- زاد إيران - المحرر
- 626 Views
يُعد نظام تعدد أسعار الصرف من أبرز الظواهر المتجذّرة في الاقتصاد الإيراني، وهو نهج اتبعته الحكومات المتعاقبة منذ عقود بهدف تنظيم السوق ودعم معيشة المواطنين والسيطرة على التضخم، غير أن هذه السياسة، بحسب ما ذكره موقع «تجارت نيوز» الإيراني في تقرير له يوم الخميس 5 يونيو/حزيران 2025، لم تكن بمنأى عن آثار جانبية خطيرة، مثل تغذية الريع، وزيادة الفساد، وإضعاف الشفافية الاقتصادية.
ذكر الموقع أن نظام تعدد أسعار الصرف يُعد أحد الظواهر المزمنة في الاقتصاد الإيراني، وقد تم اتباعه في فترات مختلفة لأهداف مثل دعم المستهلك، وتنظيم السوق، والسيطرة على التضخم، غير أنه كان يصاحبه دائما نتائج مثل إيجاد فرص للربح غير المشروع، وزيادة الفساد، وإضعاف الشفافية الاقتصادية.
وأضاف أنَّه، رغم الجهود المبذولة لإصلاح هذا الهيكل، ومنها حذف سعر الصرف التفضيلي وإطلاق منصات التبادل، لا تزال هناك أسعار صرف متعددة نشطة في السوق، وقد أثرت تعقيدات هذا النظام على مسار استيراد وتوريد السلع الأساسية.
وفي ظل هذه الظروف، يؤكد بعض الخبراء الاقتصاديين على ضرورة إصلاح جذري للسياسة النقدية، ويعتبرون توحيد سعر الصرف شرطا مسبقا لتحقيق الشفافية والكفاءة وقابلية المنافسة في التجارة.
من أين بدأت سياسة نظام تعدد أسعار الصرف؟
وذكر «تجارت نيوز» أن نظام تعدد أسعار الصرف في إيران يُعد ظاهرة قديمة تعود جذورها إلى فترة ما بعد الثورة.
وخلال العقود الماضية، سعت الحكومات إلى إدارة السوق والتحكم في الاحتياجات الاستيرادية من خلال تحديد أسعار صرف مختلفة، غير أن هذه السياسة كانت دائما مصحوبة بنتائج متناقضة.
وتابع أنَّه في مطلع عام 2001، تم توحيد سعر الصرف واستقر السوق، إلا أن الحكومات عادت في السنوات التالية، ومع تصاعد العقوبات، إلى سياسة تعدد الأسعار، وكان أبرز تجليات ذلك تحديد سعر صرف 42000 ريال في عام2018.
وقد نُفذت هذه السياسة، ظاهريا، بهدف دعم معيشة الناس، لكنها عمليا أدّت إلى توسّع الريع وزيادة عدم الاستقرار في السوق.
كتب الموقع الإيراني «تجارت نيوز» أن حكومة إبراهيم رئيسي، وبعد تجارب مكلفة مع سياسة سعر الصرف التفضيلي، قررت إلغاء السعر البالغ 42000 ريال واستبداله بسعر 280500 ريال لاستيراد السلع الأساسية.
وقد نُفّذ هذا القرار في شهر مايو/أيار 2022 تحت عنوان “الجراحة الاقتصادية”، غير أن هيكلية تعدد الأسعار بقيت على حالها.
فأسعار صرف “نيما”، و”سَنا”، و”السوق التوافقية”، و”منصة مبادلة العملات والذهب”، لا تزال تعمل بشكل متوازٍ، ولكل منها تأثيره المنفصل على السوق.
وأضاف أن منصة مبادلة العملات والذهب، التي أُنشئت بهدف تنظيم المعاملات بالعملات الأجنبية، تشهد بعض أوجه عدم التنسيق، ولم تتمكن هذه المنصة من تحقيق هدفها المتمثل في تثبيت السوق.
سعر الصرف الموحّد
وذكر «تجارت نيوز» أن مرتضى كوهنورد، عضو لجنة إدارة الاستيراد في غرفة تجارة إيران، تحدث في مقابلة مع الموقع عن مزايا إلغاء تعدد أسعار الصرف في مجال استيراد السلع، خصوصا السلع الأساسية، وقال إن توحيد سعر الصرف يُعد الخيار الأمثل للاستيراد والتصدير بشكل عام.
ففي حال كان سعر الصرف موحدا، تكون الأمور واضحة بالنسبة للمستوردين والمصدرين، ولا تضطر الحكومة إلى التدخل الدائم في السوق، أو إلى تسعير السلع الأساسية، وما إلى ذلك.
وتابع أن تعدد أسعار الصرف يؤدي إلى ازدياد حجم البيروقراطية الإدارية، والنظام الرقابي، وآليات التحكم في الأسعار، كما أن الحكومة تخصص إعانات مالية من أجل استيراد السلع الأساسية.
منصة مبادلة العملات والذهب
ذكر الموقع الإيراني «تجارت نيوز» أن مرتضى كوهنورد، في إشارة إلى إطلاق منصة مبادلة العملات والذهب، قال إن الهدف من إنشاء هذه المنصة كان تقليص الفروقات بين أسعار الصرف المتعددة، لكن المنصة لم تتمكن من تقديم أداء جيد.

على الحكومة أن تدفع إعانات
وأضاف «تجارت نيوز» أن كوهنورد، في معرض حديثه عن استيراد السلع الأساسية باستخدام أسعار صرف متعددة، أوضح أن سعي الحكومة إلى استيراد السلع الأساسية بأسعار مناسبة يُعد أمرا طبيعيا، لكن في حال توحيد سعر الصرف، سيكون من الأسهل التحكم بالأسعار، كما يمكن للحكومة، من خلال تخصيص إعانات مالية لمستوردي السلع الأساسية، أن تتيح هذه السلع للمستهلكين بأسعار مناسبة أكثر.
وتابع أنَّه في ظل توحيد سعر الصرف، لن تكون هناك حاجة إلى رقابة موسعة أو ضوابط صارمة على استيراد السلع الأساسية أو فرض أسعار مُوجَّهة على مستوى البلاد.
وكتب «تجارت نيوز» أن عضو لجنة إدارة الاستيراد في غرفة تجارة إيران شرح تبعات تعدد أسعار الصرف، قائلا إن لهذه السياسة آثارا كبيرة على البلاد، من ذلك مثلا أنه لا يمكن ممارسة رقابة كاملة وشاملة، كما أن جزءا كبيرا من الجهاز الحكومي والسيادي ينخرط في هذه العملية، وفي النهاية لا تُحقق النتائج المرجوة.
تعدد أسعار الصرف
كتب الموقع الإيراني «تجارت نيوز» أن كوهنورد، في حديثه عن تأثير تعدد أسعار الصرف على أسعار السلع الأساسية في السوق، صرّح بأن كل تاجر يمكنه الاستفادة من هذه الامتيازات، سيكون قادرا على طرح السلع الأساسية بأسعار مناسبة في السوق؛ في حين أن بعض الأفراد يستغلون هذا التفاوت في الأسعار.
أما إذا حُرم تاجر ما لأي سبب من هذه الامتيازات واضطر إلى استيراد السلع باستخدام السعر الحرّ لتفادي إغلاق نشاطه، فقد يفقد القدرة على الاستمرار في العمل.

سعر الصرف لم يكن متعددا منذ البداية
وذكر «تجارت نيوز» أن عضو لجنة إدارة الاستيراد في غرفة تجارة إيران، ردّا على سؤال حول سبب عدم اتخاذ خطوات حتى الآن لتوحيد سعر الصرف، قال إن العملة لم تكن متعددة الأسعار منذ البداية حتى يُقال إن إجراء لم يُتخذ لحل هذه المشكلة؛ بل إن سعر الصرف في إيران كان موحّدا تقريبا.
فعلى سبيل المثال، في بداية عام 2018، كان سعر الدولار 52000 ريال، وكان الفرق بين سعره في السوق والصرافة والبنك المركزي لا يتجاوز 1000 ريال.
وأضاف أن الحكومة بدأت بالتحرك نحو التفريق بين أسعار العملات، ولهذا السبب، أُضيف سعر صرف 42000 ريال من أجل استيراد سلع مثل المواد الغذائية والأدوية وغيرها، وقد أدى هذا الوضع إلى نشوء نظام تعدد أسعار الصرف.
كم عدد أسعار الصرف الموجودة في السوق؟
وتابع «تجارت نيوز» أن كوهنورد، عضو لجنة إدارة الاستيراد في غرفة تجارة إيران، في حديثه عن أسعار الصرف الموجودة حاليا في السوق، أوضح أن هناك اليوم أنواعا متعددة من أسعار الصرف، مثل سعر “نيما”، و”سنا”، وسعر الصرف التفضيلي، والسعر الحرّ.
وإضافة إلى ذلك، هناك أسعار ضمنية تنعكس داخل أسعار السلع، فإذا قورنت أسعار السلع المعروضة في البورصة مع أسعارها في السوق العالمية، يمكن القول إن هناك أكثر من أربعة أسعار صرف في البلاد.
وأضاف أن هذه الأسعار لم تكن موجودة من البداية، ومن الأسباب التي أدت إلى نشوء هذه الأسعار يمكن الإشارة إلى محاولة السيطرة على الأسعار، وتوفير السلع الأساسية بأسعار أنسب، وغير ذلك؛ لكن هذا الأسلوب لم يؤدِّ إلى حلّ المشاكل، بل فاقمها.
يجب تحرير التجارة
كتب الموقع الإيراني «تجارت نيوز» أن كوهنورد، قدّم اقتراحا من أجل معالجة هذه المشكلات قال فيه: إن اقتراح القطاع الخاص هو تحرير التجارة، وترك آلية العرض والطلب تتحكم في أوضاع السوق.
ويجب الحيلولة دون أي شكل من أشكال الرقابة، أو فرض الأسعار التوجيهية، أو وضع القيود على التجارة، والتي تخرجها من حالتها الحرة.
نظام تعدد أسعار الصرف
وأضاف «تجارت نيوز» أن تجربة نظام تعدد أسعار الصرف في إيران تُظهر صورة من السياسات غير الشفافة والمليئة بالتناقضات، والتي بدلا من أن تخفف من التوترات الاقتصادية، أصبحت بحد ذاتها جزءا من الأزمة.
فقد بدأ اعتماد أسعار صرف مختلفة بهدف دعم المعيشة والسيطرة على الأسعار، لكن هذا التوجه فتح الباب أمام الريع والفساد وانعدام الثقة في بيئة الأعمال.
وتابع أن هذه السياسات خلقت مشكلات كبيرة سواء للسوق الداخلية أو للتجارة الخارجية، وفي مثل هذه الظروف، ينبغي أن تبدأ أي عملية إصلاح من المستوى البنيوي؛ إصلاح يولي الأولوية للشفافية والمنافسة وحرية التجارة، بدلا من تدخل الحكومة المتكرر.

