة من التوتر الحذر، إذ عاد ملفّ مهدیة إسفندیاري ليكشف عمق التباينات بين طهران وباريس حول مفاهيم الحرية والعدالة والسيادة القانونية. فبينما تصف فرنسا اعتقالها بأنه إجراء قضائي داخلي، ترى إيران فيه خطوة مسيّسة تنطوي على استغلال إنساني ودبلوماسي.
ومع إدراج اسمها رسميا ضمن مسار التبادل بين البلدين، تحوّلت القضية إلى ورقة تفاوض جديدة تعكس اشتباك المصالح وتراجع الثقة المتبادلة بين دولتين طالما تداخلت خلافاتهما من الملف النووي إلى ملفات الشرق الأوسط.
من هي مهدیة إسفندیاری؟
مهدیة إسفندیاری، امرأة في أواخر الثلاثينيات، تعيش في ليون الفرنسية منذ عام 2018. تختلف المعلومات حول عملها، فبينما تقول الخارجية الإيرانية إنها أستاذة جامعية، تشير مصادر أخرى إلى أنها مترجمة للفرنسية.
اختفت مهدیة إسفندیاری في 10 فبراير/شباط 2025 في ظروف غامضة. وبعد أسابيع من الغموض، أكدت السلطات الفرنسية في مطلع أبريل 2025 أنها أوقِفت رسميا، وهي محتجزة حاليا بشكل مؤقت في سجن فرسن بضواحي باريس. وقد مرّ على اعتقالها أكثر من ستة أشهر حتى تاريخ صدور بعض التقارير الأخيرة.
التهمة والإطار القانوني
وجّهت النيابة العامة في باريس إلى مهدیة إسفندیاری تهمة “تمجيد الإرهاب” ومخالفات تتعلق بنشاطها على منصات التواصل الاجتماعي، بعد نشرها محتوى عبر تليغرام ومنصة “إكس” اعتبرته السلطات دعما لعملية “طوفان الأقصى”.
ويرى محللون أن القضية تندرج ضمن القانون الفرنسي المعدّل بعد أحداث أكتوبر/تشرين الأول 2023، والذي وسّع نطاق التهم لتشمل أي تعبير يُفهم منه تأييد حركة حماس. وقد أثار هذا التوسع جدلا واسعا، لأنه جعل الحدود بين حرية التعبير والمخاوف الأمنية غير واضحة.
المنظور الإيراني
تؤكد السلطات الإيرانية، ومعها عائلة مهدیة إسفندیاری، أن سبب اعتقالها الحقيقي هو ترجمة ونشر أخبار عن جرائم الاحتلال الإسرائيلي في غزة، ودعمها للشعب الفلسطيني المظلوم.
وقالت شقيقتها زهرا إسفندیاری إن ما قامت به مهدیة يندرج في إطار نشاط إنساني سلمي لا يستحق الملاحقة. وترى طهران أن اعتقالها يمثل عقابا على موقف إنساني مناهض للحرب، وتصفه بأنه اعتقال تعسفي وشكل من أشكال الاحتجاز كرهينة.
الجهود الدبلوماسية والمتابعة القنصلية
منذ اختفاء مهدیة إسفندیاری، أطلقت وزارة الخارجية الإيرانية سلسلة من الجهود القانونية والقنصلية لضمان حقوقها والكشف عن وضعها، خصوصا بعد شهر كامل من التعتيم الذي حال دون حصول عائلتها والسفارة الإيرانية على أي معلومات عنها.
وشملت هذه التحركات تعيين محامٍ خاص لها وتقديم مطالبات رسمية إلى السلطات الفرنسية. كما تمكنت الدبلوماسية الإيرانية من إجراء عشرة لقاءات قنصلية معها داخل السجن، كان آخرها في سبتمبر/أيلول، في خطوة تُظهر متابعة مستمرة وحثيثة لوضعها الصحي والقانوني رغم ما أُثير من صعوبات بشأن ظروف احتجازها.
الفصل بين الرأي والتجسس
سعت السلطات الإيرانية إلى ترسيخ الطابع السياسي والفكري لقضية مهدیة إسفندیاری، مؤكدّة أنها لا ترتبط بأي شكل بملفات المواطنين الفرنسيين المحتجزين في إيران بتهم التجسس أو المساس بأمن الدولة.
وأوضح المتحدث باسم السلطة القضائية أن قضية مهدیة “منفصلة تماما”، وأن اعتقالها جاء بسبب آرائها المتعلقة بالشعب الفلسطيني فقط.
ويُعد هذا الموقف بمثابة نفي استراتيجي يهدف إلى تأكيد أن القضية مرتبطة بحرية التعبير لا بالأمن، ولمنع استخدامها كورقة تفاوض في ملفات سياسية أو أمنية أوسع.
التحول السياسي وإدراجها في “مسار التبادل”
يُعد الإعلان عن إدراج مهدیة إسفندیاری ضمن “مسار التبادل” بين إيران وفرنسا نقطة تحول مهمة، إذ انتقل ملفها من المتابعة القنصلية إلى مسار المفاوضات السياسية المباشرة. وأوضح نائب وزير الخارجية وحيد جلال زاده أن القرار صدر بتوجيه من وزير الخارجية، وأن طهران أعدّت “حزمة سياسية وقنصلية” متكاملة لضمان تنفيذ عملية التبادل وعودتها سريعا.
ويرافق هذا التحرك اتهام رسمي لفرنسا باحتجازها “كرهينة” بسبب مواقفها الداعمة لفلسطين، ما يجعل قضيتها جزءا من أجندة دبلوماسية عليا تسعى إلى تجاوز التعقيدات القانونية عبر حل سياسي مباشر.

نقد ازدواجية المعايير
وجّه متحدثون وخبراء إيرانيون، من بينهم ميرقاسم مؤمني، الخبير في الشؤون الدولية، انتقادات حادة لفرنسا، التي تصوّر نفسها دائما بوصفها “حاملة راية حقوق الإنسان وحرية التعبير”. ورأوا أن اعتقال امرأة أكاديمية ومترجمة لمجرد تبنيها موقفا إنسانيا يُعد خرقا واضحا للمبادئ الحقوقية الدولية ولاتفاقيات جنيف.
وتوسّع مؤمني في تحليله، مشيرا إلى أن الحكومة الفرنسية “حاولت استغلال قضية هذه السيدة كورقة ضغط سياسية أو ورقة تبادل، وهو تصرف يتعارض مع الأعراف والقوانين الدولية”. كما يرى الرأي العام الإيراني أن هذا الإجراء جاء نتيجة ضغوط من جماعات مؤيدة لإسرائيل داخل الأوساط السياسية والإعلامية الأوروبية، بهدف إسكات الأصوات الداعمة لفلسطين.
ظروف الاحتجاز المقيّدة
قدمت شقيقة مهدية، زهرا إسفندیاری، تفاصيل حول القيود المفروضة عليها داخل سجن فرسن، بما في ذلك عدم السماح لها بالاحتفاظ بالحجاب لأكثر من 53 يوما، واضطرارها لأداء الصلاة باستخدام غطاء أو قميص بديل. وقد أثارت هذه الإجراءات انتقادات واسعة بشأن ظروف احتجازها وحقوقها الدينية.
نظام “پرسمان”
في إطار متابعة قضية مهدية إسفندیاری، تمت الإشارة إلى نظام “پرسمان”، الذي أقرته وزارة الخارجية الإيرانية لمساعدة المواطنين الإيرانيين في الخارج على الاستعلام عن وضعهم القانوني قبل العودة إلى البلاد. ويُظهر هذا النظام اهتمام الحكومة بأوضاع المواطنين المغتربين وحرصها على توفير الحماية القانونية لهم.
وفي هذا السياق، قال نائب وزير الخارجية عن نظام “پرسمان”: «أي إيراني في أي مكان بالعالم لا يحتاج إلى تأشيرة للدخول إلى بلده، لكن بعض الإيرانيين يشعرون بأن لديهم قضايا قانونية في الجهاز القضائي. لذا أنشأنا نظاما يُسمى ‘پرسمان’ بمشاركة الجهات المعنية، وحوّلنا هذا النظام لاحقا إلى قانون من قبل البرلمان». وأضاف: “يتيح هذا النظام للإيرانيين الراغبين بالاطلاع على وضعهم القانوني داخل البلاد معرفة ما إذا كان لديهم أي قضية قانونية أم لا”.
احتجاجات ومطالبات بالحرية لمهدیة إسفندیاري
أثارت قضية مهدیة إسفندیاري تفاعلا واسعا على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تركزت الردود على المطالبة بالحرية والتحرك الميداني. استخدم النشطاء وسم #مهدية_إسفندیاري للمطالبة بالإفراج الفوري عنها، معتبرين أن اعتقالها قمع لحرية التعبير.
وتجاوزت الاحتجاجات الفضاء الإلكتروني إلى الشارع، حيث نظم طلاب احتجاجات أمام السفارة الفرنسية، مطالبين الحكومة الإيرانية بالتحرك الفوري والدفاع عن شرف إيران وحقوق المواطنة المعتقلة منذ أشهر.


تشير التطورات الأخيرة إلى أن ملف مهدیة إسفندیاری يقترب من الحل عبر القنوات الدبلوماسية. ومع إدراجها ضمن مسار التبادل، تؤكد طهران عزمها على ضمان عودة المواطنة الإيرانية، مع استمرار توجيه الانتقادات لباريس بشأن ازدواجية المعايير في تطبيق مبادئ حقوق الإنسان وحرية التعبير في القضايا المرتبطة بالصراع الفلسطيني. ويأتي هذا الختام ليعكس التقدم الحذر في الملف وأهمية الحل الدبلوماسي في إنهاء الأزمة.

