- زاد إيران - المحرر
- 749 Views
كتب: أمير عباس هدايت
تُعدّ جائزة المصطفى أرفع وسام علمي وتكنولوجي في العالم الإسلامي، حتى غدت تُعرف بلقب «نوبل العالم الإسلامي»، وتُمنح هذه الجائزة كل عامين في إيران لكوكبة من العلماء والباحثين الذين أسهمت إنجازاتهم المبتكرة في توسيع آفاق المعرفة البشرية وإحداث أثر ملموس في تحسين حياة الإنسان.
وقد طُرحت فكرة هذه الجائزة للمرة الأولى عام 2012، بينما شهد عام 2015 انطلاق دورتها الأولى.
أراد المنظّمون من خلال إطلاق اسم «المصطفى»- وهو أحد ألقاب النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم بمعنى «المختار»- على هذه الجائزة، التأكيد على الدور الإلهامي للإسلام في نشر المعرفة. وبحسب القائمين عليها، فإن هذه التسمية تُجسّد ارتباط العلم بالثقافة والهوية الدينية في العالم الإسلامي، وتذكّر بشخصية النبيّ الذي كان مظهر الرحمة ومُلهم الحركات العلمية والثقافية على امتداد التاريخ.
وقد بدأت «مؤسّسة المصطفى للعلم والفن»- الجهة الراعية للجائزة- نشاطها برؤية ترمي إلى توسيع آفاق السلام والرفاه والتقدّم للبشرية. وتعتمد هذه المؤسسة، التي تحظى بدعم نائب رئيس الجمهورية الإيراني للشؤون العلمية والتكنولوجية وبمشاركة هيئات علمية دولية، على ثلاثة محاور رئيسية:
- تعزيز الدبلوماسية العلمية بين الدول الإسلامية
- إنشاء شبكة تجمع العلماء والنخب لتعزيز التعاون والتكامل العلمي
- التعريف بالأبحاث المبتكرة والمؤثرة وتكريمها لما لها من دور في حل مشكلات الإنسان
وفي هذا الإطار، أُنشئت جائزة المصطفى لتكون رمزا للجدارة العلمية في العالم الإسلامي، بحيث تُمنح للأعمال المتميّزة في ميادين المعرفة، تلك الأعمال المبتكرة التي يقدّمها علماء بارزون وتُسهم في تحسين حياة البشر.

وخلال العقد الأخير، حازت الجائزة مكانة رفيعة بين الجوائز العلمية في الدول الإسلامية، حتى اعتبرتها وسائل إعلام دولية عديدة في مصاف جوائز مرموقة كجائزة نوبل. ومن الناحية العلمية والمالية تُعدّ جائزة مصطفى أرفع الجوائز في العالم الإسلامي، إذ يحصل الفائزون – إلى جانب الميدالية وشهادة التقدير – على جائزة مالية ضخمة تبلغ نحو 500 ألف دولار.
ويُموَّل هذا المشروع بعيدا عن الميزانية الحكومية، من خلال أوقاف للعلم والتكنولوجيا ودعم من المانحين، كما يُخصَّص 20% من قيمة الجائزة في كل دورة كمنح بحثية، وفرص دراسات، ومشروعات علمية مشتركة، وبرامج تعاون تُمنح للفائزين أنفسهم بهدف دعم الباحثين وتعزيز التفاعل العلمي في البلدان الإسلامية. ويجسّد هذا الابتكار حرص المنظمين على استمرار الأثر العلمي للجائزة وتوسيع آفاق التعاون الدولي حتى بعد انتهاء مراسم التكريم.
منذ انطلاقها، استهدفت جائزة المصطفى برؤية مستقبلية المجالات العلمية الأساسية والناشئة، وفي الدورات الأخيرة، تُمنح الجوائز في ثلاثة أقسام متخصصة:
- العلوم والتقنيات الحيوية والطبية، وتشمل مجالات مثل التكنولوجيا الحيوية، والطب الدقيق، والصحة.
- علوم وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وتشمل الذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، والخوارزميات، والتقنيات الاتصالية.
- العلوم الأساسية والهندسة، وتشمل الفيزياء، والكيمياء، والرياضيات، والهندسة، إضافة إلى التقنيات الحديثة مثل النانو تكنولوجي، والطاقة النظيفة، والتقنيات الكمية.
إن التركيز على هذه المجالات الاستراتيجية يكشف بوضوح عن اهتمام مؤسسي الجائزة بالعلوم المتقدمة وبتلبية الاحتياجات المستقبلية للمجتمعات، وهي مجالات ترتبط ارتباطا مباشرا بمستقبل البشرية، وتعزيز الصحة، والأمن، والتنمية المستدامة في العالم الإسلامي.
حتى اليوم، أُقيمت ست دورات من هذا الحدث، وفي الدورات الخمس الأولى بين عامي 2015 و2023، تم تكريم ما مجموعه 19 عالما بارزا من 10 دول إسلامية بفضل إنجازاتهم المبتكرة.
ومن بين الفائزين في الدورات السابقة، برزت أسماء لامعة على الساحة العلمية العالمية؛ فمثلا، حصل البروفيسور عمر ياغي، الكيميائي الأردني–الأميركي الشهير، على جائزة المصطفى في دورتها الأولى تقديرا لتأسيسه علم «الأطر المعدنية العضوية». كما كرّم البروفيسور جكي يينغ، الباحثة السنغافورية وأستاذة معهد MIT، في الدورة ذاتها، نظير ابتكارها أنظمة نانوية ذكية لتوصيل الأدوية الطبية.

إن قائمة الفائزين المرموقة تظهر أن جائزة مصطفى استطاعت أن تجمع وتسلّط الضوء على نخبة من علماء العالم الإسلامي، سواء أولئك العاملين في بلدانهم أو في أرقى المراكز البحثية العالمية. وبحسب القائمين على الجائزة، فإن الهدف الاستراتيجي يتمثل في إحياء العصر الذهبي للعلم في الحضارة الإسلامية وبناء جسر يربط بين العلماء المسلمين في شتى أنحاء العالم.
وكما عبّر علي أكبر صالحي، أحد مؤسسي الجائزة والرئيس السابق لمنظمة الطاقة الذرية الإيرانية:
“جائزة المصطفى لا تسعى لمنافسة جوائز مثل نوبل، بل تهدف إلى إحياء العصر الذهبي للعلوم في العالم الإسلامي”.
هذا التصور يعكس تطلّع الدول الإسلامية إلى استعادة مكانتها ودورها في إنتاج العلم والابتكار على المستوى العالمي.
أُقيمت الدورة السادسة من جائزة المصطفى الدولية عام 2025، وقد جرى خلالها اتباع آلية دقيقة متعددة المراحل لترشيح وتقييم الأعمال، وبحسب ما أوضح علي أكبر صالحي، فقد أُعلن عن الدعوة العامة للمشاركة في هذه الدورة في يناير/كانون الثاني 2024، حيث أتيح للمراكز العلمية والجامعات في الدول الإسلامية حتى شهر أغسطس/آب تقديم مرشحيها إلى الأمانة العامة.
في المجمل، تم ترشيح أو تقديم أكثر من 5 آلاف شخص من إيران ومختلف بلدان العالم الإسلامي للمشاركة في هذه الدورة، وبعد عملية فرز أولية لجميع الملفات، قلّصت لجنة التحكيم عدد الأعمال المؤهلة إلى عشرات فقط.
لاحقا، جرى اختيار نحو 24 عملا متميزا امتازت بقدر عال من الابتكار العلمي والأثر الاجتماعي، لعرضها على التحكيم الدولي النهائي. ولهذا الغرض، أُرسلت ملفات هذه الأعمال إلى 100 عالم بارز من مختلف أنحاء العالم ليقيّموها بشكل سري ومجهول الهوية. وفي النهاية، وبناء على المراجعة الدقيقة لآراء المحكّمين الدوليين، تم الإعلان عن ثلاثة علماء بارزين كفائزين في الدورة السادسة من جائزة المصطفى.
وقد جاء هؤلاء الفائزون الثلاثة من إيران وتركيا والهند، حيث نالوا هذا التكريم تقديرا لإنجازاتهم المؤثرة في مجالات علمية ناشئة، شملت التقنيات الطبية والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة.

وفي ما يلي، سيتم استعراض السيرة العلمية لكل واحد من هؤلاء العلماء الثلاثة بالتفصيل:
البروفيسور “محمد تونر”: رائد التقنيات الحيوية الطبية من تركيا
وُلد محمد تونر (Mehmet Toner) عام 1958 في إسطنبول – تركيا، ويُعد من أبرز العلماء في مجال الهندسة الحيوية والطب. يشغل حاليا منصب أستاذ الهندسة الحيوية الطبية في كلية الطب بجامعة هارفارد ومستشفى ماساتشوستس العام (MGH). ويتركّز تخصصه في تطوير الأنظمة الميكروفلويدية وتقنيات النانو ذات التطبيقات الطبية؛ وهو مجال متعدد التخصصات يتيح التعامل مع السوائل والخلايا على المستويين الميكروي والنانوي لأغراض التشخيص والعلاج.
قدّم البروفيسور تونر إسهامات كبرى في تطور الطب الحديث من خلال ابتكار أدوات وأساليب تشخيص متقدمة. ومن أبرز إنجازاته تصميم شرائح ميكروفلويدية قادرة على فصل الخلايا السرطانية النادرة. إذ تستطيع هذه الشرائح، وسط مليارات الخلايا الدموية، التقاط عدد محدود جدا من الخلايا السرطانية المنتشرة (النقيلية) التي تُعد السبب الرئيس لانتشار السرطان في الجسم ووفاة ملايين البشر. وقد أتاح هذا الابتكار إمكانية التشخيص المبكر والدقيق للسرطان، وفتح آفاقا جديدة أمام العلاجات الموجّهة.
كما كان رائدا في مجال البيولوجيا الجليدية (Cryobiology) وحفظ الخلايا، إلى جانب تطوير تقنيات التشخيص السريع للأمراض. وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، أحدثت أبحاثه نقلة نوعية في أساليب التشخيص والعلاج، وأسهمت بشكل ملموس في تحسين صحة الإنسان. ويرى تونر أن رسالته العلمية في الحياة تتمثل في ابتكار تقنيات تسهم في إنقاذ أرواح المرضى، مؤكدا أن النانوتكنولوجيا هي المفتاح للتشخيص المبكر للسرطان وإنقاذ حياة المصابين به.
تُجسد ابتكارات البروفيسور تونر، الواقعة عند تقاطع الهندسة والطب، نموذجا للبحوث التي دفعت حدود المعرفة إلى الأمام وتركَت أثرا مباشرا على حياة البشر. فتصميم الأنظمة التشخيصية الحديثة للسرطان الذي طوّره يُعد مثالا على إنجازات في طليعة العلوم الطبية قادرة على إنقاذ حياة الآلاف. ولهذا السبب، اختير كأحد الفائزين بجائزة المصطفى، وتقلّد وسامها في حفل ختام الدورة السادسة.
وبعد تسلّم الجائزة، اعتبر تونر هذا التكريم شرفا عظيما له وللمجتمع العلمي الإسلامي، مشددا على أن هذه الجائزة، رغم حداثة عهدها الذي لا يتجاوز عقدا واحدا، قد أثبتت حضورا مؤثرا وملحوظا في العالم الإسلامي والمجتمع العلمي الدولي على حد سواء.

الدكتور “وهاب ميرركني”: مبتكر علم المعلومات والخوارزميات من إيران
وُلد وهاب ميرركني عام 1977 في إيران، ويُعد من أبرز المتخصصين في مجال علوم الحاسوب وتكنولوجيا المعلومات. حصل على درجة الدكتوراه في علوم الحاسوب من معهد MIT المرموق، وعمل لسنوات طويلة باحثا وأستاذا في جامعات الولايات المتحدة.
ويشغل حاليا منصب نائب رئيس الأبحاث وكبير الباحثين في شركة جوجل، كما يتعاون بصفته أستاذا مساعدا في معهد Courant بجامعة نيويورك. ويتركّز تخصصه في الخوارزميات، وعلوم البيانات، والتحسين على نطاق واسع.
قاد الدكتور ميرركني أبحاثا محورية على حدود المعرفة في علوم الحاسوب كان لها دور حاسم في تطوير تكنولوجيا المعلومات الحديثة، ومن أبرز إنجازاته ابتكار أساليب جديدة في خوارزميات الرسوم البيانية لمعالجة البيانات الضخمة، وتطوير مفهوم التجزئة الحساسة للمحلية (Locality-Sensitive Hashing)، الذي أتاح البحث السريع واكتشاف أوجه التشابه في مجموعات البيانات فائقة الضخامة، مما شكّل أساسا لتحسين العديد من الخدمات المعتمدة على البيانات الضخمة في الإنترنت.
كما قدّم إسهامات مهمة في تحسين الأسواق الإلكترونية، تحليل الشبكات المعقدة، والخوارزميات الموزّعة. وقد أسفرت أبحاثه عن فهم أعمق لبنية البيانات المعقدة وتعزيز كفاءة الأنظمة الحاسوبية الذكية، وهو ما انعكس على تطبيقات واسعة تتراوح من تحسين محركات البحث إلى تطوير الشبكات الاجتماعية والتجارة الإلكترونية.
يمثّل الدكتور ميرركني نموذجا للعالم المسلم الشاب الذي نجح في تقديم ابتكارات لامعة من خلال عمله في أرقى المؤسسات العلمية بالعالم، وتكتسب إنجازاته قيمة خاصة من حيث الإبداع العلمي والتطبيق العملي العالمي.
فالخوارزميات والأنظمة التي ابتكرها لم تقتصر على دفع الحدود النظرية لعلوم الحاسوب، بل وجدت طريقها إلى الصناعة التقنية على نطاق ضخم، بما في ذلك شركات كبرى مثل جوجل، مؤثرة في الحياة الرقمية لملايين البشر.
وبناء على هذه الإسهامات، رأت لجنة تحكيم جائزة المصطفى 2025 أنه جدير بالتكريم واختارته واحدا من بين ثلاثة فائزين نهائيين. ويُعد ميرركني أول إيراني مقيم في الخارج يحصل على هذه الجائزة، وهو ما يجسد الطاقة الهائلة للنخب الإيرانية على الساحة الدولية.

البروفيسور محمد خواجه نذير الدين: رائد الجيل الجديد من الخلايا الشمسية في الهند
وُلد البروفيسور محمد خواجه نذير الدين عام 1957 في مدينة حيدر آباد بالهند، ويُعد من أبرز الباحثين في مجال الكيمياء التطبيقية والطاقة المتجددة. يشغل منصب أستاذ الكيمياء ومدير مختبر الخلايا الكهروضوئية والمواد البصرية في المعهد الفدرالي التقني العالي في لوزان (EPFL) بسويسرا. يتركز نشاطه البحثي على تطوير تقنيات الطاقة النظيفة، خصوصا الخلايا الشمسية البيروفسكايتية والـ LED العضوي.
يُصنَّف نذير الدين ضمن الروّاد الذين أحدثوا ثورة في تقنيات الطاقة الشمسية، إذ أسهمت أبحاثه الأساسية والتطبيقية في رفع كفاءة واستقرار الخلايا الشمسية البيروفسكايتية بشكل لافت. وهذه المواد البلورية منخفضة التكلفة برزت مؤخرا كبديل محتمل للسيليكون في صناعة الخلايا الشمسية. وقد كان لأعماله دور محوري في تحسين معدل تحويل الطاقة وإطالة عمر هذه الخلايا، ما قرّبها أكثر من مرحلة الاستخدام التجاري. كما شارك في تطوير تقنيات أخرى مثل الصمامات المضيئة المتقدمة (LED) والمواد شبه الموصلة لخدمة الطاقة النظيفة.
إنجازاته العلمية كان لها أثر عالمي في توسيع الاعتماد على الطاقة المتجددة وتسهيل مسارات الابتكار في التقنيات الصديقة للبيئة. فعدد أبحاثه المنشورة والاقتباسات العلمية العالية، إلى جانب براءات الاختراع المسجلة باسمه، تعكس حجم تأثيره في الأوساط الأكاديمية الدولية.

وبالنظر إلى ما قدّمه من إسهامات نوعية ونتائج ملموسة نُشرت في الصفوف الأمامية للعلم، وما أحدثته من أثر في مواجهة التحديات العالمية المتعلقة بالطاقة، رأت لجنة تحكيم جائزة المصطفى 2025 أنه يستحق التتويج بهذه الجائزة الرفيعة.
ويُبرز فوزه الطابع العابر للحدود لهذه الجائزة التي لا تقتصر على بلد أو إقليم بعينه، بل تشمل جميع علماء العالم الإسلامي، بل وحتى الباحثين غير المسلمين العاملين في دوله. وقد عبّر نذيرالدين خلال حفل التكريم عن سعادته بهذا الإنجاز، واعتبره شرفا للوسط العلمي في الهند ولجميع المهتمين بتطوير الطاقة النظيفة.

