- زاد إيران - المحرر
- 899 Views
ابتعد سوق الإسكان في إيران عن نموذج الشراء التقليدي، وهو الآن على وشك دخول عصر رقمي قائم على الرموز والأسهم، ومن المتوقع أن يُتيح نظام “رمزية” الإسكان، الذي يعني تقسيم قيمة الوحدة إلى أسهم رقمية، للجيل الجديد شراء منزل.
على مدى عقود، اقتحمت الحكومات الإيرانية الميدان بلافتات براقة: “سكن لكل مواطن”، “كبح جماح الأسعار”، “طوفان من البناء”، وألقت بخططٍ ملونة كأحلام اليقظة… لكنها، في النهاية، تحطمت على صخور الواقع، تاركةً المسكن وحلم العمر لكل شاب سرابا يطارده الملايين بأعين دامعة.. لا فرق إن استحضرنا “مهر” الإسكاني، أو “الإسكان الوطني”، أو “الحركة الوطنية للإسكان” – تلك الأسماء التي لا تزال تُردد كأناشيد فاشلة في ذاكرة الشعب حتى في الأيام التي سبقت الثورة، انقلبت رأسًا على عقب، كأنها مسرحية هزلية انتهت بكارثة.
“الإسكان الرمزي”؛ وهي خطة تعمل، باعتبارها “نظام تمويل جديد” باستخدام منصة رقمية، على تمكين بناء وبيع المساكن بما يتماشى مع الظروف الاقتصادية الحالية، بموجب هذه الخطة، تُقسّم قيمة الوحدة السكنية إلى وحدات رقمية صغيرة (رموز)، يُمثّل كل رمز حصة رقمية من الوحدة السكنية، وتُعرّف قيمته بأنها منخفضة بما يكفي لتمكين أي شخص، مهما كانت قدرته المالية، من شراء رمز واحد أو أكثر وإتمام عملية الشراء بمرور الوقت.
ما الهدف؟
يهدف مشروع رمزية الإسكان إلى ربط الأسر الباحثة عن مسكن بطريقة تُمكّنها من تمويل مشاريع بناء جديدة، تُحوّل مشاريع البناء إلى رموز يُمكن بيعها لمُتقدمي طلبات السكن، وهو شكل من أشكال الشراء المسبق الرقمي منخفض القيمة لكل وحدة شراء مسبق، ويتيح للناس المشاركة، وفي هذا الصدد أكد حسين جوشقاني، مستشار وزير الاقتصاد، أن مشروع “رمز الإسكان” يُسهم في جلب مبالغ صغيرة من الأموال من القطاعات غير الإنتاجية (مثل الدولار والذهب والعملات المعدنية) إلى قطاع الإسكان الإنتاجي.
يُظهر هذا أنه كلما زاد ضغط تكاليف السكن على الأسر، زاد تأثيره السلبي على معدل زواج الشباب في زمنٍ يُقدَّر فيه المتر المربع بـ1.20 مليار ريال ويُصبح حلم الـ100 متر “كابوسًا ماليًا” بـ120 مليارا، تُطلّ علينا فكرةٌ تبدو كخيالٍ علمي: تقطيع الشقة إلى شرائح رقمية صغيرة، تشتريها بـ100 مليون فقط! لكن هذه ليست لعبة فيديو، إنها معاملات رمزية الإسكان – الخطة التي يهمس بها مستشارو وزير الاقتصاد، وتُنفَّذ بالفعل في نيويورك وبرلين، وتُقدَّم الآن كـ”الدواء المُر” لأزمة السكن الإيرانية.
جنون الأسعار
تخيّل أنك اشتريت شقة في 2023 بـ88 مليار ريال، اليوم؟ 120 مليارا.. هذا ليس تضخمًا عاديا، إنه انهيار للقدرة الشرائية أمام أعيننا، البنك المركزي توقف عن نشر الأرقام الرسمية منذ 18 شهرًا، لكن أرقام السوق لا تكذب:
- وسط طهران: 1,200 مليار للمتر.
- شمال طهران: 2.500 مليار للمتر (شقة 80 مترًا = 200 مليار!).
- الضواحي: حتى هناك، تجاوز الـ500 مليون ريال.
ولكن..
كيف يشتري شابٌ براتب 250 مليون ريال شهريًا شقة بـ120 مليارا؟
ما هو “ترميز العقار” بالضبط؟
نوقشت معاملات رمزية الإسكان لأول مرة في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، وحظيت الآن باهتمام متجدد من خلال خطابات مستشار وزير الاقتصاد، بدايةً، يجب أن تعلموا أن منصة معاملات رمزية الإسكان، كما يوحي اسمها، ستكون فضاءً رقميا، وهي تعني تقسيم قيمة الوحدة السكنية إلى وحدات رقمية صغيرة، ماذا يعني ذلك؟
يُمثل كل رمز حصة رقمية من القيمة الإجمالية للوحدة وبطبيعة الحال، تُحدد قيمة كل رمز بطريقة تتيح للمتقدمين الشراء بغض النظر عن قدرتهم المالية، لنفترض أننا نتعامل مع وحدة متر كذا وكذا بقيمة 100 مليارات ريال أي ما يوازي 2.38 مليون دولار.
بترميز هذا العقار إلى ألف رمز مختلف، على سبيل المثال، تتغير قيمة كل رمز إلى 100 مليون ريال (2,381 ألف دولار) ولم تكتسب معاملات رمزية العقارات شكلا جديا في إيران حتى الآن، إلا أنها تم تنفيذها بالفعل في دول مثل الولايات المتحدة وألمانيا وبعض الدول الأوروبية الأخرى.
بمثال بسيط: تخيّل شقة في “ونك” بقيمة 100 مليار ريال، بدلا من بيعها ككل، يتم تقطيعها إلى 1,000 رمز رقمي.
كل رمز = 100 مليون ريال.

النتيجة؟
أحمد يملك “جزءًا” من الشقة.
فاطمة تستثمر بما لديها.
الصندوق يضمن دخلًا ثابتًا.
المالك الأصلي يحصل على 10 مليارات فورًا لبناء مشروع جديد.
في دبي، مثلا أطلقت دائرة الأراضي عام 2023 إطارا لترميز عقارات مارينا، يتيح شراء 0.1% من شقة مع تصويت على التطوير وعوائد سريعة.
متى بدأت الفكرة؟
في أواخر التسعينات، برزت فكرة “ترميز الإسكان” لأول مرة كحلم تقني يشبه الخيال العلمي. اليوم، يعيد مستشار وزير الاقتصاد إحياء هذا الحلم القديم بكلمات تتردد في قاعات السلطة، وكأنها دعوة لثورة صامتة على أبواب المنازل، تخيّل منصة رقمية لا جدران لها، لكنها تحمل في طياتها بيوتًا بأكملها.. هنا، لا تشتري شقة كاملة أو تدفع مليارات دفعة واحدة؛ بل تشتري “قطعة من الحلم”، كل رمز هو شريحة صغيرة من قيمة العقار، كأنك تقطّع كعكة عملاقة إلى فتات يستطيع الجميع لمسه.
شقة فاخرة في طهران، قيمتها 100 مليار ريال، بضغطة زر، تتحول إلى ألف رمز متلألئ، فجأة، يصبح كل رمز بـ100 مليون فقط – مبلغ يمكن لموظف عادي، أو شاب يجمع مدخراته، أن يضعه في جيبه دون أن يبيع كليتيه.
في أمريكا وألمانيا، لم تعد هذه الفكرة مجرد تجربة؛ إنها واقع يسير على قدميه، أما في إيران، فلا تزال الرموز تنتظر لحظة الإقلاع، كطائرة على المدرج، محركاتها دافئة، والسماء مفتوحة.
أرباح تجارية
مقابل مساكن بتكلفة
في هذا النموذج الذكي، تُمنح شركات التطوير “سلة سحرية من فرص الأراضي”، تتيح لها جني الأرباح الوفيرة من بيع الاستخدامات التجارية والمكتبية، بينما تُقدم المساكن للمواطنين بتكلفة إنتاجها الفعلية، دون زيادات تجارية، وأوضح الخبير المصرفي محسن فاضليان أن دخل الأسر قد هبط بشكل دراماتيكي في الوقت الراهن، مما يجعل القروض العقارية تغطي نحو 15% فقط من قيمة الوحدة السكنية.
وأكد أن الفجوة الشاسعة بين معدل التوازن في سوق الائتمان (يصل إلى 40%) وأسعار الفائدة التي تطبقها البنوك (أقل من 25%) حوّلت كل القروض العقارية إلى صفقات خاسرة تمامًا للبنوك، أما المصرفي إسلامي بيدغولي، فقد وصف سوق الرهن العقاري في إيران بأنه “مشلول تمامًا”، حيث لا تتجاوز تغطية قروض الإسكان 15% كحد أقصى، في حين ترتفع هذه النسبة إلى 90% في الدول المتقدمة، مما يرسم صورة قاتمة للواقع المحلي.
لماذا الآن؟
تُعتبر أسعار المساكن في إيران السبب الرئيسي للاتجاه نحو المعاملات الرمزية، ومع ظهور الحديث عن هذه المعاملات، مرّ عام ونصف تقريبًا منذ صدور أحدث البيانات الرسمية حول معاملات سوق الإسكان في طهران.
لماذا نذهب إلى معاملات رمزية عقارية؟
1.السيولة المفقودة: 70% من رؤوس الأموال الإيرانية “نائمة” في الذهب والدولار، الترميز يحرّكها نحو البناء.
2.الإنتاج المتعثر: مشاريع “مِهر” و”مَسكن مِلّي” تتوقف بسبب نقص التمويل، الرموز = تمويل جماعي فوري.
3.الجيل الجديد: 60% من طالبي السكن تحت عمر الـ 35 سنة، لا يملكون 120 مليار، لكنهم يملكون 500 مليون للاستثمار.
4.التجارب العالمية:
- نيويورك: مبنى “StuyTown” مُرمَّز بـ5.3 مليار دولار، 11,000 مستثمر.
- برلين: شقة في “كرويتزبرغ” بـ€2 مليون → 2,000 رمز، كل واحد €1,000.
5.الاقتصاد الرقمي: إيران تمتلك 45 مليون مستخدم إنترنت. المنصة الرقمية جاهزة.
المزايا.. في أرقام

على سبيل المثال: في تجربة تجريبية بـ”إكباتان”، بيع 30% من مشروع 200 وحدة في 48 ساعة عبر رموز بـ50 مليون للواحد.
الثقوب السوداء
• الغموض القانوني: هل مالك 100 رمز يحق له المبيت في الشقة؟ ماذا لو أراد بيع رمزه ورفض المالك الأصلي؟
• انخفاض السيولة الثانوية: في سوق الذهب، تبيع ذهبك في 5 دقائق، بينما في سوق الرموز؟ قد تنتظر أشهر لتجد مشتريًا.
• مخاطر المنصة: اختراق إلكتروني = فقدان الرموز، إفلاس المنصة = ضياع الحقوق.
• التفاوت الجديد: الأغنياء يشترون 500 رمز = نصف المبنى، بينما الفقراء يشترون رمزًا واحدًا = 0.1%.
→ تركيز الملكية بأيدي الأثرياء مرة أخرى.
• الفقاعة المحتملة: إذا انخفض سعر العقار 30%، تنخفض قيمة الرمز تلقائيا، هل يتحمل المستثمر الصغير الخسارة؟
السيناريوهات المستقبلية (اختر مصيرك)

هل تشتري رمزًا… أم تنتظر؟
في الوقت الذي يُقدَّر فيه المنزل العادي بثمن سيارة فارهة من عام 2010، تُقدَّم لنا معاملات رمزية الإسكان كحلٍّ ثوري، أو كفقاعةٍ جديدة في 2025.. السؤال ليس “هل ستنجح؟” بل “هل أنت مستعد للمخاطرة بـ100 ملايين في عالمٍ لا قوانين فيه بعد؟”.
ما فوائد معاملات رمزية العقارات؟
تُتيح معاملات رمزية الإسكان، قبل أي فائدة أخرى، الوصول إلى سوق الإسكان لشريحة واسعة من المجتمع، وبما أن كل متقدم يستطيع الشراء أو الاستثمار وفقًا لميزانيته المتاحة، فإن ذلك سيزيد من السيولة في سوق الإسكان.
تُسهم زيادة السيولة في سوق الإسكان في تسريع وتيرة الإنتاج، إذا كنتَ قد شاركتَ في مشاريع سكنية في السنوات الأخيرة واشتكَيتَ من بطء وتيرة البناء، فأنتَ تُدرك ذلك جيدًا.
يُشيد الاقتصاديون بالعقارات المُرمَّزة استثماريا، فتحويل رأس المال من أسواق الذهب والعملات إلى سوق العقارات يعني تحويله إلى الأسواق الحقيقية، ويُفسَّر أساس كل هذه الإجراءات أيضا على أنه يُساعد الاقتصاد الرقمي وبالطبع، فإن العقارات المُرمَّزة، بغض النظر عن كل هذه المزايا، ليست خالية من العيوب.
ما عيوب معاملات رمز الإسكان؟
يُعدّ السكن الرمزي، على الأقل في هذه المرحلة، لغزًا بالنسبة لمعظم المشترين والمستثمرين في قطاع الإسكان. لا توجد حتى الآن قوانين ولوائح محددة للسكن الرمزي، ولا يوجد إطار واضح لملكية ونقل الملكية الرمزية.
انخفاض السيولة هو التهديد التالي لهذا النوع من المعاملات. يجب على المشتري الذي اشترى رمزًا بآمال وأحلام كثيرة أن يكون واثقا من طريقة التداول الثانوي وأن يجد عميلًا للرمز، تُحل هذه المشكلة في سوق مثل سوق العملات والذهب، ويمكن للبائع تحويل رأس المال إلى نقود وقتما يشاء.
ينبغي أيضًا اعتبار مسائل الملكية الغموض الثالث في معاملات الرموز. إذ لا نزال نجهل تمامًا مدى السلطة والحقوق التي يتمتع بها مالك الرمز على الملكية.
نصيحة أخيرة: إذا اشتريت رمزًا، احتفظ به كاستثمار طويل الأجل.. لا تعامله كـ”بيتكوين”، بل كجزء من وطنك.

