برلماني إيراني سابق: إنشاء هيئة رقابية لمراقبة التصريحات الرسمية يحمي إيران من الأضرار القانونية

أجرت صحيفة هم‌ ميهن الإصلاحية، الاثنين 21 يوليو/تموز 2025، حوارا مع أستاذ القانون في جامعة العلامة طباطبائي وعضو البرلمان الإيراني السابق، علي تقي‌ زادة، حول ظاهرة التصريحات المثيرة للجدل التي تُكلّف إيران أثمانا سياسية، ومدى وجود آليات لمواجهتها، وفي ما يلي نص الحوار:

ما الدور الذي يمكن أن تلعبه التصريحات المتطرفة الرسمية في خدمة العدو، وما رأيكم في ما طرحه الخبيران القانونيان محقق‌ داماد ودرويش‌ زادة بهذا الشأن؟

إن النقطة التي أثارها محقق داماد ودرويش‌ زادة محل نقاش، فهي من جهة صحيحة، لكن من جهة أخرى يمكن ألا نتفق معها بالكامل، والمسألة التي يمكن تأييدها فيما ذُكر هي أننا لا يجب أن نتصرف بتهور أو نُعطي الذرائع لمن يبحث عنها، لكن في المقابل، نحن نعيش في عالم لا يُدار دائما وفق المبادئ والقوانين، ولا يمكن القول إن العالم يلتزم بالقواعد والأنظمة بحذافيرها. 

لذلك، سواء ارتكبنا هذه الهفوات أم لا، فإنهم (أي الخصوم) سيفعلون ما يريدون فعله على أي حال.

لكن هناك تساؤلات أساسية، فلماذا وصلت إيران إلى هذا الوضع مع العالم؟ يمكن طرح هذا السؤال بجدية، فطوال فترة ما بعد الثورة، اعتمدنا مواقف لم تكن قابلة للتنفيذ وفق أي خطة واقعية، ولم نعالج القضايا بنظرة عملية، والنتيجة التي نراها اليوم هي ثمرة ذلك.

أشرتم إلى أن هناك مسارا طويلا بدأ منذ بداية الثورة حتى اليوم، كيف كان هذا المسار؟ من أين بدأ؟ وأي تيار ساعد على استمراره؟

هناك مفارقة غريبة في هذا الموضوع، فالأطراف الخارجية تسعى إلى تحقيق أهداف معيّنة، وفي الداخل أيضا توجد تيارات – عن قصد أو غير قصد – تساعد من خلال سلوكياتها على تحقيق تلك الأهداف، وآمل أن تكون هذه المساعدة غير مقصودة، لكن في بعض الحالات تكون الأمور من الوضوح والبديهية بحيث يصعب تصديق أن التصرف لم يكن متعمدا؛ لا سيما في ظل ما نسمعه هذه الأيام عن قضايا الاختراق، حيث نجد العديد من الأمثلة.

على سبيل المثال، أود أن أشير إلى إحدى الخطوات التي اتخذها البرلمان الحالي مؤخرا في ظل هذه الأوضاع الراهنة، فلقد تم إقرار قانون يعلّق تعاملاتنا مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في توقيت غير مناسب، دون حساب تبعاته، ولم يكن من ورائه مكسب واضح، بل شكّل ذريعة للطرف الآخر، والأسوأ أن بعض التعابير المستخدمة أوحت وكأن إيران تنوي الخروج من معاهدة حظر الانتشار النووي (NPT)، ما يثير الشكوك ويمكن أن يُستخدم كدليل ضد إيران.

فداماد ودرويش‌ زادة أشارا أيضا إلى مثل هذه المسائل، ونحن نراها متكررة، وغالبا ما تصدر من تيار معين، ومع الأسف، ينضم أحيانا إليه أفراد من خارج هذا التيار.


إلى أي مدى تسهم التصريحات الداخلية، مثل تصريحات بعض نواب البرلمان، في تسليح العدو قانونيا عبر تقديم ذرائع تُفهم دوليا كدليل على سعي إيران لامتلاك السلاح النووي؟

يجب التمييز بين التصريحات الصادرة عن عامة الناس وتلك التي تصدر عن المسؤولين، فعندما يُدلي شخص لا يتحمّل أي مسؤولية رسمية برأيه، فالأمر مختلف، أما عندما يصدر تصريح عن مسؤول رسمي، سواء كان نائبا في البرلمان أو وزيرا أو حتى رئيس الجمهورية، فإن الوضع يتغيّر كليا، مع أن في إيران توجد آليات يمكن من خلالها منع هذه النوعية من التصريحات.

فمثلا، عندما يقع حدث معيّن وتُمنع الصحف من الإشارة إليه، يُوجَّه إليها التحذير بسرعة حتى قبل أن تنشر العنوان، أو إذا نُشر، يُتخذ إجراء فوري بحق تلك الوسيلة الإعلامية، لكن عندما يُدلي مسؤول رسمي بتصريح غير مسؤول، لا يتم التعامل معه بنفس الحزم، مع أن بالإمكان ضبط الطرفين، سواء كانوا مسؤولين أم لا.

 فلا يمكن قبول أن يصدر أي تصريح عن شخص بمكانة رفيعة دون تدقيق مسبق في تبعاته، وعلى المسؤول أن يُقيّم جميع أبعاد كلامه قبل أن ينطق به، لأن بعض هذه التصريحات تتنافى تماما مع المبادئ السياسية والقانونية، وقد تُستخدم كدليل ضدنا.

وبعيدا عن التصريحات الأخيرة، يمكن الإشارة إلى مثال قديم يعود إلى تصريحات الرئيس الإيراني الأسبق أحمدي نجاد في الجمعية العامة للأمم المتحدة، عندما أنكر الهولوكوست، وهو ما كلّف إيران كثيرا لسنوات طويلة، وأذكر أن أحد الأصدقاء كان قد سافر إلى الولايات المتحدة آنذاك، وقال إنه رأى طابورا طويلا فسأل عن السبب، فقيل له إنه طابور للدخول إلى متحف الهولوكوست.

 وأضاف أن المتحف لم يكن يحظى بأي اهتمام يُذكر، لكن منذ أن أدلى رئيسكم بتلك التصريحات، ازداد الإقبال عليه بشكل كبير، وللأسف، نظامنا أحيانا لا يمرّ عبر الباب الواسع، لكنه يمرّ من ثقب الإبرة! فبينما يتم استدعاء طالب جامعي لمجرد أنه كتب جملة سياسية، نجد في المقابل مسؤولا رفيعا يرتكب خطأ فادحا يُكلّف إيران كثيرا، ومع ذلك لا يُحاسب.

هل ترون أن سبب طبيعة هذه الأحداث والتكاليف التي تُلحق بإيران يعود إلى ضعف في البنية القانونية والتشريعية، أم إلى ضعف في تنفيذ القوانين؟

هذه معادلة متعددة الأطراف ولا يمكن اختزالها بسبب واحد فقط، وبصفتي شخصا قانونيا، أعتقد أننا لا نعاني من نقص في القوانين والأنظمة، بل إن الأسباب تكمن في جوانب أخرى، إحداها تتعلق بضعف التنفيذ، ويبدو لي أن المشكلة الأساسية هي غياب الإرادة الجادة لحل هذه القضايا، فالقوانين والأنظمة موجودة بما فيه الكفاية، وكلما وُجدت إرادة لاتخاذ إجراء معين، تم اتخاذه فعلا. 

لكن الظاهر أنه لا توجد إرادة حقيقية لمعالجة هذا الموضوع، كما أن أصحاب النفوذ أقوياء جدا، ويستطيعون تمرير أفكارهم وأقوالهم من خلال أشخاص آخرين وتحقيق أهدافهم بهذه الطريقة، وأنا أرى هذه المسألة بنظرة متشائمة؛ فالمشكلة ليست قانونية أو هيكلية، بل هناك شعور أحيانا بأن بعض الأشخاص يتمتعون بحصانة.


إذا كان الجميع متساوين أمام القانون كما ينص الدستور، فمن أين تأتي حصانة من يُسيئون دون محاسبة؟
إن ما ورد في الدستور هو التأكيد على المساواة أمام القانون، لكن الواقع يبيّن غير ذلك، فبحسب القوانين، من يُلحِق ضررا بغيره يجب أن يُحاسَب، لكن هناك من يُلحق الضرر بإيران دون أن يُسأل، بل يُكرَّم أحيانا، والسبب الرئيسي في ذلك هو غياب الالتزام بالقوانين.

فالقانون يجب أن يملك سلطة وهيبة، لكن في إيران لا يمتلكها، ففي عهد الإصلاحيين، كان الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي يؤكد على ضرورة احترام القانون، وعدم الالتزام بالقانون ليس مشكلة سياسية فقط، بل ثقافية أيضا، فعدم احترام القانون متجذر في ثقافتنا نحن الإيرانيين، وهو ليس خاصا بالمسؤولين فقط، وعندما لا يكون المجتمع نفسه ملتزما بالقانون، لن يكون حكامه كذلك أيضا.

على أي حال، ما حدث حتى الآن قد أدى إلى تكبيد إيران خسائر، وفي هذا المقال أُشير إلى أنه بدلا من تسليح العدو قانونيا، يجب العمل على نزع سلاحه القانوني، ما الذي يجب فعله لتحقيق ذلك؟

الإجابة على هذا السؤال صعبة، لكنني سأحاول تبسيطها قدر الإمكان، نقول إن الماضي قد مضى، ويجب أن نتعلم منه كي لا يتكرر في المستقبل، والحل الذي يتبادر إلى ذهني هو أن القضايا الحساسة التي تحدث في إيران والتي تؤثر على مكانتنا الدولية، لا ينبغي أن تكون شأنا عاما يحق للجميع الخوض فيه.

وعلى سبيل المثال، عندما تكون هناك قضية في مجال السياسة الخارجية، يجب أن يقتصر التصريح بشأنها على وزارة الخارجية فقط، أو في أوقات الأزمات، ينبغي أن يقرر المجلس الأعلى للأمن القومي أن شخصا معينا فقط هو من يحق له التصريح والتعبير عن موقف إيران، وليس أن يُدلي كل شخص من أي جهة كانت بتصريحات يتم اعتبارها على أنها تمثل إيران ككل. 

ويجب إنشاء هيئة تتولى مراقبة هذه الأمور، كي لا يُدلي أي مسؤول في أي مكان بما يخطر بباله، ويُحسب ذلك على أنه الموقف الرسمي للدولة، وإذا تم ضبط هذه الأمور، فقد نتمكن من تقليل مثل هذه الحالات، أما بخصوص ما إذا كان من الممكن منع هذه الأمور مسبقا أم لا، فأنا أعتقد أن ذلك ممكن.

ما رأيكم في التصريحات التي تُدلى من منابر إعلامية رسمية مثل هيئة الإذاعة والتلفزيون (صدا و سيما)، وما مدى تأثيرها في تشكيل صورة إيران دوليا؟
في هذا الموضوع، يجب التمييز بين هيئة الإذاعة والتلفزيون (صدا و سيما) وبقية وسائل الإعلام، فالهيئة تحتل مكانة خاصة في إيران وتُعتبر الوسيلة الرسمية للنظام، ومن الطبيعي أن تكون ردود الأفعال تجاه ما يُقال فيها أقوى من أي وسيلة إعلامية أخرى، نظرا لأنها تمثل إعلام الدولة. 

ولذلك، فإن الجهة التي أشرتُ إليها سابقا، والتي ينبغي أن تُنشأ لتقييم المنافع والأضرار الناتجة عن التصريحات، يجب أن تضع أيضا سياسات واضحة للهيئة، بحيث لا تستضيف أي شخص ليعبّر من خلال منبرها الرسمي عن مواقف قد تخلّف تبعات يصعب تداركها لاحقا.