- زاد إيران - المحرر
- 796 Views
شهدت الساحة السياسية الإيرانية خلال الفترة الأخيرة تصاعدا لافتا في الانتقادات الموجهة إلى التيار الأصولي، ولا سيما جناحه المتشدد، على خلفية خطابه وسلوكه تجاه الحكومة ورئيس الجمهورية، تصعيدا جاء من مستويات مختلفة داخل النظام، شمل أعلى هرم القيادة، إلى جانب شخصيات دينية وسياسية محسوبة على التيارات الثورية والإصلاحية، ما أضفى على هذه الانتقادات طابعا غير مسبوق من حيث المصدر والتوقيت.
الانتقادات الأخيرة لم تقتصر على مضمون السياسات أو الأداء التنفيذي، بل طالت أسلوب الخطاب، وحدود النقد السياسي، ومخاطر الانقسام الداخلي في ظل ظروف إقليمية ودولية معقدة. وقد أعادت هذه التطورات فتح نقاش واسع داخل الأوساط السياسية والإعلامية حول دور التيار الأصولي، ومسؤوليته عن المناخ السياسي الراهن، وحدود المعارضة داخل النظام.
تحذير من أعلى هرم السلطة… رفض الإهانة باسم النقد
ففي موقف لافت، وجه علي خامنئي، المرشد الأعلى الإيراني، خلال خطابه السبت 17 يناير/ كانون الثاني 2026 بمناسبة عيد بعثة الرسول (ص) حسب المذهب الشيعي، انتقادا صريحا لتوجيه الإهانات إلى الحكومة ورئيس الجمهورية، مسعود بزشكيان، مؤكدا أن هذا الأسلوب يتعارض مع متطلبات المرحلة الراهنة.

كذلك، فقد أكد المرشد الإيراني أن النقد يجب أن يكون قائما على المعرفة والاطلاع، محذرا من أن يتحول إلى تجريح أو إساءة شخصية، خصوصا في ظل ما وصفه بالظروف الحساسة التي تمر بها البلاد على المستويين الداخلي والخارجي، وشدد على أن مهاجمة رؤساء السلطات، سواء من داخل البرلمان أو خارجه، أمر غير مقبول ويجب تجنبه.
وأشار خامنئي إلى أن مسؤولي الدولة يعملون “في وسط الميدان، ويتحملون أعباء ثقيلة في إدارة شؤون البلاد”، معتبرا أن تحميلهم المسؤولية بأسلوب الإهانة يضر بالمصلحة العامة ولا يخدم الاستقرار السياسي، ودعا بشكل مباشر إلى الامتناع عن هذا السلوك، مؤكدا أنه ينهى ويمنع من يقومون به.

تحذير المرشد لم يكن معزولا عن سياق سابق، إذ سبق أن أكد في أكثر من مناسبة دعمه للحكومة الحالية، مشددا على أهمية الوحدة الوطنية والتنسيق بين مؤسسات الدولة، كما أشار في تصريحات سابقة إلى نشاط رئيس الجمهورية ومتابعته للملفات المختلفة، داعيا إلى تقدير الجهود المبذولة بدل تقويضها.
في هذا السياق، بدا واضحا، حسب خبراء، أن القيادة السياسية الإيرانية تميز بين النقد المشروع، الذي يعد جزءا من العملية السياسية، وبين السلوك الذي يهدف إلى إضعاف الحكومة أو التشكيك في شرعيتها عبر حملات منظمة أو خطاب حاد يتجاوز الأطر المقبولة.
ردود فعل داخل التيار
هذا وقد أثارت تلك التصريحات ردود فعل واسعة داخل التيار الأصولي نفسه عكست حالة تباين واضحة في المواقف إزاء سلوك الجناح المتشدد وخطابه التصعيدي تجاه الحكومة، فحسب تقرير موقع خبر أونلاين الإخباري، الخميس 22 يناير/ كانون الثاني 2026، ففي الوقت الذي التزم فيه بعض الفاعلين الأصوليين الصمت، أو اكتفوا بتصريحات عامة تؤكد ضرورة الالتزام بتوجيهات القيادة، عبرت أوساط محافظة تقليدية عن قلقها من تداعيات هذا الخطاب، معتبرة أن تجاوز حدود النقد السياسي إلى الإهانة والتجريح يتناقض مع دعوات المرشد المتكررة إلى الحفاظ على الوحدة الوطنية وتماسك الجبهة الداخلية.

كذلك، سلطت وسائل إعلام محسوبة على التيار الأصولي التقليدي، وفي مقدمتها وكالة تسنيم، الضوء على المخاطر السياسية والأمنية المترتبة على هذا النهج، معتبرة أن تصعيد المواجهة مع الحكومة، ولا سيما عبر التركيز المكثف على الاستجوابات البرلمانية وطرح صورة الحكومة بوصفها عاجزة عن إدارة شؤون البلاد، قد يؤدي إلى تعميق حالة الاستقطاب داخل المجتمع. ورأت هذه الوسائل أن استمرار هذا الخطاب يضعف الثقة العامة بالمؤسسات، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات داخلية وضغوطًا خارجية تتطلب قدرا أعلى من التنسيق والتماسك بين السلطات.

في هذا السياق، أشارت تحليلات أصولية إلى أن مواصلة الهجوم العلني على الحكومة، رغم التحذير الصريح من القيادة، قد يفهم على أنه تجاهل غير مباشر لتوجيهات المرشد، أو محاولة لإعادة تأويلها بما يخدم أجندات سياسية فئوية، واعتبرت هذه القراءات أن هذا السلوك يفتح نقاشا داخل القاعدة الأصولية نفسها حول حدود العمل السياسي المشروع، والفارق بين الرقابة البرلمانية البنّاءة والسلوك الذي قد يهدد الاستقرار السياسي والأمني.
صوت المؤسسة الدينية… مروي يدخل على خط الانتقاد
في تطور مواز، برزت تصريحات أحمد مروي، المشرف على العتبة الرضوية أكبر الأوقاف الشيعية، كأحد أبرز المواقف النقدية الصادرة من داخل المؤسسة الدينية تجاه التيار الأصولي ومجموعاته المتشددة، في تصريحات جاءت خلال لقاء جمعه بنشطاء اجتماعيين وثقافيين وسياسيين وإعلاميين في مدينة مشهد.

فقد أكد مروي في كلمته أن الاحتجاج حق مشروع للشعب، وهو حق معترف به ومؤكد عليه في النظام الإسلامي، مشددا على ضرورة توفير آليات واضحة ومنظمة لممارسة هذا الحق، وأوضح أن احترام الاحتجاج لا يتعارض مع الحفاظ على النظام، بل يندرج ضمن متطلبات الاستقرار السياسي والاجتماعي، وأشار إلى أن المرشد نفسه أكد مرارا على حق الناس في الاعتراض وضرورة سماع أصواتهم، معتبرا أن تجاهل هذا الحق أو تشويهه يسهم في تعميق الفجوة بين المجتمع ومؤسسات الدولة.
وفي حديثه عن الأحداث الأخيرة، شدد مروي على أن الاضطرابات التي شهدتها إيران مؤخرا لا يمكن اختزالها في مطالب معيشية فقط، معتبرا أن ما جرى كان أكثر تعقيدا، موضحا أن هذه التحركات لم تكن عفوية ولا نابعة من مشاركة جماهيرية واسعة، بل كانت منظمة ومخططا لها مسبقا، كما وبين مروي أن هذا النمط من التحركات تكرر على مدى عقود، مع اختلاف في الأساليب والأدوات، معتبرًا أن التعامل معها يتطلب وعيًا سياسيًا وأمنيًا دون الخلط بينها وبين الاحتجاجات المشروعة.
في جزء آخر من كلمته، ركز أحمد مروي على مسألة الانسجام داخل التيارات الثورية، معتبرا أن الاختلاف في وجهات النظر أمر طبيعي، لكنه يصبح خطرا عندما يتحول إلى صراع يهدد القواسم المشتركة، وأكد أن حفظ النظام والأمن القومي يجب أن يشكلا محور الوحدة بين مختلف التيارات، وأوضح أن التركيز على الأهداف الكبرى يقلل من حدة الخلافات الجزئية، داعيا إلى احترام الآراء المختلفة والتحلي بسعة الصدر، خصوصا عندما يكون الهدف هو حماية النظام الإسلامي.

في أكثر تصريحاته حساسية، قال مروي إن بعض التيارات المحسوبة على التيار الثوري قامت بسلوكيات وتفسيرات خاطئة أدت إلى إحزان قلب المرشد، مؤكدا أن توجيهات المرشد واضحة وصريحة ولا تحتاج إلى اجتهادات شخصية أو تأويلات خاصة، واستشهد بكلام الخميني، قائد الثورة، حول الخوف من الخلافات الداخلية، معتبرا أن التهديد الأكبر للنظام لا يأتي من الخارج، بل من الانقسامات الداخلية التي تضعف تماسك الجبهة الداخلية.
قراءة إصلاحية… رهامي ينتقد أداء الأصوليين
من زاوية سياسية مختلفة، قدم محسن رهامي، الناشط السياسي الإصلاحي، قراءة نقدية حادة لأداء التيار الأصولي، خصوصا داخل البرلمان، واعتبر أن بعض القوى تحاول حصر مشكلات البلاد في أسئلة سياسية، متجاهلة الأزمات الاقتصادية والمعيشية، وأشار رهامي إلى أن الأصوات الأعلى في البرلمان هي أصوات سياسية وليست اقتصادية، معتبرا أن هذا النهج يهدف إلى فصل مسؤولية التيار الأصولي عن نتائج السياسات السابقة، وتحميل الحكومة الحالية العبء الكامل للأزمات.

وأوضح رهامي أن التيار المتشدد، الذي كان له دور في صياغة السياسات خلال السنوات الماضية، يسعى اليوم إلى توجيه غضب الشارع نحو الحكومة، لإقناع الناس بأنه غير مسؤول عما آلت إليه الأوضاع، واعتبر أن كثيرا من المواقف البرلمانية تتسم بالطابع الانفعالي والإعلامي.
ورغم ذلك، أقر رهامي بأن الحكومة تتحمل مسؤولية بقدر ما تملك من صلاحيات، خصوصا في إدارة الموارد المالية والعملة الأجنبية، لكنه شدد على أن القيود المفروضة عليها لا تسمح بصنع المعجزات.
وتوقف رهامي عند ما وصفه بإهدار الفرص السياسية، مشيرا إلى فترات سابقة كان من الممكن خلالها معالجة كثير من المشكلات في ظل ظروف إقليمية ودولية أكثر ملاءمة، واعتبر أن عدم استثمار تلك الفرص أسهم في تعقيد الوضع الحالي.
كما انتقد تعدد المؤسسات التي وصفها بعديمة الجدوى، والتي تستنزف ميزانيات ضخمة دون مردود ملموس، داعيا البرلمان إلى اتخاذ قرارات عملية في موسم إعداد الموازنة وتوجيه الموارد نحو قطاعات أساسية مثل التعليم ورواتب الموظفين والبيئة، كما طالب بحصر إدارة موارد النفط بيد الحكومة ووقف تدخل الأجهزة الأخرى، معتبرا أن هذا التداخل يزيد من غياب الشفافية.
من البرلمان إلى الإعلام… وجوه التصعيد الأصولي في مواجهة الحكومة
منذ تولى بزشكيان رئاسة إيران في يوليو/ تموز 2024، وقد تصدر المشهد المعارض عدة أشخاص، أبرزهم حميد رسائي، البرلماني الذي واصل هجومه العلني على الحكومة ورئيسها عبر مداخلاته البرلمانية ومنشوراته على شبكات التواصل الاجتماعي، حتى بعد التحذير الصادر عن المرشد، كما برز اسم أبو الفضل أبو ترابي، نائب نجف آباد، الذي وجه انتقادات حادة لبزشكيان من على منبر البرلمان، مستخدما خطابا وصف بأنه تصعيدي.


إلى جانب ذلك، أثار أمير حسين ثابتي جدلا واسعا بتصريحاته التي طعنت في أسلوب إدارة الحكومة وربطته بتفسيرات دينية اعتُبرت مستفزة في خطابها، فيما سجل حضور مهدي كوجك زاده، نائب طهران، الذي وجّه اتهامات شخصية وإشارات مثيرة للجدل بحق رئيس الجمهورية، وهو ما فهم على نطاق واسع بوصفه خروجا عن إطار النقد السياسي المعتاد.

خارج البرلمان، أثارت تصريحات مهري طالبي دارستاني جدلا كبيرا بعد نشرها عبارات مسيئة بحق رئيس الجمهورية، ما أدى لاحقا إلى إقالتها من موقعها في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما لفت اسم رضا عاشري الانتباه عقب نشره محتوى أثار استنكارا واسعا وأحيل على إثره إلى الجهات القضائية.

