قرار البنزين الجديد يشعل الجدل… بين دواعي الإصلاح والخوف من التداعيات

أشعل قرار الحكومة الأخير بشأن تعديل سياسة البنزين موجة جديدة من الجدل في الأوساط الاقتصادية والشعبية، في وقت تحاول فيه الدولة معالجة اختلالات متراكمة في منظومة الطاقة وتمويلها، وبينما يراه البعض خطوة ضرورية للحد من الهدر وتقليل الضغوط على الموازنة، يحذر آخرون من تبعاته الاجتماعية والاقتصادية وما قد يترتب عليه من صدمات معيشية، ليعود ملف البنزين إلى الواجهة باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية وتركيباً في الاقتصاد الإيراني.

فقد عقدت الحكومة الإيرانية اجتماعا موسعا، الأربعاء 26 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، برئاسة النائب الأول لرئيس الجمهورية، محمد رضا عارف، لبحث تفاصيل القرار الجديد المتعلق بتنظيم حصص البنزين وإدارة استهلاكه في البلاد، وقد شكل الاجتماع أولى الخطوات العملية لتنفيذ قرار حكومي واسع يستهدف إصلاح منظومة توزيع الطاقة وتقليل الضغط على المالية العامة، في ظل ارتفاع الاستهلاك وتزايد الحاجة إلى تقليص واردات البنزين.

وأكد عارف في مستهل الاجتماع أن حكومة الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، بدأت منذ الأيام الأولى لعملها بتنفيذ برامج الإصلاح الهيكلي وفق ما نصت عليه الخطة السابعة للتنمية، موضحا أن الهدف الأساسي من هذا المسار هو بناء جهاز حكومي فعال ومحدود بالحاجة ويتمتع بمرونة عالية وقدرة أكبر على إدارة الموارد، مشيرا إلى أن الحكومة ملتزمة بتنفيذ أي إصلاحات اقتصادية بشرط عدم الإضرار بمعيشة المواطنين، مع ضمان توفير آليات تعويضية مثل القسائم السلعية التي ستقدم عوائد القرار الجديد من خلالها.

Image

وخلال الاجتماع، تطرق عارف إلى تفاصيل القرار الجديد، موضحا أن الحصة الأساسية البالغة 160 لترا من البنزين بسعر 15000 و30000 ريال، كسور من الدولار، ستبقى دون تغيير، بينما سيباع الاستهلاك الإضافي بسعر 50000 ريال، كما بين أن هذا القرار يستهدف فئات محددة من السيارات، بما في ذلك السيارات الحكومية والفاخرة والمستوردة وسيارات المناطق الحرة والسيارات الجديدة المنتجة محليا، كما شدد على أن القرار لا علاقة له بخطة استيراد البنزين الممتاز التي يجري تنفيذها ضمن الخطة السابعة للتنمية وبمشاركة القطاع الخاص.

Image

وأشار عارف إلى أن إنتاج البنزين المحلي يبلغ حاليا 120 مليون لتر يوميا، في حين يصل الاستهلاك أحيانا إلى أكثر من 190 مليون لتر، ما يضطر الحكومة إلى استيراد نحو 60 مليون لتر يوميا، بتكلفة تبلغ 60 سنتا لكل لتر، قبل بيعه للمواطنين بأسعار مدعومة، معتبرا أن استمرار هذا الوضع غير ممكن لأنه يمس الثروة الوطنية، ومؤكدا في الوقت نفسه أن الحكومة ستتحرك بخطوات مدروسة، وبالتشاور مع الخبراء والمواطنين، لتطبيق الإصلاحات دون التسبب في ضغوط تضخمية.

هذا وقد أعلن عارف في ختام الاجتماع عن تشكيل لجنة تنفيذية تابعة لفريق العمل المكلف بمتابعة القرار، بحضور وزراء النفط والداخلية والاقتصاد، ورئيس منظمة التخطيط والميزانية، وعدد من كبار المسؤولين، وذلك بهدف متابعة التنفيذ ومراجعة القرارات عند الضرورة بما يضمن تحقيق العدالة في التوزيع واستدامة الموارد.

اعتراض برلماني على قرار الحكومة

على الجانب الأخر، فقد شهد البرلمان الإيراني الأربعاء 26 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، جلسة نارية بعدما تحول صحن المجلس إلى منبر لانتقادات حادة استهدفت سياسة الحكومة الجديدة بشأن تسعير البنزين، فقد عبر نواب من مختلف التيارات، وليس فقط من صفوف المعارضين، عن رفض واضح لقرار الثلاثة أسعار، معتبرين أن الحكومة تخطو خطوة غير محسوبة قد تزيد الأعباء المعيشية وتعمّق فجوة الثقة بينها وبين الشعب.

Image

في مقدمة المتحدثين، هاجم النائب جواد نيك‌ بین الادعاءات الحكومية حول رخص البنزين، مؤكدا أن المواطن يدفع عمليا ثمن السيارة بأضعاف قيمتها العالمية، وبالتالي فإن التحدث عن دعم الوقود مضلل وغير واقعي، كما اعتبر أن القرار لن يوقف التهريب ولن يقلل الواردات، بل سيولد موجة جديدة من التضخم تصيب الفئات الأضعف، مطالبا الرئيس بالالتزام بتعهده الانتخابي بعدم رفع الأسعار.

Image

بدوره، حذر علي شيرين ‌زاد من تكرار السياسات الاقتصادية التي أثبتت فشلها سابقا، في حين وجه جعفر بورکبجانی انتقادا مباشرا للحكومة، مؤكدا أن ممثلي الوزارات المعنية لم يقدموا أي تبرير مقنع لخطوة التسعير الجديد، داعيا البرلمان إلى إعادة الحكومة إلى مسار القانون.

Image

وشدد نواب آخرون، من بينهم جمال موسوي وعبد الحكيم آق‌ارکاکلي، على أن القرار يأتي في وقت لم تنجح فيه الدولة بعد في معالجة ملفات أساسية مثل ارتفاع تكاليف المعيشة أو ضعف البنية التحتية في مواجهة الأزمات، معتبرين أن زيادة أسعار البنزين لن تكون سوى عبء جديد على المواطنين، أما على بابايي ‌كارنامي، رئيس لجنة الشؤون الاجتماعية، فقد وصف القرار بأنه غير عادل، متسائلا” هل دخل الناس بالدولار حتى يحتسب البنزين بالدولار؟”،  فيما حذر سيد مرتضى محمودي من أن رفع السعر سيزيد الفوارق الطبقية ويثقل كاهل الفقراء.

Image
Image
Image

وفي ذروة الانتقادات، أكد النائب محمد رشيدي أن السياسة غير منطقية، متسائلا كيف يمكن للحكومة أن ترفع أسعار البنزين بينما تبيع للمواطنين سيارات مستهلكة وعالية الاستهلاك، وختم بالقول إن البرلمان سيقف في مواجهة هذه السياسة، داعيا الحكومة إلى التراجع قبل تفاقم الغضب الشعبي.

Image

موجة من التحليلات وردود الأفعال

هذا وقد أثار قرار الحكومة موجة واسعة من التحليلات وردود الأفعال في الأوساط الاقتصادية والإعلامية، فبينما ترى مجموعة من الخبراء أن الخطوة الحالية، رغم محدوديتها، تمثل بداية ضرورية في مسار طويل لإصلاح نظام الطاقة وتقليص الهدر والتهريب والاختلال في التوازن المالي، يحذر آخرون من أن القرار في صيغته الحالية يحمل تكاليف اجتماعية وسياسية أكبر من فوائده الاقتصادية، وقد لا يحقق الأهداف المعلنة في ترشيد الاستهلاك أو تقليص عجز الموازنة.

الآراء المؤيدة… من كسر الجمود إلى ضبط الاستهلاك

ففي معسكر المؤيدين، يبرز الدكتور بويا جبل عاملي الذي يرى أن ما أقدمت عليه الحكومة، وإن كان خطوة محافظة، يمثل في الظروف الراهنة تقدما ملموسا مقارنة بحالة الجمود التي استمرت منذ عام ۲۰۱۹، مشيرا إلى أن تثبيت سعر البنزين طوال ستة أعوام جعل الأسعار الحالية بعيدة تماما عن الواقع التضخمي في البلاد، ولذلك فإن أي تحريك، ولو محدودا، يعد خطوة صغيرة في الاتجاه الصحيح، كما يؤكد جبل عاملي أن الأفضل كان الجمع بين رفع تدريجي للأسعار وتقديم دعم مباشر أو ذكي للأسر، لكنه مع ذلك يعتبر هذه الخطوة الحالية أفضل من عدم فعل أي شيء، داعيا الحكومة في المراحل المقبلة إلى تقليص الحصص تدريجيا، وتسريع وتيرة التعديلات السعرية، وفي الوقت نفسه بدء تقشف حقيقي داخل أجهزة الدولة حتى لا يحمَل عبء الإصلاح على المواطنين وحدهم.

Image

أما الدكتور أمير حسين خالقي فيضع القرار ضمن إطار المرحلة الأولى من عملية إصلاحية أطول، فهو يعتبر أن الهدف المباشر للسياسة الجديدة ليس القضاء الكامل على تهريب الوقود أو الوصول إلى أسعار حرة، بل الحد من واردات البنزين وتقليص الضغط على الميزان الخارجي في الأجل القصير، ويعترف خالقي بأن القرار لا يحقق نموذج السوق الكامل بسبب استمرار احتكار الدولة لسلسلة الإنتاج والتوزيع، لكنه يراه مع ذلك خطوة انتقالية يمكن البناء عليها لاحقا إذا اقترنت ببرنامج واضح لخروج الحكومة التدريجي من التسيير المباشر لقطاع المشتقات وفتح المجال أمام المنافسة بين المصافي والمنتجين. ومن وجهة نظره، النجاح مرهون بمتابعة دقيقة لآثار القرار خلال عام أو عامين، وباستمرار الضغط من أجل إصلاحات أعمق في بنية الملكية وآلية اكتشاف الأسعار.

Image

الدكتور ولي‌ الله سيف، الرئيس الأسبق للبنك المركزي، يتبنى موقفا أكثر تأييدا ووضوحا، إذ يصف القرار بأنه بداية ضرورية لمسار التحرير التدريجي لأسعار حوامل الطاقة، بعد أربعة عقود من التسعير الإداري الذي خلق، بحسب تعبيره، بيئة مثالية للهدر والفساد والريع التوزيعي، ويذكر سيف بأن إبقاء أسعار الطاقة متدنية تحت شعار حماية المستهلك أدى عمليا إلى تشجيع الاستهلاك المفرط، وإضعاف الكفاءة الاقتصادية، وتكوين شبكات مصالح تستفيد من الفارق بين السعر المحلي والعالمي، ومن هذه الزاوية، يعتبر أي خطوة في اتجاه تقليص هذا الفارق جزءا من مشروع أكبر لتحسين إدارة الموارد الوطنية، بشرط أن تدمج في برنامج شامل، طويل الأمد، قائم على الدراسات الفنية، وترفق بأدوات تعويض موجهة للفئات الأشد تضرراً، حتى لا يتحول الإصلاح إلى صدمة اجتماعية.

Image

من جهة أخرى، يقدم الخبير النفطي فريدون أسعدي دعما واضحا لمبدأ إصلاح أسعار حوامل الطاقة، مع تحفظات على التفاصيل. فهو يذكر بأن إيران بلد يعاني من تضخم مزمن وصلت نسبه في بعض السنوات إلى 50 و60 بالمائة، في حين ظلت أسعار البنزين والكهرباء شبه ثابتة، ما يعني أن فجوة الأسعار مع بقية السلع اتسعت بشكل كبير. ومن هذا المنطلق، يرى أسعدي أن إصلاح أسعار الوقود أمر لا مفر منه، ليس فقط لمكافحة التهريب، بل لإعادة التوازن إلى هيكل الأسعار في الاقتصاد. ورغم انتقاده لنظام الثلاثة أسعار باعتباره نموذجا غير شائع عالميا، يؤكد أن الدخول في مسار التصحيح، حتى لو كان ناقصا، أفضل من الاستمرار في سياسة تجميد الأسعار مع تسليم سوق السيارات إلى منتجات مرتفعة الاستهلاك وسوق الطاقة إلى المهربين.

Image

خبراء يحذرون من غياب الجدوى الاقتصادية وتفاقم الأعباء الاجتماعية

في المقابل، يرفع عدد من الاقتصاديين الراية الحمراء أمام القرار، محذرين من أنه قد يجمع سيئات الإصلاح من دون أن يجلب فوائده المتوقعة، فالدكتور سجاد برخورداري يصف الزيادة الأخيرة، وخاصة السعر الثالث المطبق على الاستهلاك فوق الـ۱۰۰ لتر، بأنها تعديل محدود التأثير على التضخم، لكنه في الوقت نفسه ضعيف الجدوى من ناحية الإيرادات وترشيد الاستهلاك، فبحسب تقديره، الأثر المباشر على المستوى العام للأسعار قد لا يتجاوز نقطة أو نقطتين مئويتين، بينما لا تحقق الحكومة من هذا التعديل دخلا يعتد به، ولا يتوقع أن يتغير سلوك المستهلكين بشكل مستدام، والأسوأ في رأيه أن إلغاء دعم البنزين للمؤسسات الحكومية سيرفع نفقات الدولة نفسها، ما يعني أن الحصيلة النهائية قد تكون تكلفة صافية على الموازنة من دون عائد يوازيها.

Image

ويتخذ الدكتور تيمور رحماني موقفا نقديا من زاوية أخرى، إذ يركز على الأبعاد التضخمية والرفاهية لرفع السعر، ورغم إقراره بأن أي إصلاح سعري لا بد أن يولد صدمة مؤقتة في الأسعار، يحذر من أن اقتصار النقاش على التضخم يغفل جانبا أكثر خطورة يتعلق بمعيشة الفئات التي بنت أعمالها على سعر بنزين منخفض ومستقر، مثل سائقي النقل عبر التطبيقات والناقلات الصغيرة داخل المدن، ويؤكد رحماني أن هذه الشريحة لم يكن لها صوت في تحديد الأسعار، لكنها اليوم تتحمل العبء الأكبر، ما يهدد بزيادة البطالة وتراجع النشاط الاقتصادي في الأجل القصير، ويشدد على أن أي إيجابيات محتملة، مثل خفض عجز الموازنة واستقرار أسعار الفائدة، تظل مشروطة بأن تلتزم الحكومة بانضباط مالي حقيقي، وألا تتحول الإيرادات الجديدة إلى ذريعة لتوسيع الإنفاق، وهو شرط يشكك كثيرون في توفره.

Image

الدكتور فرشاد فاطمي يذهب أبعد في النقد، فيرى أن القرار جاء بعد تأخير طويل، ورغم ذلك صدر بصيغة مبهمة لا توضح بجلاء آلية عمل اللجنة المكلفة بتحديد الأسعار والحصص ولا جدول اجتماعاتها ولا حتى مستوى الزيادة الأولى، ويعتبر أن هذه الضبابية تخلق مناخا من عدم اليقين لدى المستهلكين الذين لا يعرفون كيف يخططون لاستهلاكهم ابتداء من منتصف نوفمبر/ تشرين الثاني، كما ينتقد فاطمي ضآلة الزيادة على السعر الحر، معتبرا أن فارقا بهذه المحدودية لا يصنع سعرا هامشيا حقيقيا يمكن أن يوجه السلوك أو يشجع على تداول الحصص الفائضة في سوق شفافة.

Image

ويصل النقد إلى ذروته في تحليل الدكتور عباس خندان الذي يصف القرار بأنه مصادقة على مشروع يدفع كلفا سياسية واجتماعية ملموسة، من دون أن يجلب منافع مالية أو تنظيمية جدية، فمن منظور الموازنة، يقدر خندان أن الفارق المحدود بين سعر الحصة الثانية وسعر بطاقة المحطة لا يمكن أن يولد إيرادات تتجاوز بضع عشرات من آلاف المليارات من الريالات سنويا، وهي أرقام ضئيلة قياسا بعجز الموازنة وبحجم الدعم الخفي، ومن زاوية ترشيد الاستهلاك، يتوقع أن يتحول جزء كبير من الطلب الذي كان يمر عبر بطاقة المحطة إلى الحصة الثانية الأرخص، ما يقلل من أثر السياسة على خفض الاستهلاك، كما يحذر من مخاطر تشكل سوق سوداء للحصص الفائضة، ويطرح تساؤلات صعبة حول عدالة حرمان السيارات الجديدة من الحصص مقابل استمرار استفادة السيارات القديمة المرقمة سابقا.

Image