“تجار الأزمات” أم “حراس الثوابت”؟.. لماذا تستقتل “جبهة بايداري” لتعطيل قطار التفاوض في إيران؟

كتب: الترجمان

بينما تتجه أنظار العالم نحو طاولات الدبلوماسية المعقدة، وفي وقت تعاني فيه البنية التحتية للاقتصاد الإيراني من وطأة عقوبات قاسية، يبرز تساؤل جوهري يشغل الصالونات السياسية في طهران: لماذا تصر “جبهة بایداری”على وأد أي تقارب دبلوماسي في مهده؟ ولماذا يتم تصوير “المقايضة السياسية” على أنها “خيانة عظمى”؟ إن الإجابة لا تكمن فقط في الشعارات الرنانة، بل في شبكة معقدة من المصالح التي تجعل من “الجمود” خيارا أكثر ربحية لهذا التيار من “الانفتاح”.

العقيدة السياسية: حين يصبح “اللا-اتفاق” هو الهوية

تستمد جبهة بايداري شرعيتها الوجودية من فكرة “المظلومية الثورية” والمواجهة المستمرة مع “الاستكبار”. بالنسبة لهذا التيار، فإن انتهاء حالة الصراع مع الولايات المتحدة يعني بالضرورة انتهاء صلاحية خطابهم السياسي. هم لا ينظرون إلى التفاوض كأداة لتحقيق مصالح الدولة، بل كتهديد لهويتهم الراديكالية. 

في فقرات أدبياتهم، يتم تقديم التفاوض دائما بصيغة “أعطِ كل شيء”، وهي صيغة مصممة بعناية لإثارة عواطف القواعد الشعبية المتدينة والوطنية، وتصوير المفاوض الإيراني — سواء كان محمد جواد ظريف، وزير الخارجية الأسبق، أو عباس عراقجي، وزير الخارجية، أو حتى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف — في صورة الضعيف الذي يسلم مفاتيح البلاد للعدو.

هذا التوجه الأيديولوجي يرفض منطق “الواقعية السياسية”. فبينما يرى أغلب الساسة أن السياسة هي فن الممكن، ترى جبهة الثبات أن السياسة هي ساحة للتمسك بالمبادئ المطلقة حتى لو أدى ذلك إلى الانهيار الاقتصادي. 

إنهم يعتمدون استراتيجية “الشيطنة المسبقة”؛ فقبل أن تبدأ الجولة الأولى من أي مفاوضات، تخرج منصاتهم الإعلامية مثل “رجانيوز” لتضع خطوطا حمراء تعجيزية، واصفة أي نتيجة واقعية بأنها “خسارة محضة”. الهدف هنا ليس حماية الصناعة النووية، بل ضمان بقاء إيران في حالة “اللاحرب واللاسلم” التي تمنحهم التفوق في الخطاب الداخلي.

Image

الاقتصاد الموازي.. من المستفيد من بقاء العقوبات؟

لا يمكن قراءة المشهد السياسي بمعزل عن لغة الأرقام. فخلف ستار “الحفاظ على المنجزات” تختفي مصالح اقتصادية ضخمة لطبقة يطلق عليها في إيران تجار العقوبات. إن استمرار العقوبات يعني استمرار الحاجة إلى طرق غير رسمية للالتفاف عليها، وهو ما يخلق اقتصادا موازيا يفتقر إلى الشفافية وتديره شبكات مقربة من مراكز القوى المتشددة. 

في ظل هذا النظام، تزدهر عمولات تهريب النفط، وغسيل الأموال، وتوريد السلع الأساسية بأسعار مضاعفة، وهي مكاسب ستتبخر فور عودة إيران إلى النظام المصرفي العالمي (سويفت) واتسام المعاملات بالشفافية.

لذلك، فإن هجوم جبهة بايداري على مفاهيم مثل “اتفاقيات FATF” أو “إحياء برجام” ليس نابعا فقط من مخاوف أمنية، بل من إدراكهم أن الاندماج في الاقتصاد العالمي سيؤدي إلى تآكل إمبراطوريتهم المالية. 

إنهم يدركون أن “الانفتاح” يعني رقابة دولية وداخلية، ويعني انتقال بوصلة القوة من يد “الوسطاء والراديكاليين” إلى يد “التكنوقراط والمستثمرين”. ومن هنا، تصبح شيطنة التفاوض ووصفه بـ “اللوبيا السحرية” أو “السراب” وسيلة دفاعية لحماية شبكة مصالح عابرة للحدود نمت وتغلغلت في ظل العزلة.

صراع النفوذ داخل “البيت الأصولي”

يمثل الانقسام الأخير في البرلمان حول دعم فريق التفاوض برئاسة محمد باقر قاليباف فصلا جديدا من فصول تآكل الإجماع داخل التيار الأصولي نفسه. جبهة بايداري تجد نفسها اليوم في مواجهة مع “الأصولية الواقعية” التي يمثلها قاليباف. هذا الصراع ليس على جوهر الاتفاق، بل على “من يقطف الثمار”.

 تخشى جبهة بايداري أن ينجح جناح قاليباف في تحقيق خرق دبلوماسي يؤدي إلى تحسن معيشي، مما سيجعل القواعد الشعبية تنبذ الخطاب الصدامي وتلتف حول التيار الذي قدم “الحلول” بدلا من “الشعارات”.

رفض نواب جبهة بايداري السبعة (مثل أمير حسين ثابتي وحميد رسايي ومحمود نبويان) التوقيع على بيان يدعمه 261 نائبا هو رسالة واضحة للنظام وللداخل: “نحن مستعدون لشق صف الوحدة من أجل تعطيل أي مسار لا نتحكم فيه”. 

إنهم يستخدمون البرلمان كمنصة للضغط والابتزاز السياسي، حيث يتم توظيف “صوت الأقلية” لإرباك المفاوض في الخارج، وإيهام الطرف الآخر بأن الداخل الإيراني منقسم بشدة، مما يضعف موقف إيران التفاوضي. المفارقة هنا أن هذا التيار الذي يتغنى بالوطنية، يمارس سلوكا يصب مباشرة في مصلحة الضغوط الخارجية من خلال إضعاف الجبهة الداخلية.

Image

استراتيجية “التخوين” كوسيلة للسيطرة على الرأي العام

تعتمد جبهة بايداري على ماكينة إعلامية جبارة (صدا وسيما، رجانيوز، ومنصات التواصل) لترسيخ ثنائية “الخائن والمقاوم”. يتم توظيف الرموز الدينية والمناسبات الثورية لتمرير أجندة سياسية ضيقة. على سبيل المثال، عندما يتم وصف مطالب القيادة بالواقعية في وسائل إعلام مثل “تسنيم”، تسارع جبهة بايداري لاتهام هذه الوسائل بـ “التراجع عن نهج المرشد الأعلى”. 

إنهم يحاولون احتكار تفسير “الخطوط الحمراء” وجعلها جامدة وغير قابلة للمناورة، متجاهلين مفهوم “المرونة البطولية” التي أقرها أعلى مقام في الدولة في وقت سابق.

هذا “الإرهاب الفكري” الممارس ضد الساسة والمحللين وحتى المنشدين الدينيين (مثل ميثم مطيعي) يهدف إلى خلق مناخ من الخوف يمنع أي مسؤول من التفكير في تقديم تنازلات تكتيكية مقابل مكاسب استراتيجية. إنهم يدركون أن المجتمع الإيراني في غالبيته تواق للانفراج الاقتصادي، لذا يسعون جاهدين لتغيير بوصلة الغضب الشعبي من “سوء الإدارة والعزلة” إلى “الخوف من فقدان السيادة”. 

هي عملية تزييف للوعي الجمعي، حيث يتم تصوير الفقر والجوع كثمن ضروري للكرامة، بينما يعيش منظرو هذا التيار في مأمن من التبعات الاقتصادية لقراراتهم.

Image

فخ “الصفر والواحد”.. كيف يشوهون مفهوم “الأخذ والعطاء”؟

في العلوم السياسية، التفاوض هو عملية ديناميكية تسعى لتقليل الخسائر وتعظيم المكاسب. لكن جبهة بايداري تصر على منطق “الصفر والواحد”؛ فإما الحصول على كل شيء أو رفض كل شيء. هذا المنطق هو الوصفة المثالية للفشل الدبلوماسي. 

هم يشوهون فكرة “المقايضة” ويحولونها إلى “تسليم” في تقاريرهم، لا يذكرون أبدا أن التنازل عن كمية من اليورانيوم المخصب مقابل رفع كامل للعقوبات البنكية هو “صفقة رابحة”، بل يركزون فقط على الجزء المتعلق بـ “التنازل”، متجاهلين “المكسب” تماما.

إن هذا التشويه المتعمد يمتد ليشمل القدرات الدفاعية؛ فرغم أن أحدا من التيارات الرئيسية لا يدعو للتنازل عن الصواريخ، إلا أن جبهة الثبات تروج لهذه الفرية لتخويف القوات المسلحة والقواعد الثورية. 

إنهم يخلطون الأوراق عمدا بين “المفاوضات النووية” و”القدرة الصاروخية”، رغم إدراكهم أن الدولة وضعت هذه الأخيرة خارج أي نقاش. هذا الخلط يهدف لإفشال الممكن (الاتفاق النووي) عبر ربطه بالمستحيل (السلاح الدفاعي)، وهو تكتيك “السم في العسل” الذي برعوا فيه لسنوات.

Image

قمار على حساب مستقبل 90 مليون إيراني

في نهاية المطاف، تبدو معركة “جبهة بايداري” ضد التفاوض كأنها معركة بقاء أخيرة لتيار يدرك أن عقارب الساعة تسير في غير صالحه. إن إصرارهم على وصف المفاوضات بـ “الخسارة المحضة” هو محاولة بائسة لاختطاف القرار الوطني وحصره في زاوية ضيقة تخدم مصالحهم الحزبية والمالية. ومع ذلك، فإن حجم الالتفاف البرلماني والشعبي حول ضرورة إيجاد مخرج للأزمات الراهنة يشير إلى أن “ضجيج الأقلية” قد لا يصمد طويلاً أمام “ضرورات الدولة”.

إيران اليوم أمام مفترق طرق: إما الرضوخ لابتزاز تيار يقتات على الصراع، أو المضي قدما في دبلوماسية ذكية تحفظ العزة وتحقق الرفاه. إن قضاء جبهة بايداري على فرص التفاوض لا يعني حماية إيران، بل يعني دفعها نحو “الانفجار من الداخل” نتيجة الضغط الاقتصادي، وهو الخطر الأكبر الذي يتجاهله هؤلاء المنظرون في سبيل الحفاظ على مكاسبهم السياسية.  سيبقى التاريخ يذكر أن هناك فئة حاولت بيع “الوهم” للناس تحت مسمى “الثبات”، بينما كان الوطن يحتاج إلى “الحكمة” لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

كلمات مفتاحية: