تحركات دبلوماسية محتملة لإحياء التنسيق بين إيران وسوريا

في مشهد إقليمي تتقاطع فيه التحالفات وتتبدل موازين القوى، تشهد الساحة السورية منذ أشهر حراكا دبلوماسيا متسارعا يعيد رسم خطوط العلاقة بين إيران وسوريا برعاية روسية واضحة، فبين زيارات متبادلة وتصريحات مدروسة، تبدو موسكو عازمة على لعب دور الوسيط بين حليفين جمعتهما سنوات الحرب وفرقتهما حسابات ما بعدها. في هذا الوقت، تسعى طهران إلى تثبيت حضورها السياسي بعد تراجع نفوذها الميداني، فيما تحاول دمشق الجديدة إعادة صياغة علاقاتها الخارجية في ظل ضغوط دولية متزايدة. وبين هذه المعادلات، تتحرك روسيا بحذر، ساعية إلى تحقيق توازن دقيق يضمن استمرار نفوذها ويمنع اشتعال جبهات جديدة في غرب آسيا.

فقد التقى ألكسندر لافرنتييف، المبعوث الخاص للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الشأن السوري، الإثنين 20أكتوبر/تشرين الأول 2025، بوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في طهران في إطار المشاورات المستمرة بين طهران وموسكو، حيث تم التأكيد على أهمية التنسيق في القضايا الأمنية والإقليمية.

Image

هذا وقد صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، في مؤتمره الصحفي تعليقا على اللقاء: “الاتصالات مع روسيا مستمرة وطبيعية وعلى مستويات مختلفة، والمبعوث الروسي الخاص في الشأن السوري يلتقي بانتظام مع المسؤولين المعنيين داخل وخارج وزارة الخارجية، هذه اللقاءات تأتي في إطار مشاورات منتظمة بين البلدين بشأن القضايا النووية وسائر الموضوعات الثنائية”.

Image

وحول التكهنات الإعلامية بشأن وساطة الرئيس الروسي بين إيران والولايات المتحدة في ضوء زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني إلى موسكو، علق بقائي: “هذه الحوارات تأتي فقط في سياق المشاورات الإقليمية والأمنية مع أصدقاء إيران في المنطقة، ولا تعني بالضرورة أن لروسيا دورا مباشرا في ملف طهران وواشنطن”.

يأتي هذا اللقاء في وقت زار فيه أحمد الشرع، الرئيس السوري، موسكو مؤخرا واجتمع بالرئيس بوتين، وكان الشرع قد صرح سابقا خلال لقاء مع قناة الإخبارية في سبتمبر/أيلول 2025 بأن قطع العلاقة بين دمشق وطهران ليس إجراء دائما، وأن الجهود مستمرة لإعادة بناء العلاقات الثنائية بين البلدين، كما قال في مقابلة مع قناة العربية في ديسمبر/كانون الأول 2024 إنه لا يمكن لسوريا أن تقطع علاقتها مع دولة إقليمية كبرى مثل إيران، لكن يجب أن تقوم العلاقات على أسس دبلوماسية واحترام متبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

على أن محللين يرون في هذه الزيارة ما هو أبعد من التنسيق، حيث يشيرون إلى أن تلك الزيارة تأتي في ظل مساعي روسيا لاستثمار أزمتي سوريا والضغوط الإسرائيلية على دمشق لبناء شبكة علاقات متوازنة تمنع تفجر الأوضاع، وأن هذه المساعي يمكن أن تساعد إيران على إدارة علاقاتها الإقليمية بدقة، والحد من التوترات والضغوط السياسية المحتملة في المنطقة.

كذلك تظهر الزيارة اهتمام موسكو بالقيام بدور نشط في التنسيق بين إيران وسوريا وسائر اللاعبين الإقليميين، دون أن تتدخل مباشرة في الملف النووي أو السياسات الدولية الخاصة بطهران.

بين المخاوف والأمل.. نظرة منقسمة حول الملف السوري

في هذا السياق، يرى السفير الإيراني الأسبق قاسم محب علي أن الحديث عن إحياء العلاقات الإيرانية السورية سابق لأوانه، موضحا أن “الزيارات المتبادلة بين المسؤولين الروس والإيرانيين تختلف عن تحركات المسؤولين السوريين إلى موسكو”، في إشارة إلى أن المساعي الروسية لا تزال في مرحلة التمهيد السياسي ولم تصل بعد إلى مرحلة النتائج، ويعتقد محب علي أن الظروف الراهنة في سوريا والمنطقة لا توفر بيئة جاهزة لعودة العلاقات الثنائية إلى مسارها القديم.

Image

ويشرح المدير العام الأسبق لشؤون الشرق الأوسط في وزارة الخارجية الإيرانية رؤيته بالقول إن الهيكل الاقتصادي والعسكري السوري بات قائما على النفوذ الروسي، مشيرا إلى أن القواعد الروسية المنتشرة في الأراضي السورية ما زالت تشكل الضمانة الأمنية الأساسية لنظام دمشق الجديد، ويضيف أن استمرار الضغوط الإسرائيلية والدعم الأمريكي لبعض المناطق داخل سوريا يعززان الحاجة إلى توازن سياسي جديد يضمنه وجود طرف ثالث فاعل مثل روسيا.

ويرى محب علي أن إيران، ورغم سجلها الطويل في دعم النظام العلوي خلال عهد الأسد، فإنها لم تتلق حتى الآن إشارة واضحة من الحكومة الحالية في دمشق تؤكد رغبتها في استعادة التعاون الكامل مع طهران، مضيفا أن الحكومة السورية الجديدة، والتي وصفها بأنها صاحبة التوجه الإخواني والمدعومة من تركيا وقطر، لا تتمتع باستقلالية كاملة في قراراتها الخارجية، ما يجعل إعادة العلاقة مع إيران خاضعة لتوازنات إقليمية دقيقة تتداخل فيها حسابات أنقرة والرياض وواشنطن.

ويؤكد السفير الإيراني الأسبق أنه على طهران أن تتعامل مع هذه المعادلات بمرونة وبراغماتية، مشددا على أن المنطقة تعيش مرحلة إعادة تشكيل واسعة، وعلى إيران أن تتبنى نهجا واقعيا شبيها بما فعلته موسكو عندما جمعت بين استضافة بشار الأسد والتعاون في الوقت نفسه مع حكومة أحمد الشرع، ويضيف أن السياسة الخارجية الإيرانية ينبغي أن تخرج من إطار الدعم الطائفي إلى أفق أوسع يقوم على مساعدة دمشق في استعادة السيادة على كامل أراضيها ومواجهة النفوذ الإسرائيلي.

من جهة أخرى، يقدم السفير الإيراني الأسبق محسن باك‌ آيين قراءة أكثر تفاؤلا، حيث أكد أن موسكو تمارس دورا محوريا في التقريب بين طهران ودمشق، فيصرح: “إن التعاون الإيراني الروسي في القضايا الأمنية والسياسية، خصوصا في غرب آسيا، يحمل أهمية استراتيجية كبيرة، وكانت سوريا دائما أحد محاور التنسيق بين الجانبين منذ عهد حافظ الأسد وحتى سقوط نجله بشار”.

محسن پاک آئین
ويرى باك ‌آيين أن “المشاورات بين موسكو وطهران التي تتناول الملف السوري لا تعني بالضرورة أن الظروف نضجت لإحياء العلاقات، لكنها تشير إلى وجود رغبة متبادلة وجاهزية تدريجية للمضي في هذا الاتجاه”، كما يؤكد أن نفوذ طهران في المنطقة لا يمكن تجاوزه، وأن القيادة السورية الحالية، رغم حذرها، ما زالت تبقي باب الحوار مفتوحا، كما يربط بين التعاون الإيراني السوري ومواجهة التوسع الإسرائيلي، موضحا: “تسعى إسرائيل إلى فرض مشروعها التوسعي في المشرق العربي، ومن الطبيعي أن تتعاون طهران ودمشق في مواجهته، مع قيام موسكو بدور الوسيط والمنسق”. 

ويشير باك ‌آيين إلى أن مخاوف تركيا والسعودية من النفوذ الإيراني لا تلغي إمكانية بناء تفاهمات إقليمية جديدة، معتبرا أن القلق المشترك من التهديد الإسرائيلي قد يشكل أرضية لتعاون ثلاثي بين إيران وتركيا والسعودية، يعيد فتح قنوات الحوار حول الملف السوري.

ويختم باك ‌آيين بالتأكيد على أن حكومة الرئيس الإيراني الحالي، مسعود بزشكيان، تمتلك الإرادة السياسية لتوسيع التعاون الإقليمي، وأن إحياء العلاقات مع سوريا يشكل جزءا من الاستراتيجية الإيرانية الكبرى في غرب آسيا، مضيفا أن عودة سوريا إلى مسار التعاون مع طهران لن تغير فقط موازين القوى في المنطقة، بل ستكون أيضا ردا عمليا على تصاعد التهديدات الإسرائيلية في الشرق الأوسط.

إيران وروسيا في سوريا.. من شراكة بقاء إلى معركة توازنات ما بعد الأسد

ورث بشار الأسد، منذ توليه الحكم في العام 2000، شبكة تحالفات معقدة أسسها والده حافظ الأسد، كان أبرزها التحالف الاستراتيجي مع إيران، والدعم العسكري والسياسي الذي وفره الاتحاد السوفييتي سابقا وورثته روسيا لاحقا، ومع الوقت، تحولت سوريا إلى ساحة اختبار نادرة للعلاقات بين طهران وموسكو، جمعت بين التعاون والتنافس، وتكشفت ملامحها بوضوح خلال سنوات الحرب، ثم أعادت تشكيلها الأحداث بعد سقوط النظام ودخول البلاد في مرحلة انتقالية جديدة.

فمنذ بداية حكم بشار الأسد، حرصت إيران على توطيد نفوذها في سوريا باعتبارها الامتداد الطبيعي لمشروعها الإقليمي الممتد من طهران إلى بيروت مرورا ببغداد ودمشق، فالعلاقة بين البلدين لم تكن مجرد تعاون سياسي، بل شكلت ركيزة فيما سمته إيران لاحقا بمحور المقاومة في مواجهة إسرائيل والغرب، ومع اندلاع الحرب في العراق عام 2003 وصعود النفوذ الأمريكي في المنطقة، ازدادت حاجة دمشق إلى مظلة سياسية واقتصادية، ووجدت في إيران الداعم الأهم.

Image

ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، دخل التحالف الإيراني السوري مرحلة حاسمة، فكانت طهران أول من أعلن دعمه الكامل لنظام الأسد، وقدمت له منذ الأشهر الأولى دعما ماليا وعسكريا واسعا، وأرسلت مستشارين من الحرس الثوري وقوات من حزب الله اللبناني، ما منح النظام قدرة على الصمود في وجه المعارضة المسلحة، هذا التدخل جعل من إيران شريكا مباشرا في الصراع، لكنها في الوقت ذاته تحولت إلى هدف رئيسي لانتقادات عربية وغربية، وبدأت بوادر التنافس مع روسيا تلوح في الأفق، رغم أنهما كانتا تدعمان النظام نفسه.

في المقابل، كانت موسكو أكثر حذرا في البداية، فقد اكتفت بالدعم السياسي والدبلوماسي للأسد في مجلس الأمن، مستخدمة حق الفيتو، نقض قرارات مجلس الأمن، مرارا لحمايته من القرارات الدولية، غير أن نقطة التحول جاءت في خريف 2015، عندما قرر الكرملين التدخل العسكري المباشر في سوريا، تحت شعار مكافحة الإرهاب، لكن الهدف الأعمق، حسب محللين، كان تثبيت موطئ قدم روسي دائم في شرق المتوسط، وضمان بقاء النظام الموالي لها. ومنذ ذلك الحين، بدأت علاقة الشراكة القسرية بين روسيا وإيران تتشكل على أرض الواقع.

Image

خلال السنوات التالية، تقاسمت إيران وروسيا النفوذ في سوريا كلّ على طريقته، فقد ركزت طهران على بناء شبكات نفوذ محلية من مؤسسات اقتصادية وأمنية، بينما سعت موسكو إلى إعادة هيكلة الجيش السوري وتوسيع حضورها العسكري في قاعدتَي حميميم وطرطوس، ومع ذلك، لم تكن العلاقة بين الطرفين خالية من التوتر، إذ اتهمت دوائر روسية طهران بمحاولة فرض نفوذ مذهبي في مناطق متعددة، فيما كانت طهران تتوجس من محاولات موسكو لتهميشها في أي تسوية سياسية مستقبلية ترعاها الأمم المتحدة أو القوى الإقليمية.

ومع تراجع القبضة العسكرية للنظام في سنواته الأخيرة، وظهور بوادر الانقسام الداخلي، بدأت روسيا تميل تدريجيا إلى تبني مقاربة أكثر براغماتية، تهدف إلى ضمان مصالحها، حتى لو انتهى عهد الأسد، في المقابل، وجدت إيران نفسها أمام معضلة مفادها كيف تحافظ على استثماراتها ونفوذها الواسع في سوريا من دون الارتباط المصيري بشخص الرئيس؟ وهكذا، تحول الملف السوري إلى ساحة تنافس صامت بين الحليفين، فموسكو ركزت على الحوار مع القوى الدولية والعربية، بينما تمسكت طهران بدعم القوى المحلية الموالية لها على الأرض.

ومع سقوط النظام رسميا ودخول سوريا في مرحلة انتقالية بقيادة حكومة أحمد الشرع، أعادت موسكو ترتيب أوراقها سريعا لتصبح الراعي الأول للتسوية الجديدة، أما إيران، فقد سعت إلى الحفاظ على حضورها عبر بوابة إعادة الإعمار والعلاقات الاقتصادية، في محاولة لتأمين عائد سياسي لما أنفقته خلال أكثر من عقد من الدعم. ومع ذلك، بدا واضحا أن النفوذ الروسي تفوق، ولو مؤقتا، على النفوذ الإيراني بفضل شرعية الدور الدبلوماسي الذي حظي باعتراف دولي أوسع.

Image

اليوم، وبعد مرور قرابة عام على سقوط الأسد، لا تزال موسكو وطهران في معركة توازنات دقيقة داخل سوريا، فروسيا تمسك بالمفاتيح الأمنية والعسكرية، فيما تحاول إيران استعادة نفوذها السياسي عبر قنوات دبلوماسية هادئة وبرعاية روسية أحيانا. وفي الوقت نفسه، تسعى دمشق الجديدة إلى رسم سياسة خارجية متوازنة لا تعيدها إلى التبعية لأي محور، بل توظف علاقاتها مع القوتين لضمان الاستقرار ومنع عودة الصراع الداخلي.