- زاد إيران - المحرر
- 377 Views
لم يكن أحد يتوقع أن تحديثا تقنيا صغيرا في منصة إكس، توتير سابقا، كفيل بإشعال واحدة من أكبر القضايا السياسية في إيران خلال السنوات الأخيرة، فالتغيير الذي طرأ على المنصة، والذي يظهر بلد اتصال المستخدمين، وضع فجأة عشرات المسؤولين والنواب والشخصيات السياسية تحت الضوء، بعدما ظهر أنهم يستخدمون الإنترنت العالمي دون حجب، في وقت يخضع فيه المواطن العادي لقيود واسعة ويعيش تحت نظام رقابة رقمية صارمة.
وبين ليلة وضحاها، تحولت قضية الإنترنت الأبيض من مصطلح يتداوله الصحفيون في الكواليس إلى جدل قومي مفتوح، امتد إلى جلسات البرلمان، ودوائر الحكومة، وأروقة الإعلام، وصولا إلى الشارع الإيراني الذي رأى في هذه القضية تجسيدا ملموسا لفكرة التمييز الرقمي والطبقية التقنية داخل البلاد، وفي ظل هذا التفاعل الاجتماعي السياسي، عاد النقاش حول الحجب والرقابة والحقوق الرقمية ليحتل صدارة المشهد بعدما حاولت السلطات طويلا تجنب فتح هذا الملف الملتهب.
البرلمان يدخل على الخط… شرارة انفجار ملف الإنترنت الأبيض
بدأ كل شيء من الجلسة العلنية للبرلمان الإيراني، الثلاثاء 25 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، حيث وافق على مشروع التحقيق والفحص في أداء منظومات إدارة بوابات البيانات وما يرتبط بالتحكم في أدوات تجاوز الحجب، ورغم أن العنوان بدا تقنيا في ظاهره، فإنه حمل في مضمونه دلالات سياسية خطيرة، خصوصا أنه جاء في لحظة تزامنت مع فضيحة الإنترنت الأبيض التي تكشفت عبر منصة إكس، وقد بدا واضحا أن البرلمان يحاول احتواء حالة الغضب الشعبي المتصاعدة من خلال فتح هذا الملف رسميا، خصوصا بعد أن أظهرت الصور المتداولة أن عددا من أصحاب الصوت الأعلى في الدفاع عن الحجب كانوا في الواقع يستخدمون الانترنت بلا قيود حجب.



هذا وقد مثلت جلسة البرلمان نقطة تحول، إذ انتقل النقاش فجأة من الحديث عن تنظيم الفضاء الافتراضي إلى مساءلة من يفترض أنهم مسؤولون عن هذا التنظيم، فقد حاول البعض استباق العاصفة عبر الإشارة إلى ضرورة التحقيق في مافيا برامج كسر الحظر، ودورة الأموال الهائلة في سوق الـ VPN، التي قدرها بعض النواب إلى انها تصل إلى ملايين الدولارات، لكن هذا الطرح لم ينجح في صرف الأنظار عن القضية الأساسية، وهي وجود فئات مميزة تمتلك حق الوصول إلى الإنترنت الكامل دون قيود.
ومع انتشار الصور التي كشفت اتصال حسابات عدد من النواب والمسؤولين بمنصة إكس من داخل إيران دون استخدام VPN، وجدت المؤسسة التشريعية نفسها أمام امتحان صعب، فقد ظهر أن من بين هؤلاء شخصيات بارزة مثل مرتضى آقا طهراني، الذي طالما دعا إلى تشديد الرقابة على الفضاء الافتراضي، وحميد رسائي، الذي وصف تويتر سابقا بالمنطقة الحربية التي لا يجب للعامة دخولها، إضافة إلى أمير حسين ثابتي، الذي انتقد سابقا انتشار برامج كسر الحجب.
ولم تتوقف الصدمة عند هذا الحد، فقد كشف بعض المستخدمين صورا من داخل البرلمان ذاته تظهر رسائل من تطبيق تلجرام على هواتف بعض النواب، رغم أن التطبيق محجوب رسميا في إيران، هذا التناقض بين الخطاب والممارسة أثار موجة غضب عارمة، ليبدأ المواطنون في توجيه سؤال جوهري إلى السلطة، لماذا يحجب الإنترنت على الشعب بينما يتمتع المسؤولون بحرية رقمية كاملة؟ ولماذا يقال إن الحجب ضرورة أمنية، بينما يتبين أن كبار المسؤولين أنفسهم لا يلتزمون به؟
في خضم هذا الجدل، حاول بعض النواب التملص من الفضيحة، حيث اعتبر ثابتي أن ما ظهر عن بلد الاتصال في إكس كان نتيجة خطأ برمجي، لكن على الجهة الأخرى، فقد أوضح الخبراء أن الإنترنت غير المفلتر يظهر الموقع الحقيقي داخل إيران حتى عند استخدام VPN، أما رسائي فقد أعلن في تحول مفاجئ داخل البرلمان أن سياسة الحجب كانت ولا تزال سياسة خاطئة، معربا عن أمله في أن يقوم البرلمان، بتصويت حاسم، بمتابعة التحقيق والتفحص في أداء برامج كسر الحجب بشكل جاد، وتقديم تقرير منطقي ومنصف للشعب.

تزايد الضغط الشعبي كذلك دفع حكومة الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، إلى التفاعل مع القضية، حيث اعتبر مهدي طباطبائي، مساعد الرئيس لشئون الاتصالات، الحديث عن مجتمع أبيض وأسود هو لعبا في ملعب العدو، وكتب” من وجهة نظر الرئيس، كل الـ 90 مليون إيراني متساوون”.

من جهته، وعد علي أحمد دنيا، رئيس شئون الإعلام في الحكومة، بأن الحكومة ستجري مراجعة جادة لمسألة الخط الأبيض التي تعود جذورها إلى حكومات سابقة، لكن المفارقة أن حسابه نفسه أظهر أنه كان يستخدم الإنترنت الأبيض، ثم أوضح لاحقا أنه حصل عليه منذ عهد حكومة روحاني كمدير مؤسسة إعلامية، مطالبا بنشر قائمة من يملكون هذا الامتياز.

كما طالت الانتقادات فاطمة مهاجراني، المتحدثة باسم الحكومة، التي سبق أن قالت إن الحكومة لا تؤمن بالإنترنت الطبقي، وإنها تستخدم VPN مثل الناس، بينما أظهر الكشف أنها ضمن من يملكون إنترنت أبيض أيضا.

الإنترنت الأبيض… الامتياز الرقمي الذي انكشف أمام الجميع
يعد مصطلح الإنترنت الأبيض واحدا من أكثر المفاهيم إثارة للجدل في السنوات الأخيرة داخل إيران، حتى قبل أن يظهر للعلن، فقد بقيت هذه الخدمة لسنوات حكرا على بعض المسؤولين والصحفيين وشخصيات محددة، تمنح لهم عبر شرائح خاصة تعرف باسم خط الشريحة البيضاء، وتتيح لهم الوصول الكامل إلى الإنترنت العالمي دون أي حجب، لكن هذه الظاهرة لم تحظ بانتشار شعبي كبير إلا بعد التحديث الأخير لمنصة إكس، الذي كشف بلد اتصال المستخدمين بشكل علني، وجعل كل مستخدم مكشوفا أمام الجميع.

هذا وقد نشأ مصطلح الإنترنت الأبيض خلال احتجاجات نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، عندما قطعت الحكومة الإنترنت عن البلاد بالكامل، في حين استمرت بعض المؤسسات في استخدام الإنترنت العالمي دون انقطاع، ومع مرور الوقت، أصبح هذا المصطلح جزءا من الحديث الصحفي في دوائر ضيقة، لكنه لم يصل إلى وعي المجتمع العريض إلا بعد الفضيحة الأخيرة.
ردود الأفعال حول الواقعة
وتعليقا على ما حدث، قال محمد علي أبطحي، السياسي الإصلاحي، في حديثه لصحيفة اعتماد، الأربعاء 26 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، إنه يأمل أن تكون الشفافية التي ظهرت حول هذه الخطوط مفيدة للبلاد وأن تؤدي إلى رفع الحجب عن جميع الإيرانيين، مؤكدا أن على جميع الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين والجمهور العمل من أجل رفع الحجب عن كل الفئات، كما استعاد أبطحي ذكريات الحرب العراقية الإيرانية قائلا إن المسؤولين لم يدركوا خطورة الحرب إلا عندما وصلت طائرات القصف إلى أجواء طهران، مشبها الخطوط البيضاء بتلك اللحظة التي جعلت المسؤولين يعيدون التفكير.

وأوضح أبطحي أنه إذا أُغلقت الخطوط البيضاء التي يمتلكها المسؤولون، فإنهم سيشعرون بمعاناة الناس وسيعملون فورا على إنهاء الحجب، وأضاف أنه سبق أن نصح محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس، بإلغاء الخطوط البيضاء عن المسؤولين لمعرفة ما إذا كانوا سيواصلون دعم الحجب أم لا.
من جانبه، تناول حسين نوراني نجاد، نائب أمين عام حزب اتحاد الأمة، القضية من زاوية مختلفة، معتبرا أن أزمة الخط الأبيض كشفت عدة مساوئ، منها ما هو من السلطة التي أدت سياسة الحجب إلى زيادة انعدام الثقة فيه، وتقييد حق الوصول للمعلومات، وتقسيم المواطنين إلى درجات، ما أدى إلى اتساع الفجوة الاجتماعية، مؤكدا أن سياسة الحجب لم تجلب الأمن، بل خلقت فجوات وأشعلت سوق VPN، التي تمثل أحد مصادر عدم الاستقرار، وأوضح أن السبب وراء حماس الناس لوعود الرئيس بزشكيان برفع الحجب يعود إلى الأضرار الطويلة لهذه السياسة.

كذلك، فقد طالبت صديقه بَبران، أستاذة الاتصال، بتنفيذ وعد الرئيس برفع الحجب، مؤكدة أن جزءا مهما من حملته كان حول حرية التعبير لكل الإيرانيين، واعتبرت أن الإنترنت بات جزءا من حرية التعبير والعمل والاقتصاد، وقالت إن الناس يتوقعون من الحكومة أن تفي بوعودها، وألا تمارس التمييز عبر إعطاء الإنترنت غير المفلتر لفئات معينة، مضيفة أن رفع الحجب عن تطبيق الواتساب كان خطوة إيجابية، لكن الحجب مستمر بفعل هيئات موازية.

كما أشارت إلى أن التكنولوجيا الحديثة كشفت بوضوح تناقض بعض النواب الذين صمموا مشروع الصيانة لكنهم يستخدمون الإنترنت غير المفلتر، وحذرت من أن استمرار التمييز الرقمي يضر بالانسجام الاجتماعي، داعية كل الفاعلين إلى تعزيز خطاب رفع الحجب لتحقيق الحقوق المواطنيّة.
كذلك، فقد وصف محمد مهاجري، الناشط الإعلامي الأصولي، تصرف النواب بأنه نفاق، مطالبا بنشر القائمة الرسمية لأسماء الأشخاص الذين يمتلكون الخط الأبيض، كما كتب حشمت الله فلاحت بيشه، البرلماني السابق، عبر حسابه على منصة” إن عصر المعلومات هو نهاية زمن السياسيين الكاذبين وموت الأقنعة، وقد أظهرت منصة إكس أنه عندما تكون الحقيقة حاضرة، فإن قيمة كلمة واحدة تفوق آلاف الخطب”.


تكشف أزمة الإنترنت الأبيض حجم التناقض بين خطاب السلطة وممارساتها، وبين ما يفرض على المواطنين وما يتاح للمسؤولين، فمن خلال تحديث تقني بسيط، ظهرت إلى السطح طبقية رقمية كانت مخفية لسنوات، تتيح لفئة محدودة الوصول الكامل إلى الإنترنت العالمي دون حجب، في وقت يعيش فيه المواطن العادي خلف جدران من القيود الرقمية. وقد أدى ذلك إلى انكشاف سياسة الحجب باعتبارها سياسة غير عادلة، لم تحقق الأهداف الأمنية المعلنة، بل أنتجت سوقا ضخما لبرامج الحجب، وزادت من فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع.
لقد أكدت ردود الفعل الشعبية الواسعة أن المجتمع الإيراني لم يعد يقبل بالتمييز الرقمي، وأنه يرى في الإنترنت حقا عاما لا يجوز احتكاره، وما لم تتخذ الحكومة خطوات جادة لإنهاء الامتيازات التقنية والتخلص من ظاهرة الخط الأبيض، ستظل هذه الأزمة مفتوحة، وستبقى حجرًا في العلاقة المتوترة بين الدولة وشعبها، وجرحًا في ثقة الإيرانيين بسياسات بلادهم الرقمية.

