- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 90 Views
في ظل مشهد إقليمي مضطرب تتشابك فيه اعتبارات القوة مع رهانات السياسة، تتكثف المؤشرات على دخول المنطقة مرحلة بالغة الحساسية، تتجاوز حدود التهدئة الظاهرية إلى عمق من التوتر الكامن. فبين خطاب سياسي متردد وتحركات ميدانية متسارعة، تتشكل معادلة دقيقة تحكمها حسابات الردع واحتمالات الانفجار في آن واحد. هذا الواقع المعقد لا يعكس فقط توازنات آنية، بل يشي بتحولات أعمق في بنية الصراع، حيث تتداخل الإرادات وتتعاظم المخاطر، في وقت تبدو فيه كل الخيارات مفتوحة على مسارات غير محسومة، قد تعيد رسم المشهد برمته في أي لحظة.
تصريحات الرئيس الأمريكي… بين رفض المقترح الإيراني والتلويح بخيارات مفتوحة
تكشف التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الأحد 3 مايو/ آيار 2026، عن حالة من التردد الاستراتيجي الممزوج بالتصعيد اللفظي، وهو ما يعكس طبيعة المرحلة الانتقالية بين الهدنة الهشة واحتمالات العودة إلى المواجهة. ففي أحدث تعليقاته، أشار ترامب إلى أنه تلقى مقترحا من إيران يتكون من 14 بندا لإنهاء الحرب، إلا أنه أبدى تشككا واضحا في إمكانية قبوله، قائلا “سأراجع قريبا الخطة التي أرسلتها إيران إلينا، لكن لا أستطيع أن أتخيل أنها ستكون مقبولة”، هذه العبارة تكشف، حسب محللين، عن فجوة كبيرة في المواقف، وتوحي بأن المسار الدبلوماسي لا يزال بعيدا عن تحقيق اختراق حقيقي.

وفي سياق تصعيدي، عاد ترامب ليكرر روايته التقليدية تجاه إيران، معتبرا أن طهران “لم تدفع بعد الثمن الكافي لما فعلته خلال السنوات الماضية”، وهو خطاب يحمل في طياته تبريرا ضمنيا لأي تحرك عسكري محتمل، كما أشار إلى أنه سيطلع الصحفيين لاحقا على تفاصيل الموقف، مضيفا أن الجانب الإيراني قدم له الخطوط العامة للاتفاق، وأن النص الكامل لم يعرض عليه بعد، وهو ما يعكس استمرار الغموض حول طبيعة هذا المقترح.
لكن اللافت في تصريحات ترامب هو التناقض الواضح في مواقفه، فبينما سبق أن ألمح إلى إمكانية عدم التوصل إلى اتفاق مع إيران، عاد لينفي ذلك بشكل قاطع، مؤكدا “أنا لم أقل ذلك”، في تراجع يعكس ربما ضغوطا داخلية أو حسابات سياسية مرتبطة بإدارة الأزمة، لكنه في الوقت نفسه يعزز حالة عدم اليقين.

وفيما يتعلق بالوضع العسكري، لم يستبعد ترامب خيار التصعيد، لكنه حاول إبقاءه في إطار الاحتمال غير المؤكد، قائلا “لا أريد أن أقول هذا، إذا تصرفوا بشكل سيئ أو قاموا بشيء خاطئ، علينا أن نرى ما سيحدث”، هذه الصياغة الحذرة تعني أن القرار لم يتخذ بعد، لكنه يظل مطروحا بقوة على الطاولة.
ومن التصريحات اللافتة أيضا قوله إن الانسحاب الأمريكي الآن سيمنح إيران فرصة لإعادة البناء تستغرق 20 عاما، مؤكدا أن الولايات المتحدة لن تنسحب الآن، على حد وصفه، وأنها ستعمل على منع تكرار الصراع في المستقبل القريب، ما عكس رؤية استراتيجية تقوم على استنزاف القدرات الإيرانية أو تقويضها بشكل يمنع إعادة تشكل التهديد.

وفي تناقض آخر، أعلن ترامب أن الأعمال العدائية قد انتهت في رسالة إلى الكونجرس، لكنه عاد ليصف الحصار البحري المفروض على إيران بأنه حصار ودي، وهو توصيف يثير تساؤلات حول طبيعة هذا الانتهاء المعلن، وما إذا كان مجرد إعادة تموضع تكتيكي وليس نهاية فعلية للصراع.
إجمالا، تعكس تصريحات ترامب مزيجا من الضغط السياسي، والتردد في الحسم العسكري، مع إبقاء كل الخيارات مفتوحة، وهو ما يجعل المرحلة الحالية أقرب إلى هدنة مؤقتة قابلة للانفجار في أي لحظة.
استعدادات أمريكية وإسرائيلية وإيرانية… سباق محموم نحو جولة محتملة
رغم الحديث الرسمي عن انتهاء العمليات العسكرية، فإن الوقائع على الأرض، إلى جانب التسريبات الإعلامية والتقارير الاستخباراتية، تشير بوضوح إلى أن جميع الأطراف تستعد فعليا لجولة جديدة من المواجهة، وربما بشكل أكثر كثافة وتعقيدا من الجولة السابقة.
على الجانب الأمريكي، تتزايد المؤشرات على إعادة الانتشار العسكري في المنطقة، فقد رصدت تقارير متخصصة في تتبع الطيران، من بينها موقع Flightradar24، ارتفاعا ملحوظا في نشاط الطائرات العسكرية الأمريكية في غرب آسيا. ويشمل ذلك طائرات نقل ثقيل مثل Boeing C-17 Globemaster III، القادرة على نقل عشرات الأطنان من المعدات ومئات الجنود، إضافة إلى طائرات عملاقة مثل Lockheed C-5 Galaxy، وطائرات التزود بالوقود مثل Boeing KC-46 Pegasus وBoeing KC-135 Stratotanker. هذا الحشد الجوي يعكس استعدادا لعمليات طويلة المدى، سواء كانت لوجستية أو قتالية.

ولا يقتصر الأمر على التحركات الجوية، إذ تقوم القيادة المركزية الأمريكية نشر نظام صاروخي فرط صوتي جديد في الشرق الأوسط، يعرف باسم دارك إيغل، وهو سلاح متطور قادر على ضرب أهداف بعيدة بسرعة عالية جدا، ما يمنح واشنطن قدرة هجومية نوعية تستهدف عمق الأراضي الإيرانية. نشر مثل هذا النظام، في حال حدوثه، سيمثل تحولا كبيرا في ميزان القوى، ويدخل المنطقة مرحلة جديدة من سباق التسلح.

في المقابل، تشير التقارير إلى أن واشنطن لا تستبعد خيار العودة إلى العمل العسكري، فقد أعلن ترامب قبلا أنه سيجتمع بفريق الأمن القومي لمناقشة سيناريوهات متعددة، تشمل استئناف العمليات العسكرية، وإعادة فتح مضيق هرمز بالقوة، وحتى تطهير إيران من أي مواد نووية، وفق التعبير المستخدم في بعض التقارير. كما سيقدم قائد القيادة المركزية الأمريكية، براد كوبر، تقييما شاملا للوضع وخيارات التصعيد.
أما إسرائيل، فتبدو أكثر اندفاعا نحو خيار الحرب، إذ كشفت تقارير إعلامية أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يعتزم عرض خطط جديدة على ترامب، تشمل أربعة سيناريوهات عسكرية، وتتمثل في هجوم إسرائيلي منفرد، دعم أمريكي محدود، عملية مشتركة، أو هجوم أمريكي كامل. ومن اللافت أن الخيار الثالث، أي العمل المشترك، كان هو المفضل سابقا، ما يرجح تكرار هذا السيناريو في حال اندلاع مواجهة جديدة.

وفي سياق متصل، وافقت إسرائيل على شراء سربين جديدين من مقاتلات متقدمة، في خطوة تعكس استعدادا طويل الأمد لمواجهة عسكرية محتملة. كما يشير الخطاب الإسرائيلي إلى أن القلق الرئيسي يتمثل في القدرة الصاروخية الإيرانية، خصوصا مع تقديرات تفيد بإمكانية إنتاج آلاف الصواريخ سنويا.

أما إيران، فتبدو من جهتها في حالة تعبئة شاملة، فالتقارير تشير إلى أنها استغلت فترة وقف إطلاق النار لإعادة فتح جميع قواعدها الصاروخية وقواعد الطائرات المسيرة، وإعادة تنظيم قدراتها العسكرية، كما تعمل على استخراج الأسلحة التي كانت مخبأة تحت الأرض أو مدفونة تحت الأنقاض نتيجة الضربات السابقة.

وتشير معلومات إلى أن مصانع الصواريخ الإيرانية تعمل على مدار الساعة، وأن طهران تخطط لرفع قدرتها الهجومية بشكل كبير، بحيث تتمكن في حال اندلاع حرب جديدة من إطلاق آلاف الصواريخ دفعة واحدة، في محاولة لإغراق الدفاعات الجوية الإسرائيلية.
إلى جانب ذلك، كشفت تصريحات قادة عسكريين إيرانيين عن نية عرض أسلحة جديدة مرعبة في المجال البحري، مع تحذيرات صريحة من الاقتراب من مضيق هرمز، ما يعكس استعدادا لاستخدام هذا الممر الاستراتيجي كورقة ضغط رئيسية، كما تشير التقارير إلى أن إيران أعدت قائمة أهداف جديدة، وأجرت تحركات عسكرية خلال الأسابيع الماضية تحسبا لاحتمال استئناف الحرب، وهو ما يعكس قناعة داخلية بأن المواجهة لم تنته، بل تأجلت فقط.

وفي الداخل الإيراني، يبدو أن القيادة تسعى إلى الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية، مستفيدة من سردية الصمود في الحرب السابقة، وهو ما يعزز قدرتها على الاستمرار في التصعيد دون ضغوط داخلية كبيرة.
بناء على هذه المعطيات، يمكن القول إن جميع الأطراف، رغم الخطاب السياسي حول التهدئة، تتحرك فعليا في اتجاه الاستعداد لمواجهة جديدة، وهو ما يجعل المنطقة في حالة ترقب دائم لانفجار محتمل.
إلى أين تتجه الأمور؟ … سيناريوهات المرحلة القادمة
في ظل هذا المشهد المعقد، تبدو المنطقة أمام عدة سيناريوهات محتملة، يتراوح كل منها بين التهدئة المؤقتة والانفجار الشامل. السيناريو الأول يتمثل في استمرار حالة اللا حرب واللا سلم، حيث تبقى الهدنة قائمة شكليا، بينما تستمر الأطراف في إعادة التسلح والاستعداد، مع وقوع مناوشات محدودة أو عمليات غير مباشرة.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في اندلاع مواجهة محدودة، قد تبدأ بضربة استباقية من أحد الأطراف، سواء ضد منشآت عسكرية أو أهداف استراتيجية، ثم تتطور إلى تبادل ضربات محسوب دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

السيناريو الثالث، وهو الأخطر، يتمثل في اندلاع حرب واسعة النطاق، خاصة إذا قررت الولايات المتحدة أو إسرائيل توجيه ضربة كبيرة للقدرات النووية أو الصاروخية الإيرانية، أو إذا أقدمت طهران على إغلاق مضيق هرمز أو تنفيذ هجوم واسع النطاق. في هذه الحالة، قد تمتد الحرب إلى عدة جبهات في المنطقة، مع تداعيات اقتصادية وأمنية عالمية.
كما أن العامل الدولي، وخاصة موقف الصين وروسيا، قد يلعب دورا حاسما في تحديد مسار الأحداث، سواء عبر الضغط نحو التهدئة أو عبر دعم أحد الأطراف بشكل غير مباشر.
في النهاية، يمكن القول إن المنطقة تقف على حافة مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع الاعتبارات السياسية، ويظل القرار النهائي مرهونا بتقديرات اللحظة لدى صناع القرار في واشنطن وتل أبيب وطهران. لكن المؤكد أن ما بعد الهدنة لن يكون كما قبلها، وأن كل الأطراف تستعد بالفعل لسيناريو قد يكون أكثر تعقيدا وخطورة من أي وقت مضى.

