- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 1249 Views
في خضم العزلة الدولية والحرب العراقية-الإيرانية بعد ثورة 1979، بنت إيران قوتها الصاروخية بدعم سري من ليبيا وكوريا الشمالية.. من 30 صاروخ سكود-B ليبي إلى مئات الصواريخ والتكنولوجيا الكورية الشمالية، قاد الشهيد حسن طهراني مقدم جهود الهندسة العكسية لتحويل إيران إلى قوة صاروخية مستقلة، تتفوق بدقتها حتى على الروس، بحسب الجنرال عزيز جعفري، القائد السابق للحرس الثوري الإيراني، يكشف أسرارا مدفونة عن بدايات الثورة الإيرانية، في حديثه الخاص مع موقع “ديدبان إيران”، حين قال: “لم نعتمد على الروس إطلاقًا… في بداية العقد الأول من الثورة، كان الليبيون وكوريا الشمالية يقدمون لنا المساعدة، وكنا نطلب منهم معلومات تكنولوجية، أو سُمح لنا بإعادة هندسة صواريخهم”.
هذا الاعتراف يلقي الضوء على دور ليبيا وكوريا الشمالية في بناء القوة الصاروخية الإيرانية، التي تفوق اليوم، بحسب جعفري، الدقة الروسية.

هذا التحقيق الخاص يكشف أسرار “أسلحة الظل” التي صنعت إرثا صاروخيا لإيران يمتد حتى العام 2025.
خط مقدم
في حديثها مع وكالة “مهر للأنباء” كشفت فائضه غفارحدادي مؤلفة كتاب “خط مقدم” أو “الخط الأمامي” تفاصيل عن قصة حصول إيران على الصواريخ من ليبيا وكوريا الشمالية مع سرد وثائقي لتشكيل وحدة الصواريخ الإيرانية بعد الثورة.
ما هو الخط الأمامي؟
قاعدة العمليات الأمامية أو المقر الرئيسي هي أي نوع من القواعد العسكرية على خطوط المواجهة الأمامية، عادةً ما تكون هذه القاعدة ثكنة تُستخدم لدعم العمليات التكتيكية، قد تحتوي قاعدة العمليات الأمامية على مطار أو مستشفى أو مرافق أخرى، ويمكن استخدامها لفترة زمنية محددة.
“خط المواجهة” مسلسلٌ يتناول إحدى أهم شخصيات هذا الوطن، ويتناول أحد أهم إنجازات إيران، بل أهم حقبة زمنية لهذا الإنجاز، ألا وهي أيام بداية تصميم الصاروخ الإيراني، أيام التجربة والخطأ، أيام الشجاعة والخطر، أيام السقوط والصمود.
في هذا الكتاب الوثائقي تتناول حدادي تطورات مدفعية الحرس الثوري بين عامي 1984 و1986 وقصة تشكيل أول وحدة صاروخية إيرانية.

بعد الثورة في إيران عام 1979، واجهت الجمهورية الجديدة تحديات أمنية هائلة، خاصة خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، المعروفة بـ”الدفاع المقدس”، في ظل الحظر الدولي والعزلة، اعتمدت إيران على تحالفات محدودة لتطوير قدراتها الصاروخية، التي أصبحت ركيزة دفاعها الاستراتيجي.. يعود الفضل الأساسي في بناء هذه القوة إلى الشهيد حسن طهراني مقدم، “أبو الصواريخ”، الذي قاد جهود الهندسة العكسية والتوطين.
ومع ذلك، لعب الدور الليبي والكوري الشمالي دورا حاسما في المراحل الأولى من الثورة، من خلال توفير الصواريخ والتدريب، مما مهد الطريق للاستقلال التكنولوجي.
ليبيا.. الدعم العربي الجريء في زمن العزلة
بدأت العلاقات السياسية والدبلوماسية بين إيران وليبيا لأول مرة على مستوى السفارات في 30 ديسمبر/تشرين الأول 1967 ثم بدأ الدعم الليبي بعد الثورة مباشرة، في أواخر 1979، وتصاعد خلال الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988)، خاصة بين عامي 1984 و1986، عندما كانت إيران تحت وطأة العقوبات الغربية والحصار العسكري.
ومع اندلاع الحرب، أصبحت ليبيا أول دولة عربية في المنطقة تُعلن دعمها لإيران وذكرت وسائل الإعلام أن الزعيم الليبي معمر القذافي أعلن رسميًا أنه سيزود طهران بالمعدات العسكرية والذخيرة، وصرح القذافي لاحقًا في مقابلة بأن دعم إيران واجب إسلامي على عاتق الدول العربية.
كيف؟
كان معمر القذافي، الزعيم الليبي الراحل، أول قائد عربي يعلن دعمه لإيران ضد العراق في أكتوبر/تشرين الأول 1980، في موقف أثار صدمة الدول العربية.
في صيف عام 1984، مع اشتعال نيران الحرب المفروضة، انطلقت الشرارة الأولى لاقتناء إيران صواريخ متوسطة المدى، كأنها خطوة جريئة في رقعة الشطرنج الجيوسياسي وفي يوليو/تموز من ذلك العام، هبطت على مكتب محسن رفيق دوست – وزير الحرس الثوري الإيراني حينئذٍ – دعوتان رسميتان من سوريا وليبيا، كأنهما نسمة فأل خير تهب على أفق التحالفات. رحّب بهما بحماس، وانطلق يستجيب لكليهما بقلب مفتوح، وكأن زيارته إلى دمشق وطرابلس كانت مفتاحًا سحريًا، تلتها رحلة الرئيس خامنئي إلى البلدين نفسيهما، فانفتحت أبواب السماء بصواريخ متوسطة المدى – ذلك السلاح الاستراتيجي الذي غيّر موازين القوة.

من قلب هذه اللقاءات والمفاوضات الحميمة، تعهد الرئيس السوري حافظ الأسد بتدريب نخبة من القوات الإيرانية على فنون إطلاق الصواريخ، بينما أطلق الزعيم الليبي وعده الجريء بتسليم حفنة من صواريخ سكود-بي مع ترسانتها الكاملة إلى أحضان طهران، وبدون لحظة تردد، انبثقت وحدة صاروخية جديدة داخل مدفعية الحرس الثوري، كجنين يولد في عاصفة، ثم انطلق 13 من أبطال المدفعية الإيرانيين المخضرمين، يرافقهم سرب من المترجمين، صوب سوريا وليبيا ليغوصوا في أعماق التدريب الصاروخي، محملين بأحلامهم وإصرارهم.
الدعم تجاوز السياسة إلى الميدان
- صواريخ سكود: قدمت ليبيا حوالي 30 صاروخ سكود-B سوفييتي الصنع بين 1985 و1986، استخدمتها إيران لضرب بغداد ومدن عراقية أخرى، هذه الصواريخ كانت بمثابة شريان حياة، حيث سمح القذافي لإيران بإعادة هندستها، مما أدى إلى تطوير صاروخ “شهاب-1” بحلول أواخر الثمانينات، ولكن إطلاق آخر 9 صواريخ من هذا النوع على العراق دفع فريق الصواريخ بقيادة حسن طهراني إلى دخول الميدان بمفرده.
- التمويل: بحسب وثائق CIA المفرج عنها، قدمت ليبيا منحًا مالية بقيمة 700 مليون دولار منذ 1978 لشراء أسلحة ودعم الثورة.
- التدريب: أرسلت ليبيا خبراء عسكريين لتدريب قوات الحرس الثوري في معسكرات قرب سرت، مستفيدة من خبرتها في الحروب غير النظامية، كما دربت إيران حوالي 2000 مقاتل ليبي كرد جميل لدعم القذافي ضد الضغوط الغربية.
- شبكة التجسس: ساعدت ليبيا إيران في بناء شبكة استخباراتية في شمال إفريقيا، مستغلة علاقاتها مع حركات التحرر، مما عزز نفوذ طهران الإقليمي.
لماذا؟
رأى القذافي في الثورة الإيرانية انعكاسا لثورته “الخضراء”، وكلاهما كان معاديا للغرب، هذا التحالف لم يكن خاليا من المخاطر؛ تجاهل القذافي العقوبات الغربية، مما عزز مكانته كداعم للثورات العالمية والإقليمية في المنطقة، في المقابل، ردت إيران الجميل عام 1986، بإرسال خبراء لإصلاح الدفاعات الجوية الليبية بعد هجوم أمريكي على طرابلس.

وفي هذا السياق كشف علي خرم، أول قائم بالأعمال الإيراني في ليبيا بعد ثورة 17 فبراير/شباط 2011، عن تفاصيل غير معلنة سابقا حول الدعم العسكري الذي قدمته ليبيا لإيران خلال الحرب العراقية-الإيرانية في الثمانينات، وفي تصريحات خاصة لموقع “تابناك” الإخباري أكد خرم أن إيران، كدولة غنية ذات موارد طبيعية هائلة، لم تكن بحاجة إلى مساعدات مالية من أحد، مشيرًا إلى أن المساعدات الليبية كانت مقتصرة على الأسلحة، وتحديدا الصواريخ أرض-أرض، في ظل غياب مثل هذه الترسانة الصاروخية لدى طهران آنذاك.
وأوضح خرم، الذي شغل منصبا دبلوماسيا حساسا في تلك الفترة، أن إيران كانت تمتلك بالفعل صواريخ أرض-جو وجو-أرض، لكنها افتقرت إلى الصواريخ الأرض-أرض التي لم تصلها من النظام السابق للشاه أو من الولايات المتحدة، وأشار إلى أن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين استخدم هذه الصواريخ ضد إيران خلال الحرب، مما دفع طهران إلى سعيها اليائس للحصول عليها لخلق توازن ردعي.
ويرى هذا الدبلوماسي المخضرم أن سبب إقامة علاقات جيدة مع ليبيا في بداية الثورة هو بداية الحرب ونقص الأسلحة، خاصة صواريخ أرض-أرض، في إيران، يقول: “استوردنا عشرات الصواريخ من ليبيا في غضون عامين فقط”، قال خرم، مضيفا: “لكن معظمها كان قديمًا ولم يعمل بسبب تخزينه في المستودعات الليبية لسنوات طويلة. ربما كان حوالي 40% منها صالحًا للاستخدام ويعمل بشكل صحيح، وهو ما كان كافيًا للردع المؤقت في ذلك الوقت”.
في طرابلس، التقى الوفد معمر القذافي، الذي وافق على تقديم صواريخ سكود مقابل قاعدة دفاع جوي أمريكية من طراز HOG، تم تسليم 30 صاروخًا على مراحل: 8 في المرحلة الأولى، أطلقتها إيران ضد مواقع عراقية مثل كركوك؛ ثم 10 في الزيارة الثانية؛ وأخيرًا 12 في الثالثة، كانت هذه الصواريخ محدودة المدى (300 كم)، وأطلقت 21 منها بمساعدة خبراء ليبيين، مستهدفة بغداد وبصرة، رافق الخبراء الليبيون الوفد إلى إيران للمساعدة في الإطلاق، مما أعطى الإيرانيين تدريبًا أوليًا.

ومع ذلك، انتهى التعاون فجأة بعد التسليم الأخير، أمر القذافي خبراءه بالانسحاب، رافضين مساعدة إيران في إطلاق الـ9 صواريخ المتبقية، يُعتبر هذا الانسحاب شكلًا من التخريب، حيث ترك عيوبًا فنية في المنظومات، مثل مشاكل في التوجيه والتحكم، دفع هذا الإيرانيين، بقيادة طهراني مقدم، إلى الاعتماد على أنفسهم، نجحوا في إطلاق صاروخ من كرمانشاه ضد نادي ضباط عراقي في بغداد، مما أكدته تقارير بي بي سي، كان هذا الإنجاز الأول المستقل، ودفع نحو برنامج داخلي للهندسة العكسية.
وهكذا تمكن الضباط الإيرانيون من إطلاق الصواريخ الأولى، لكن المشكلة استمرت، لأن احتياطيات الصواريخ التي تلقوها من ليبيا كانت على وشك النفاد، ومن ناحية أخرى، إذا أدرك الجيش العراقي أن إيران لم تعد تملك صواريخ، فسوف يستأنف حرب المدن، لذلك كان لا بد من حل المشكلة من الأساس، وحتى لشراء الصواريخ، سافر وزير الحرس الثوري آنذاك محسن رفيق دوست، برفقة حسن طهراني مقدم وقادة عسكريين آخرين، إلى كوريا الشمالية، لكن الزعيم الكوري الشمالي آنذاك كيم إيل جونج رفض توفير الصواريخ ووعد فقط بالتدريب العسكري والصاروخي للوفد الإيراني.
واستمرت هذه العملية حتى فكر الضباط الإيرانيون في إنتاج الصواريخ، وهي صواريخ يجب أن تُصنع بمفردها، ولها مدى مناسب للوصول إلى أجزاء مختلفة من العراق وحتى بغداد.. ساهم الدور الليبي في نقل التكنولوجيا الأساسية، لكنه كشف عن هشاشة الاعتماد الخارجي، بعد الحرب، أدى ذلك إلى تأسيس وحدة “الاكتفاء الذاتي” في الحرس الثوري، حيث طور طهراني مقدم صواريخ مثل شهاب-1 (نسخة محسنة من سكود)، ثم شهاب-2 و3، مما زاد المدى إلى أكثر من 1000كم لتهديد إسرائيل.
جذور البرنامج الصاروخي
من فشل دمشق إلى شراكة بيونغ يانغ
وفي هذا الصدد؛ قال الدكتور فاضل اليونس، الباحث في العلاقات الدولية والأمن الدولي المتخصص في السياسة الأمريكية والشرق الأوسط إنه خلال الحرب العراقية–الإيرانية (1980–1988)، وجدت إيران نفسها عاجزة عن مجاراة التفوق العسكري للجيش العراقي؛ فبينما كانت الطائرات والصواريخ العراقية تمطر المدن الإيرانية بكثافة، عانت طهران من ضعف واضح في قدرتها على تنفيذ ضربات مماثلة داخل العمق العراقي.
وأكد أنه لمحاولة تحقيق نوع من التوازن العسكري فوق بغداد، ترأس رئيس البرلمان الإيراني آنذاك أكبر هاشمي رفسنجاني وفداً رفيع المستوى عام 1985 إلى سوريا، وليبيا، وكوريا الشمالية بحثًا عن دعم تسليحي وتقني لتعزيز القدرات الصاروخية الإيرانية، وأضاف الدكتور اليونس في تصريحات خاصة لـ “زاد إيران”، في دمشق باءت الجهود بالفشل بعد اعتذار الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، الذي برّر عدم إمكانية تزويد طهران بالصواريخ بوجود أنظمة الصواريخ السورية تحت إشراف وسيطرة القوات السوفيتية آنذاك، ونصح الوفد بالتوجه إلى طرابلس للقاء الرئيس الليبي معمر القذافي، وأوضح أن الدعم الليبي لإيران خلال الحرب مع العراق كان محدودا للغاية ومشروطا باعتبارات سياسية أكثر من كونه التزامًا عسكريا حقيقيا.
وصرح بأنه قد اقتصر على نحو ثلاثين صاروخًا من طراز “سكود B” كان من المقرر تسليمها على ثلاث دفعات، إلا أن إيران تسلّمت الدفعة الأولى فقط، بعدما أوقفت طرابلس استكمال الصفقة إثر رفض طهران تنفيذ رغبة معمر القذافي بتوجيه ضربة صاروخية إلى السعودية.

وأكد الدكتور اليونس أنه لم يكن القذافي يرغب في أن يُنظر إليه كمن ساعد إيران على تحقيق انتصار ضد العراق، إذ كان ذلك سيُضعف مكانته أمام الرأي العام العربي، ويقوّض مسعاه لتجسيد دور الزعيم الإقليمي الذي يواصل إرث جمال عبد الناصر، وقال إنه نتيجة لذلك، ظل التعاون الليبي–الإيراني أقرب إلى رمز سياسي منه إلى تحالف استراتيجي فعّال، ولم يترك تأثيرًا ملموسًا في مسار تطور البرنامج الصاروخي الإيراني، الذي ظل رهينًا لمعادلات إقليمية ودولية معقّدة. وأضاف أنه مع ذلك، استفادت إيران جزئيًا من الخبرة الليبية في مجالات التدريب والتشغيل الصاروخي، وهو ما ساعدها على تحسين جاهزيتها الفنية خلال ما عُرف وقتها بـ “حرب المدن”، مع العراق.
كوريا الشمالية: مهندسو الصواريخ في الظل
بدأ التعاون مع كوريا الشمالية في 1980، ببيع النفط الإيراني لكوريا، لكن المعاملات التجارية لاحقا أفسحت المجال لاتفاقيات عسكرية، وهذا واضح من حقيقة أن معظم الصواريخ الإيرانية تعتمد على التصاميم الكورية الشمالية، لكن التعاون بين البلدين أصبح استراتيجيا في عام 1982، واستمر بقوة حتى نهاية الحرب عام 1988، هذه الفترة شهدت ذروة الدعم التكنولوجي، مع استمرار التعاون بشكل متقطع حتى اليوم، ومنذ تسعينات القرن العشرين، كان العشرات وربما المئات من العلماء والفنيين الكوريين الشماليين يعملون في المنشآت النووية والباليستية الإيرانية.
كيف؟
كانت كوريا الشمالية الشريك التكنولوجي الأبرز، حيث قدمت دعما مركزا على الصواريخ والتكنولوجيا العسكرية:
- صواريخ سكود: بين 1985 و1988، زودت كوريا إيران بـ200 إلى 300 صاروخ Scud-B وScud-C، بمدى يصل إلى 500 كم، هذه الصواريخ، المطورة من النسخ المصرية، كانت حاسمة في تغيير توازن الحرب، وفي 1987، أطلقت إيران أول صاروخ سكود كوري معدل في اختبار بصحراء دشت كافير، محققًا دقة بنسبة 90%.
- نقل التكنولوجيا: وقّعت إيران اتفاقية سرية عام 1985 بقيمة 500 مليون دولار لتمويل برنامج الصواريخ الكوري، مقابل نقل تكنولوجيا Scud وتدريب مهندسين إيرانيين، بحسب “Nuclear Threat Initiative”، دربت كوريا 500 مهندس إيراني في معهد بيونغ يانغ للصواريخ.
- التبادل العلمي: كان التعاون بمثابة ورشة مشتركة، قدمت إيران بيانات ميدانية من الحرب لتحسين دقة الصواريخ الكورية، بينما نقلت كوريا خبراتها في إعادة الهندسة، هذا التبادل أدى إلى تطوير صاروخ “نودونغ” الكوري، الذي أصبح أساس “شهاب-3” الإيراني.
- الطائرات المسيرة: قدمت كوريا نماذج أولية للطائرات بدون طيار في أواخر الثمانينات، ساعدت في تطوير “شاهد-129” الإيراني، الذي أصبح ركيزة في ترسانة طهران.
لماذا؟
كانت إيران وكوريا الشمالية حليفتين طبيعيتين، كلتاهما معزولتان وتواجهان عقوبات أمريكية، رأت كوريا في إيران سوقا لتمويل برنامجها النووي، بينما استفادت إيران من خبرات بيونغ يانغ لكسر الحصار.

التعاون استمر حتى عام 2025، مع تقارير حديثة تشير إلى صفقات في الطائرات المسيرة، وبحلول نهاية الحرب عام 1988، تحولت إيران من دولة تعاني نقصًا في التسليح إلى قوة صاروخية.
الـ30 صاروخًا الليبيًا أنتجت مئات النسخ الإيرانية، والـ300 صاروخ كوري شكّلت أساس آلاف الصواريخ.
الجنرال عزيز جعفري القائد السابق للحرس الثوري الإيراني، يؤكد: “تكنولوجيتنا تفوق الروس في الدقة”، بالفعل حقق صاروخ “فاتح-110” الإيراني دقة تصل إلى 10 أمتار، وهو رقم يعكس عقودا من التعلم من ليبيا وكوريا، وبدون هذين الدورين، لما وصلت إيران إلى قوتها الصاروخية الحالية، التي تشمل رادعًا استراتيجيًا وطائرات بدون طيار.
كيف حوّلت إيران دعم كوريا الشمالية إلى قوة ردع إقليمية بعد حرب المدن؟
ووفقاً للدكتور فاضل اليونس، الباحث في العلاقات الدولية، أوضح أنه سرعان ما استنفدت طهران مخزونها من الصواريخ الليبية، فاتجهت إلى كوريا الشمالية بصفقة أكثر طموحا، عرضت فيها تمويل برامج بيونغ يانغ الصاروخية مقابل نقل التكنولوجيا والحصول على أسبقية في التوريد عند بدء الإنتاج. وأكد أنه بالفعل، تسلّمت إيران دفعات من صواريخ “سكود” الكورية الشمالية بدءًا من عام 1987 واستخدمتها في الحرب، ما زاد من حدة “حرب الصواريخ” بين الطرفين.
وقال الدكتور اليونس في تصريحاته لـ “زاد إيران” إنه لم يتوقف التعاون الإيراني الكوري بعد انتهاء الحرب مع العراق، بل تعزّز في ظل المقاطعة الغربية لطهران، حيث حصلت إيران على تقنيات إنتاج “سكود” واستقدمت خبراء كوريين لتدريب الفنيين الإيرانيين على التصنيع المحلي، وصرح بأن طهران بدأت بإنتاج نسخ مقلدة محليًا عُرفت باسم “شهاب-1” تعمل بالوقود السائل، تحمل رؤوسًا حربية تزن نحو 1000 كغم وبمدى يقارب 186 ميلًا (300 كم)، تلاها “شهاب-2” بمدى يصل إلى 300 ميل (480 كم). وأضاف أنه في عام 1998 اختبرت “شهاب-3” المبني على منصة “نودونغ” الكورية التي يبلغ مداها نحو 600 ميل، والذي طوّر لاحقًا ليصل إلى أكثر من 2000 كم.

وأكد أنه رغم الزيادة في المدى، ظلت دقته محدودة، ما جعله أكثر ملاءمة لأغراض الردع والتدمير العشوائي على الأهداف المدنية والمدن الكبرى، لا للضربات الدقيقة. وقال إنه لاحقًا طوّرت إيران نسخًا محسّنة مثل “عماد” ذات دقة ومناورة أفضل، لكنها غالبا ما جاءت على حساب المدى، ما يعكس المقايضة بين الدقة والقدرة على الوصول البعيد.
وختم الدكتور اليونس قائلاً: يُمكن النظر إلى التعاون الإيراني مع كوريا الشمالية على أنه حجر الأساس الفعلي للبرنامج الصاروخي الإيراني، إذ أرسى شراكة متبادلة المنفعة بين الطرفين؛ فبينما تولّت طهران تمويل برامج بيونغ يانغ الصاروخية، قدّمت الأخيرة لإيران التكنولوجيا والخبرة الصناعية التي مكّنتها من بناء قدراتها التصنيعية محليًا، الأمر الذي أتاح لها امتلاك قوة ردع استراتيجية أعادت من خلالها التوازن إلى ميزان القوى الإقليمي بعد سنوات من الحرب والحصار.
ما حقيقة غياب الدور الروسي؟
كان الدور الروسي أكثر استمرارية وتأثيرا، مستندا إلى صواريخ سكود السوفيتية الأصلية، التي كانت أفضل جودة من النسخ الكورية الشمالية، خلال الحرب العراقية الإيرانية، حصلت إيران على صواريخ من كوريا الشمالية (أقل تقنية، بسعر 5.2 مليون دولار للصاروخ الواحد)، بحسب تصريحات الجنرال علي بلالي، مستشار قائد القوة الجوفضائية للحرس الثوري سابقا ورفيق درب الشهيد حسن طهراني مقدم، لكن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، أصبحت صواريخ سكود الروسية متوفرة في المزادات بجمهوريات سوفيتية مجاورة، بأسعار زهيدة (عشرات الآلاف من الدولارات).
رفض القائد الأعلى الإيراني شراء هذه الصواريخ، مؤكدًا على التصنيع المحلي لضمان الاستقلال، ومع ذلك، استمرت المساعدات الروسية خلال فترة التسعينات، رغم الضغوط الأمريكية، وفقا لتقارير الـCIA ومركز السيطرة على الأسلحة، قدمت كيانات روسية (فردية ومؤسساتية) مساعدات لـ طهران في التدريب، الاختبار، والمكونات، مما تسارع تطوير الصواريخ البالستية المتوسطة المدى.

بحلول 1994-1995، بدأ نقل التكنولوجيا، بما في ذلك أنظمة التوجيه والتحكم، مما خفض انحراف سكود من 1500 متر إلى 500 متر (شهيد غازي)، ثم 200 متر، وصولًا إلى دقة نقطية، وفي الفترة ما بعد الحرب، ساعدت روسيا في توطين الوقود الصلب والسائل، وأجهزة القياس الدقيقة، واستخراج المعادن للهيكل الصاروخي، أدى ذلك إلى إنتاج صواريخ مثل قدر، سجيل، وفتح (مدى 2000 كم). رغم إنكار موسكو للنقل الكبير، أكدت تقارير أمريكية أن هذه المساعدة هددت المصالح الغربية، وبحلول عام 2000، أصبحت إيران قادرة على إنتاج كميات كبيرة محليًا، مستفيدة من خبراء إيرانيين درسوا في الخارج.
نقض العقود
وعن أسباب توتر العلاقات الإيرانية الروسية مؤخرا أوضح د.علي بيجدالي، الخبير البارز في السياسة الخارجية ومحلل العلاقات الدولية أن للعلاقات الاستراتيجية تعريف محدد ودقيق، قائلا: “صحيح أننا وقّعنا اتفاقيات مع موسكو حتى الآن، ولكن في نص هذه الاتفاقيات، يُنص بوضوح على أنه في حال هاجمت دولة ثالثة أحد البلدين، فإن الأخيرة لا تتحمل أي مسؤولية، لذلك، لن توقع روسيا والصين اتفاقية استراتيجية معنا أبدًا، تعني الاتفاقية الاستراتيجية أن جميع اتصالات الدول وعلاقاتها مترابطة، وهذه المسألة بالغة الأهمية في مجال السياسة الخارجية والوضع العسكري”.
على سبيل المثال، توجد الآن علاقات استراتيجية بين الصين وروسيا، ولكن لا الصين ولا روسيا تربطان مستقبلهما بمشاكل إيران بأي شكل من الأشكال، وفقا لـ بيجدالي ولم تفعلا ذلك حتى الآن، لقد وعدتنا روسيا باستيراد طائرات إف-35 إلى البلاد منذ عدة سنوات، ولكن لم تكن هناك أي أخبار جديدة، أخيرًا، زودتنا بنظام إس-300 بعد تأخير طويل ومع بعض التغييرات، في الواقع، لم تزودنا بنظام إس-400 في مجال الصواريخ أيضًا كما تجدر الإشارة إلى أن بعض أسباب هذه الخروقات للعهود هي العلاقات الجيدة بين بوتين ونتنياهو، ويعيش في إسرائيل أيضا العديد من الأشخاص ذوي الأصول الروسية، ويمكن القول إن حوالي 20 إلى 22% من سكان إسرائيل من أصل روسي، في آخر زيارة لنتنياهو وزوجته لروسيا، استقبلهما بوتين بباقة من الزهور عند مدخل الكرملين، وهي خطوة مثيرة للاهتمام وغير مسبوقة، هل يتصرف بوتين بهذه الطريقة عند لقائه بكبار المسؤولين في بلدنا؟”.

وختم كبير محللي السياسة الخارجية علي بيجدالي حديثه بقوله: “إن سبب توتر علاقاتنا مع روسيا الآن أكثر من غيرها هو رغبة روسيا في استخدام ورقتنا في الحرب مع أوكرانيا، روسيا تحت ضغط، الشعب الروسي منهك، والسلطات الروسية تدفع ثمنًا باهظا، وقد دفع كل هذا روسيا إلى التخلي عن اثنتين من مقاطعات شرق أوكرانيا الأربع والاكتفاء دونيتسك لذا، تحتاج روسيا إلى ورقتنا في الساحة الدولية للضغط على الأوروبيين”، وأضاف: “السياسة هي التلاعب بالأوراق، السياسة ليست لعبة فردية، الخلافات التي طرأت بين المسؤولين الإيرانيين السابقين والحاليين بشأن سوريا هي نتيجة لعبة صنعناها بأنفسنا. الروس لا يهتمون إلا بمصالحهم وأوراقهم، وإذا كانوا ينظرون إلينا باستخفاف، فذلك بسبب الضغوط التي يتعرضون لها من أوروبا وأمريكا”.
التطور والاستقلال
بعد قرار الأمم المتحدة 598 عام 1988، انتقلت إيران من الاعتماد على ليبيا وكوريا الشمالية وروسيا إلى التوطين الكامل، شكل طهراني مقدم فرقا في شركة همت الصناعية، مستفيدا من خطط من سوريا وليبيا، وتعاون مع كوريا الشمالية لنقل التكنولوجيا.. اليوم، تنتج إيران صواريخ دقيقة 100% محليا، غير متأثرة بالعقوبات، وتصدر خدمات هندسية، يعزى ذلك إلى ذكاء الإيرانيين العالي والإيمان الديني، كما يقول الجنرال علي بلالي، صديق طهراني مقدم.
ليبيا، رغم سقوط القذافي منذ سنوات، تركت شبكة نفوذ إيرانية في شمال إفريقيا، كما في دعم مليشيات ليبية عام 2020، أما كوريا الشمالية، فلا تزال شريكا استراتيجيا، مع تقارير تشير إلى تبادل تكنولوجيا الطائرات المسيرة حتى 2025.. هذه التحالفات لم تقتصر على الأسلحة؛ لقد صنعت إيران كقوة إقليمية، قادرة على مواجهة الغرب بدقة لم يتوقعها أحد.. من الصواريخ الليبية التي هزت بغداد، إلى التكنولوجيا الكورية التي رسمت خطوط “شهاب”، كانت ليبيا وكوريا الشمالية أعمدة خفية للثورة الإيرانية.

