ترامب يلوّح بهجوم جديد على إيران… وملف الحرب الإيرانية الإسرائيلية يعود للواجهة

تشهد الساحة الدولية هذه الأيام تصاعدا لافتا في التوتر بين القوى الإقليمية والدولية، وسط مؤشرات مقلقة تنذر بإمكانية عودة شبح الحرب إلى قلب الشرق الأوسط. التصريحات الصدامية، والتهديدات المتبادلة، والتحركات العسكرية، جميعها تعكس حالة غليان سياسي وأمني تتجاوز الحدود الجغرافية التقليدية للنزاع.

في هذا السياق المتوتر، تبدو العلاقة بين إيران والولايات المتحدة من جهة، وبين إيران وإسرائيل من جهة أخرى، وكأنها على شفا مواجهة جديدة قد تكون أكثر ضراوة وتعقيدا من سابقاتها، فالحسابات الاستراتيجية، والتوازنات الدقيقة، والتداخل بين الأجندات النووية والأمنية والانتخابية، كلها تصب في مشهد إقليمي محفوف بالمخاطر، يحتاج إلى قراءة دقيقة لتطوراته المتسارعة.

تهديد ترامب… نبرة صدامية تعود من جديد

ففي تطور جديد للتصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب تهديدا صريحا بإعادة استهداف المنشآت النووية الإيرانية إذا ما اقتضت الحاجة، فخلال منشور نشره على منصته تروث سوشال، الثلاثاء 22 يوليو/ تموز 2025، قال ترامب إن تصريحات وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، حول الأضرار التي لحقت بالمنشآت النووية الإيرانية تؤكد ما كان قد أعلنه سابقا، مشيرا إلى أن هذه المنشآت قد تم تدميرها، وإذا لزم الأمر، سنفعلها مجددا.

هذا وتأتي تلك التصريحات ردا على التصريحات التي أطلقها عراقجي خلال لقاءه مع المذيع الأمريكي بريت باير على قناة فوكس نيوز الأمريكية، الإثنين 21 يوليو/ تموز 2025، الذي أوضح فيه أن عملية التخصيب النووي الإيراني متوقفة حاليا، نظرا لحجم الأضرار الكبيرة التي لحقت بالمنشآت النووية نتيجة الهجمات الأخيرة، وأشار إلى أن منظمة الطاقة الذرية الإيرانية لا تزال تجري تقييمات دقيقة لحجم الخسائر، وأنها ستبلغ الوكالة الدولية للطاقة الذرية في المستقبل القريب بالتطورات.

كذلك فقد صرح عراقجي خلال اللقاء أن إيران منفتحة على الحوار، لكنها لا ترى حاليا جدوى في إجراء مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، إلا أنه أبدى استعداده للتفاعل إذا ما جاءت واشنطن بعرض يرضي جميع الأطراف، وأكد على استعداد إيران للقيام بأي خطوة لبناء الثقة وإثبات سلمية برنامجها النووي، شريطة رفع العقوبات.

كما رفض وزير الخارجية الإيراني اقتراح استيراد اليورانيوم المخصب كما تفعل بعض الدول الأخرى، مؤكدا أن التخصيب إنجاز علمي لا يمكن التخلي عنه، مضيفا أن إيران تخصب اليورانيوم حتى 20٪ لتزويد مفاعل طهران البحثي، وكانت قد وصلت إلى 60٪ فقط كرد فعل على أعمال تخريبية.

في رده على تهديدات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، الذي قال إنه لن يتردد في شن هجمات إذا أعادت إيران بناء برنامجها النووي، قال “رسالتي للولايات المتحدة أن نتوصل إلى حل تفاوضي، لقد نجحنا في 2015 بالتوصل إلى اتفاق بعد مفاوضات دامت سنتين ونصف، ويمكننا التوصل لاتفاق أفضل إذا توفرت الإرادة السياسية”.

وقف إطلاق نار هش واستعداد للجولة الثانية

لم يكن وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ بين إيران وإسرائيل في 25 يونيو/ حزيران الماضي من القوة لكي يأمن كلا الجانبين لعدم انطلاق الحرب مرة أخرى، فيذكر تقرير نشرته صحيفة شرق الإيرانية الثلاثاء 22 يوليو/ تموز 2025، أن الصحف ووسائل الإعلام الإسرائيلية تتحدث بشكل متزايد عن ضرورة تنفيذ إسرائيل ضربة استباقية ضد إيران. وبحسب هذه التقارير، فإن جميع الإسرائيليين يعتقدون أن إيران “تتوق للانتقام” وهي في حالة تأهّب قصوى، ما يزيد من احتمالية نشوب مواجهة جديدة.

وكانت وسائل إعلام إسرائيلية قد أفادت نقلا عن وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق، أفيجدور ليبرمان، بضرورة الضربة الاستباقية، حيث صرح “تخيلوا أن 26 صاروخا إيرانيا فقط أوقعوا كل هذا الدمار في إسرائيل، فماذا لو كانوا 260 صاروخا؟”، وأضاف في تصريح للقناة 12 الإسرائيلية “الانتقام هو كل ما يشغل إيران الآن، وهو أمر مقلق أكثر حتى من طموحاتها النووية. إنهم يخططون لحرب انتقامية شاملة”.

من جهتها، فإن إيران تعمل على إعادة تعبئة قوتها استعداد لجولة أخرى من الحرب مع إسرائيل، وفي هذا الاطار أكد الأميرال محمود موسوي، مساعد عمليات الجيش الإيراني، خلال تصريحات له في 20 يوليو/ تموز 2025  أن بلاده أعادت سريعا بناء منظومات الدفاع الجوي التي تضررت خلال الهجمات الإسرائيلية، وقال موسوي إن القوات المسلحة، وخصوصا الدفاع الجوي، تصدت لعدوان واسع بدأ بضرب منظومات الرادار والدفاعات الجوية، لكن رغم الأضرار، جرى استبدال المنظومات المتضررة بسرعة ونشرها في مواقع استراتيجية مسبقة التخطيط، مما مكّن إيران من تأمين أجوائها بالكامل.

هل تندلع الحرب مرة أخرى؟

تبقى الإجابة على سؤال استئناف الحرب ليست سهلة، لكنها بالتأكيد لا يمكن أن تكون نافية، فالوضع الحالي يعكس حالة من اللاحرب اللاسلم بين الطرفين، حيث يواصل كل طرف الاستعداد والتأهب، دون المبادرة إلى إشعال فتيل المواجهة الشاملة. ومع ذلك، هناك عدد من المؤشرات التي قد تجعل من احتمال الحرب أقرب من أي وقت مضى.

فقد توقع تقرير نشره موقع خبر فوري الثلاثاء 22 يوليو/ تموز 2025، فإن احتمالية اندلاع حرب جديدة بين إيران وإسرائيل تبقى قائمة، وإن كانت محاطة بتعقيدات إقليمية ودولية تجعل من اندلاع مواجهة شاملة خيارا محفوفا بالمخاطر، فالشرق الأوسط بعد الحرب الأخيرة دخل في مرحلة من الهشاشة السياسية والأمنية، حيث لم تحسم التوترات، بل انتقلت إلى حالة ترقّب مشوبة بالحذر، تهيمن عليها التهديدات المتبادلة والضغوط الدولية.

أيضا، فيرى المحللين أن أحد أبرز المؤشرات على احتمال تجدد الصراع هو استمرار أوروبا والولايات المتحدة في ممارسة أقصى درجات الضغط على إيران، عبر التهديد بتفعيل آلية سناب باك وتشديد العقوبات، بينما تؤكد طهران أنها لن تتنازل عن حقها في تخصيب اليورانيوم وتستعرض في الوقت ذاته قوتها العسكرية، المعادلة التي تنذر بعودة التوتر إلى مستويات خطيرة، خاصة في ظل هشاشة الهدنة الحالية وعدم وجود اتفاق أمني شامل يضبط إيقاع المواجهة بين الطرفين.

كذلك، فإن السيناريوهات المطروحة من قبل الباحثين ومراكز الدراسات تتنوع بين الهدنة المؤقتة، والمواجهة المحدودة، والتصعيد الإقليمي الشامل، وكل منها ينطوي على عوامل مقلقة، فالباحث تورج أتابكي يشير إلى أن الغرب يسعى لتفادي الحرب المباشرة، لكنه لا يستبعد موجة ثانية من التصعيد إذا ما أخفقت الضغوط السياسية والاقتصادية في احتواء إيران.

 وفي المقابل، تشير تقارير مثل تلك صادرة عن مؤسسات إعلامية ضخمة إلى أن إسرائيل باتت أكثر عزلة دوليا بعد الحرب الأخيرة، في حين حصدت إيران دعما سياسيا كبيرا من دول عديدة، وهو ما قد يشجع طهران على المضي في نهج أكثر جرأة في الرد والدفاع.

من جهة أخرى، تبقى إسرائيل حذرة في تحركاتها العسكرية، نظرا لتعقيدات تنفيذ أي هجوم بعيد المدى على المنشآت الإيرانية، وضرورة الحصول على دعم أميركي مباشر، فضلا عن الخشية من اتساع رقعة المواجهة لتشمل أطرافًا مثل حزب الله، أو فتح جبهات من اليمن والعراق. وفي حال تطور المواجهة إلى حرب إقليمية، فإن خطر انغلاق مضيق هرمز أو استهداف منشآت نفطية كبرى سيهدد الاقتصاد العالمي ويستدعي تدخلا دوليا واسعا.

في ظل هذه المعطيات، يمكن القول إن التصعيد الأخير بين إيران وإسرائيل والمدعوم بخطابات نارية من ترامب يعكس واقعا متأزما تتداخل فيه السياسة بالعقيدة، والعسكرة بالدبلوماسية، فالشرق الأوسط يعيش لحظة حرجة، حيث يمكن لأي شرارة أن تشعل حريقا واسع النطاق.

وإذا كانت تصريحات ترامب تعكس نزعة أمريكية لإظهار القوة، فإن تداعياتها الإقليمية قد تكون عميقة، خاصة إذا ما تم استغلالها من قبل أطراف تسعى إلى تغيير قواعد اللعبة في المنطقة، أو إلى خلق شرق أوسط جديد على حد التعبير السائد، وحتى إشعار آخر، ستبقى المنطقة في حالة ترقب، تنتظر الطلقة الأولى في الجولة الثانية.