تحولات سوق البنزين في إيران: خطوة هادئة نحو تفكيك منظومة الدعم في إيران

كتب: الترجمان

بعد أشهر من التسريبات والتكهنات حول نية الحكومة الإيرانية تعديل سياسات تسعير البنزين، خرجت طهران أخيرا بمصادقة رسمية تكشف بنية جديدة لمنظومة الأسعار، وتتضمن إدخال سعر ثالث للبنزين، وإعادة تنظيم منظومة البطاقات الذكية، وحذف الدعم عن شرائح واسعة من المركبات. 

ويأتي هذا التطور في وقت تواجه فيه البلاد ضغطا متزايدا على فاتورة واردات البنزين، وتناميا في الاستهلاك الداخلي، رغم خطط الترشيد التي رافقت أزمة 2019 وعودة نظام الحصص.

التغير الجديد يمثل تحولا هيكليا يرسم حدودا فاصلة بين المستفيدين من الدعم، ومن يتم إخراجهم منه تدريجيا. إذ جمعت الحكومة في قرارها الأخير بين ثلاثة أهداف رئيسية وهي تقليص استهلاك الوقود المدعوم، ودفع المواطنين إلى استخدام البطاقة الشخصية حصرا، وضمان استقرار سياسي وأمني عبر تجنّب رفع الأسعار الرسمية (15000–30000 ريال).

ومع خروج القرار إلى العلن، بدأ الإيرانيون يُعيدون حساباتهم بشأن تكلفة النقل، وجدوى الاحتفاظ بأكثر من سيارة، وحدود تأثير القرار على مختلف شرائح المجتمع.

Image

ملامح القرار الجديد: تثبيت سعرين وإدخال ثالث

وفق المصادقة التي أقرّتها الحكومة، تم تثبيت سعرَي البنزين السابقين—15000 ريال للسعر الأول، و30000 ريال للسعر الثاني—مع إدخال سعر ثالث بواقع 50000 ريال للوقود الذي يُضخ عبر بطاقة الطوارئ داخل محطات الوقود.

وجاء في المصادقة أن السعر الثالث يعادل 10% من تكلفة شراء البنزين من المصافي، وهو ما يمنح الحكومة هامشا للتحرك لاحقاً عبر ربطه بالتغيرات الفصلية في الأسعار العالمية، وفق آلية “التسعير الدوري”.

ورغم أن الحكومة تؤكد أن السعر الرسمي لم يتغير، إلا أن إدخال سعر ثالث يمثل عملياً خطوة أولى نحو هيكلة تدريجية للدعم، بحيث يُستهلك الوقود المدعوم فقط عبر البطاقة الشخصية، بينما يُعامل أي استهلاك إضافي بسعر شبه حر.

Image

من يستفيد ومن يُستبعد؟

أحد أبرز جوانب القرار هو توسيع فئة المستبعدين من الدعم عبر حذف حصص السعرين الأول والثاني من الفئات التالية وهي السيارات ذات اللوحات الحكومية (باستثناء سيارات الإسعاف)، وسيارات المناطق الحرة، والسيارات المستوردة، والسيارات الجديدة المصنعة محليا.

واعتبارا 6 ديسمبر/كانون الأول 2025، ستتلقى هذه الفئات حصتها الشهرية بالسعر الثالث فقط، ما يعني عمليا خروجها من منظومة الدعم التقليدي.

وتُظهر هذه الخطوة محاولة واضحة لحصر الدعم في فئة أضيق من مالكي السيارات، والحد من تكرار امتلاك أكثر من مركبة، إذ ينصّ القرار على أن الأشخاص الذين يملكون أكثر من سيارة سيحصلون على الدعم لسيارة واحدة فقط، بينما تُعامل المركبات الأخرى بسعر 50000 ريال.

وتكلف وزارة النفط بإطلاق نظام إلكتروني يسمح للمالك باختيار “السيارة المدعومة” خلال مهلة شهر واحد، وبعدها تحدد الوزارة السيارة بشكل تلقائي.

Image

ثلاثة أهداف اقتصادية… ومخاوف اجتماعية

تهدف الحكومة من خلال هذه القرارات إلى خفض الواردات، فإيران تواجه إيران خلال الأعوام الأخيرة ضغوطا مالية بسبب زيادة واردات البنزين، رغم امتلاكها طاقات تكرير كبيرة. ما يدفع الحكومة إلى تقليص الاستهلاك المحلي، وتشجيع التحول نحو البدائل، وعلى رأسها الغاز الطبيعي المضغوط CNG.
ولذلك تنصّ المادة الخامسة من المصادقة على خفض حصة البنزين بالسعر الثاني (30000 ريال) للسيارات ثنائية الوقود إلى النصف، إلى جانب خطة واسعة لتحويل السيارات للعمل بالغاز.

كما تهدف أيضا إلى منع الاتجار بالوقود المدعوم، فالاستهلاك عبر بطاقة الطوارئ كان بابا لفجوة رقابية، إذ استُخدم لتجاوز سقوف الحصص، لذا سعت الحكومة إلى جعل استخدامه أعلى ثمناً مقارنة بالبطاقة الشخصية، لردع هذه الممارسات.

إضافة إلى ذلك هناك اتجاه لضبط الاستهلاك الداخلي، فتسوّق الحكومة قرارها على أنه ليس “رفع أسعار”، بل “تنظيم استهلاك”، لكن الأثر النهائي يكشف أن العائلات التي تعتمد على أكثر من سيارة أو المركبات الجديدة ستتحمل عبئاً مالياً أكبر، وهو ما يفسّر النقاشات الواسعة التي رافقت نشر القرار.

Image

البعد الاجتماعي: بين القبول الحذر والقلق المتصاعد

على الرغم من إبقاء السعرين الأول والثاني دون تغيير، إلا أن إدخال السعر الثالث أثار أسئلة اجتماعية واسعة منها، هل يُعد هذا بداية لتحرير كامل لأسعار الوقود؟ وهل يرتفع السعر الثالث تدريجيا حتى يعادل الأسعار العالمية؟ وكيف ينعكس حذف الدعم على أصحاب السيارات الجديدة والشباب؟ وهل يؤدي القرار إلى زيادة تكاليف النقل والخدمات؟

وتدرك الحكومة حساسية ملف البنزين في إيران، لا سيما بعد احتجاجات 2019 التي اندلعت إثر رفع سعر البنزين المدعوم. لذلك فضّلت سياسة “التغيير التدريجي”، عبر تثبيت الأسعار الرسمية، وإعادة صياغة شبكة الدعم من الداخل دون المساس بالسعر المعلن.

البعد السياسي والأمني

المصادقة تمنح الحكومة هامشا واسعا لتعديل آليات التسعير والحصص “وفق الملاحظات السياسية والأمنية”، ما يعني أن ملف البنزين أصبح جزءاً من منظومة الأمن الاقتصادي.
وتشير بنود المصادقة إلى حرص الحكومة على تجنّب صدمة سعرية مفاجئة، وإدارة التصورات العامة، واستخدام سعر البطاقة الطارئة كأداة ضبط تدريجي

وهو نهج يعكس تجربة 2019 وحرص السلطات على عدم تكرارها.

Image

تكشف المصادقة الجديدة عن مسار واضح في سياسات الوقود الإيرانية: الانتقال من الدعم الواسع إلى الدعم الانتقائي، عبر تثبيت السعرين القديمين شكليا، وإدخال سعر ثالث يُستخدم كأداة لامتصاص الاستهلاك الزائد ودفع المواطنين نحو الالتزام بالبطاقة الذكية.

إيران لا ترفع أسعار البنزين مباشرة، لكنها تُعيد تصميم شبكة الدعم بطريقة تجعل التوسع في الاستهلاك مكلفا، بينما تمنح نفسها القدرة على مواءمة الأسعار مع الظروف الاقتصادية والسياسية. وفي الوقت نفسه، تسعى إلى تعزيز استخدام البدائل مثل CNG، وتقليل الاعتماد على الواردات، وتضييق الفجوات الرقابية.

ومع أن الهدف المعلن هو “ترشيد الاستهلاك”، إلا أن التطبيق سيحمل آثارا اجتماعية متفاوتة، خصوصا على مالكي السيارات الجديدة، والمركبات متعددة الملكية، والمناطق الحرة.

وفي المحصلة، لا يمثل السعر الثالث نهاية الطريق، بل خطوة أولى نحو مرحلة جديدة من إدارة سوق الطاقة في إيران، حيث تتقاطع السياسة مع الاقتصاد، ويتحول البنزين مرة أخرى إلى أحد أكثر ملفات الداخل الإيراني حساسية وتأثيرا.