خبراء إيرانيون: التصعيد الأوروبي ضد طهران يهدد بانهيار الاتفاق النووي وتفعيل آلية الزناد

أجرت صحيفة اعتماد الإصلاحية، يوم الاثنين 21 يوليو/تموز 2025، حوارا مع عدد من الخبراء في الشؤون الدولية، من بينهم الخبيران علي بيكدلي ومرتضى مكي، حول السيناريوهات المحتملة للتطورات المقبلة بين إيران والدول الغربية، في ظل التوترات الأخيرة والحراك الدبلوماسي المتجدد عقب الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأخيرة.

 إيران بحاجة إلى مبادرة عقلانية قبل تفاقم الأزمات

نقلت الصحيفة عن بيكدلي، قوله إن إيران، في ظل الشروط التي وضعتها للعودة إلى المسار الدبلوماسي ومع الحديث عن مستقبل المشاورات مع واشنطن، تواجه اليوم معضلة حقيقية تتمثل في حالة من التردد والجمود، في ظل مواجهة مع رباعي دولي تتعارض مصالحه معها، يضم الولايات المتحدة، وأوروبا، وإسرائيل، والوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وأوضح أنه “في ظل هذه الظروف، نحن بحاجة واضحة إلى اتخاذ قرار عقلاني واستراتيجي يضع المصلحة الوطنية في المقام الأول، لا السياسات المتوترة والمكلفة، ومن أجل خفض التوتر، يجب أن نكون الطرف المبادر، فالخطوة الأولى تتمثل في إعادة بناء الثقة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية”.

وأضاف أن “الشفافية يمكن أن تكون إحدى الأدوات الفعالة لخفض حدة التوتر والتمهيد للدخول في مفاوضات، وصرّح أن الدخول في المفاوضات يجب أن يتم بطريقة مدروسة، فالدبلوماسية وُجدت لحل الخلافات، ويبدو أنه ينبغي علينا فتح باب الحوار قبل أن تتفاقم الأزمات”.

وأشار إلى التصريحات الأخيرة لبعض أعضاء البرلمان بشأن تخصيب اليورانيوم بنسبة 90%، مؤكدا أن مثل هذه الطروحات تنطوي على مخاطر كبيرة وقد تدفع إيران نحو نماذج ككوريا الشمالية، مما يعمّق العزلة السياسية والاقتصادية لإيران.

ورأى أنه “في حال تفعيل آلية الزناد، فقد نشهد عودة العقوبات الشاملة، بل وربما خروج إيران من منظمات مثل بريكس وشنغهاي، لذلك، نحن بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى اعتماد العقلانية في السياسة الخارجية”.

وأفاد بأن التحولات الجيوسياسية في المنطقة فرضت علينا التزامات جديدة يجب التعامل معها بفهم واقعي، مؤكدا أن الاستمرار في السياسات السابقة سيكون على حساب المصلحة الوطنية لإيران، وأن من الضروري إدراك هذه التغيرات في جغرافيا الشرق الأوسط بشكل جيد.


لا مفر من التفاوض المباشر لكسر الطوق الدولي

أوردت الصحيفة تصريحا لبيكدلي حول تداعيات المزاعم الأمريكية بشأن حجم الأضرار المحتملة في حال شنت واشنطن هجوما على المنشآت النووية الإيرانية، حيث حذر قائلا: “علينا ألا نغفل أننا نعيش في ظل وضع قد تُشن فيه غارة إسرائيلية على إيران في أي لحظة، ولا ينبغي التقليل من خطورة هذا التهديد أو التعامل معه بخفة”.

 وبيَّن أن الانشغال المفرط بالتجاذبات الداخلية في الولايات المتحدة، وتسليط الضوء المستمر على هذا الاحتمال، إلى جانب التردد في اتخاذ القرار، لن يؤدي إلا إلى تصعيد الضغوط وربما تمهيد الطريق لهجمات لاحقة محتملة.

وشدّد على ضرورة التحرك بشكل استباقي وامتلاك زمام المبادرة دون انتظار ما ستقرره الأطراف الأخرى، مؤكدا أن انتظار القرارات الخارجية ورد الفعل بناء عليها يُعد نهجا خاطئا.

وأبرز أن “ما يجري اليوم في الولايات المتحدة يعود بشكل أساسي إلى خلافات داخلية بين الأحزاب، فالديمقراطيون صرّحوا بأن جميع التحركات العدائية الأمريكية تجاه إيران لم تنجح، ومن ثم لا ينبغي لنا أن ننخرط في هذه النزاعات الداخلية الأمريكية أو أن نبني سياستنا الخارجية على أساس الخلاف بين الديمقراطيين والجمهوريين”.

وجزم بأن “الأولوية يجب أن تكون لحماية المصالح الوطنية الإيرانية، مؤكدا أهمية أن تعيد إيران تعريف موقعها في الشرق الأوسط، فمصالحنا تقتضي أن نؤدي دورا فاعلا ومستقلا في اللعبة الجديدة في المنطقة، والحل المفتاحي، بحسب تعبيره، هو الدخول المباشر في مفاوضات مع أمريكا وأوروبا”.

ولفت إلى أن “تفعيل آلية الزناد بشكل متزامن قد يدفع إيران نحو جفاف اقتصادي عميق، في ظل وضع لن تكون فيه لا الصين ولا روسيا قادرتين على استخدام حقّ النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، وفي هذه الحالة، ستواجه إيران عمليا جبهة دولية موحدة، ومن هنا، فإن الدخول في مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة قد يمنع هذا الضغط من جهة، ويُعدّ في الوقت نفسه ردا استراتيجيا على تهديدات إسرائيل من جهة أخرى”.

وشدد في معرض تقييمه للقاءات الدفاعية الأخيرة بين مسؤولين من تل أبيب وواشنطن وتوقيع مذكرة سرية بشأن نقل الأسلحة، على أن “الدعم الأمريكي لإسرائيل يُعد قاعدة غير مكتوبة في السياسة الأمريكية، تحظى بإجماع بين الجمهوريين والديمقراطيين، مشيرا إلى أن دور جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل واضح ومؤثر للغاية”.

وأوضح أن “الهجمات الإسرائيلية الأخيرة، التي استمرت 12 يوما وبلغت كلفتها نحو عشرة مليارات دولار، تم تمويل جزء كبير منها من قبل هذه اللوبيات، بل حتى في عمليات شراء الأسلحة والمعدات العسكرية التي تمت مؤخرا بين مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين، فإن أغلب التكاليف لم تُغطّ مباشرة من ميزانية إسرائيل، بل تم تمويلها عبر اللوبيات اليهودية الأمريكية”.

أوروبا تسعى لحل دبلوماسي لتجنب كلفة التصعيد

أفادت الصحيفة بأن مكي لفت إلى أن العلاقات بين إيران وأوروبا شهدت تصعيدا غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة، ووصل التوتر إلى مستويات لم تُسجل منذ أربعة عقود، وبيّن أن الأوروبيين، قبل حرب أوكرانيا، كانوا يرون الملف النووي الإيراني قابلا للحل عبر الحوار، لكن تغيّر الأوضاع الدولية بعد الغزو الروسي لأوكرانيا أدّى إلى تبدّل النظرة الأوروبية لإيران، من مجرد قضية تفاوضية إلى تهديد أمني مرتبط بموقعها إلى جانب روسيا.

وأضاف أن “تعاظم الدور الإسرائيلي في السياسات الأمنية الأوروبية، خاصة في العامين الماضيين، زاد من عدائية أوروبا تجاه إيران، حتى إن بعض الدول الأوروبية دعمت علنا احتمال شن إسرائيل هجوما عسكريا على طهران، بينما تبنّت ألمانيا، التي كانت في السابق أكثر تفهّما لإيران، موقفا متشددا ووصفت الهجوم الإسرائيلي بالعمل القذر، ما يعكس تدهورا عميقا في الثقة والعلاقات بين الجانبين”.

وأوضح أن “الدول الأوروبية، في ظل التوترات الحالية، اتجهت لاستخدام آلية الزناد كوسيلة قصوى للضغط على إيران، ففي حين كانت تطالب سابقا برقابة دائمة على البرنامج النووي ضمن إطار الاتفاق النووي، أصبحت اليوم تتبنّى مطالب أكثر تشددا تشمل وقف تخصيب اليورانيوم وتقييد مدى الصواريخ الإيرانية، وهي مواقف تتماشى مع سياسات الولايات المتحدة وإسرائيل”.

ونوَّه إلى أن “أوروبا لم تعد وسيطا بين طهران وواشنطن، بل تحولت إلى طرف منحاز، ما أدّى إلى تعقيد الوضع بالنسبة لإيران، كما حذّر من أن تفعيل آلية الزناد يعني نهاية الاتفاق النووي بشكل رسمي، إذ سيؤدي إلى إعادة فرض عقوبات مجلس الأمن، لكنها هذه المرة ستكون ملزمة وذات شرعية دولية، بخلاف العقوبات الأميركية الأحادية”.

وأردف أن “تفعيل آلية الزناد سيضع إيران تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ما يعني اعتبارها تهديدا للسلم الدولي، ويمنح الدول الأخرى مبررا قانونيا لتفتيش أو احتجاز سفنها، وهو ما ستكون له تبعات خطيرة اقتصاديا وسياسيا وأمنيا”.

منع تفعيل آلية الزناد أولوية قصوى لإيران

ذكرت الصحيفة أن “مكي سلَّط الضوء على وجود نقاشات داخلية حول الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار النووي (NPT)، لكنه اعتبر أن تنفيذ هذا الخيار محفوف بصعوبات كبيرة وقد يؤدي إلى عزلة دولية شديدة، وتدهور العلاقات مع الغرب، وتصعيد عملية أمننة الملف النووي الإيراني”.

وأكد وجود اتفاق بين إيران والدول الأوروبية الثلاث على إجراء مشاورات لتمديد مهلة آلية الزناد، لافتا إلى أن الأوروبيين يدركون أيضا مخاطر التصعيد، خاصة في ظل تجاربهم السابقة مع أزمات الهجرة الناتجة عن اضطرابات الشرق الأوسط، والتي هزّت استقرارهم السياسي والأمني في السنوات الماضية.

وأبرز أن “المخاوف المتبادلة دفعت الطرفين، خلال آخر اتصال بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ووزراء خارجية الترويكا الأوروبية، لمنح فرصة جديدة للحوار بهدف منع تفعيل آلية الزناد وإنقاذ الاتفاق النووي، وأوضح أن اجتماعا مرتقبا الأسبوع المقبل بين الجانبين قد يُعدّ مؤشرا على توافق أولي”.

وتطرَّق أيضا إلى تصريحات بلينكن حول استعداد إيران لتخفيض نسبة التخصيب إلى أقل من 1%، معتبرا أن ذلك، إن صحّ، يعكس مرونة إيران وسعيها للحفاظ على التوازن بين متطلبات برنامجها النووي ومخاوف الأوروبيين، من خلال قبول قيود محدودة دون المساس بالمرتكزات الأساسية للبرنامج.

ورجَّح أن “مستقبل المفاوضات بين إيران وأوروبا يتوقف على استعداد الأوروبيين لقبول اتفاق جديد، خصوصا بعد الحرب الأخيرة وتطورات المنطقة، وإن فشل هذا المسار قد يدفع أوروبا نحو تشديد الضغوط وتفعيل آلية الزناد، ومع ذلك، يُعد الحوار مع أوروبا فرصة يجب استغلالها، ولو للتوصل إلى اتفاق مؤقت أو تمديد قرار مجلس الأمن 2231”.

ونوَّه إلى أن الدبلوماسية لا تزال وسيلة فعالة لمنع الحرب، رغم ما كشفته الحرب الأخيرة من أضرار، ورأى أن الأهم من طرح الاتفاق هو التوافق المتبادل بين الطرفين على حل عملي، حتى لو تطلب الأمر وقتا أطول.

وحذّر من خطورة المرحلة الراهنة، حيث يسعى الطرفان لتأجيل آلية الزناد وتخفيف التصعيد، في ظل أوضاع إقليمية غير مستقرة، خاصة في سوريا والعراق، كما يتوقع أن تدعم الولايات المتحدة أي اتفاق محتمل، انطلاقا من تجربتها في أوكرانيا التي أثبتت حاجتها للتنسيق مع أوروبا في إدارة الأزمات الكبرى.

واعتبر أن الحفاظ على دور الوساطة الأوروبي في الملف النووي الإيراني يزيد من فرص التوصل إلى اتفاق، خصوصا بعد فشل خمس جولات من المفاوضات غير المباشرة بين طهران وواشنطن وتزايد انعدام الثقة بعد الحرب الأخيرة، ويعتبر أن الحوار مع أوروبا يمثل فرصة داخل الأزمة، وقد يمهّد لاتفاق مؤقت رغم الأجواء المتوترة.

وصرَّح بأن الحرب الأخيرة أظهرت عزلة إيران الاستراتيجية، وأن دعم موسكو وبكين لطهران تحكمه مصالحهما الذاتية وليس التزاما مطلقا، فإذا فُعّلت آلية الزناد، فحتى هاتان الدولتان ستترددان في دعم إيران سياسيا أو اقتصاديا، نظرا لاعتمادهما على النظام الدولي القائم.

وفي الختام شدد مكي على ضرورة أن تركز إيران جهودها على منع تفعيل هذه الآلية، لأن المضي فيها سيُدخل إيران في دوامة من التوترات غير المسبوقة والتعقيدات السياسية والاقتصادية والأمنية.