حفل ختامي مهيب لجائزة المصطفى 2025

كتب: أمير عباس هدايت

أقيم حفل الختام وتوزيع الجوائز في 8 سبتمبر/أيلول 2025 بقاعة “الوحدة” الشهيرة في طهران، وسط أجواء مهيبة. شارك في الأمسية عشرات العلماء البارزين من داخل إيران وخارجها، وكان هذا الحدث بمثابة الذروة لفعاليات “أسبوع جائزة المصطفى 2025” الذي ضم سلسلة من البرامج العلمية والثقافية.

وحضر الحفل شخصيات علمية وثقافية مرموقة من إيران، من بينهم: حسين أفشين، مساعد رئيس الجمهورية للعلوم والتكنولوجيا ورئيس مجلس السياسات العليا للجائزة، وعلي أكبر صالحي، ومهدی صفاري‌نیا الأمين العام للمجلس ومدير مؤسسة مصطفى للعلوم والتكنولوجيا، إضافة إلى رضا مخبر دزفولي رئيس أكاديمية العلوم الإيرانية، ورؤساء جامعات بارزة.

أما من الضيوف الدوليين، فشارك محمد إقبال شودري، الأمين العام للجنة الدائمة للتعاون العلمي والتكنولوجي التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي (كومستيك)، إلى جانب عدد من كبار العلماء والضيوف الأجانب. وكان من بين أبرز الحضور البروفيسورة قريشة عبد الكريم، رئيسة الأكاديمية العالمية للعلوم (TWAS)، التي ألقت كلمة خاصة في الحفل.

Image

انطلقت فعاليات حفل الختام بآيات من القرآن الكريم وعزف النشيد الوطني، إيذانا ببدء واحدة من أرفع المناسبات العلمية في العالم الإسلامي، أعقب ذلك كلمات لعدد من الشخصيات البارزة في جائزة مصطفى وضيوفها المميزين.

استهلّ علي أكبر صالحي، رئيس اللجنة العلمية، الكلمات بتقديم تقرير مفصّل عن آليات التحكيم في الدورة السادسة، مؤكّدا أن التقييم جرى وفق معايير دقيقة تشمل مدى الانتشار العلمي، ومستوى الابتكار، واستدامة الأثر، وقيمته الاجتماعية والتطبيقية. وأوضح أن لجان التحكيم الدولية أخذت في الاعتبار أيضا السمعة الأكاديمية ومكانة أصحاب الأعمال المرشحة، ليُتوَّج في النهاية ثلاثة إنجازات علمية رائدة استحقت الفوز بالجائزة.

Image

ثم ألقى حسين أفشين كلمته التي شدّد فيها على أهمية وحدة الصف العلمي في العالم الإسلامي، معتبرا أن تجاوز الاختلافات ليس بغرض الإلغاء بل من أجل التكامل. وقال: “الوحدة اليوم لم تعد مجرد شعار سياسي، بل تعني مشاركة البنى التحتية البحثية، وتبادل البيانات العلمية، وفتح آفاق التكنولوجيا أمام الجميع”. 

وأضاف أن جائزة المصطفى تجسد هذا المعنى، إذ تتيح تعاونا بين باحث في إيران وفريق في تركيا، أو تقاسما لبيانات علمية بين عالم في ماليزيا وزملائه في دول أخرى. وختم بالقول إن اجتماع النخب في طهران لا يقتصر على تكريم الفائزين، بل يحمل رسالة واضحة إلى العالم: “الأمة الإسلامية ما زالت حيّة، حيّة بجرأتها على التقدم العلمي ورؤيتها لآفاق جديدة”.

بعد الكلمات الرسمية، بدأت الفقرة الأبرز للحفل: إعلان أسماء الفائزين وتسليمهم أوسمة الجائزة. استمع الحضور إلى نبذة عن إنجازات كل عالم، ثم جرى تقليدهم الميدالية الذهبية الخاصة بالجائزة مع لوح تقدير ومكافأة مالية.

كانت لحظات مفعمة بالاعتزاز والبهجة، حيث وقف الحضور وصفّقوا طويلا تكريما لهؤلاء العلماء الثلاثة. بدورهم، عبّر الفائزون في كلمات مقتضبة عن شكرهم وامتنانهم، وأهدوا نجاحهم إلى أسرهم وأساتذتهم وزملائهم الذين دعموا مسيرتهم.

إطلاق “ميدالية العالِم الشاب” لأول مرة في جائزة المصطفى 2025

من أبرز محطات الدورة السادسة لجائزة مصطفى كان تدشين ميدالية العالِم الشاب، التي استحوذت على اهتمام واسع من وسائل الإعلام. وتُعد هذه الميدالية مبادرة جديدة أُدخلت لأول مرة عام 2025، بهدف تكريم الباحثين دون سن الأربعين وتشجيع الجيل الصاعد من المبدعين في مجالات العلوم والتكنولوجيا.

بحسب ما أوضح مهدي صفاري‌نیا، أمين المجلس الأعلى للسياسات العلمية للجائزة، فإن استحداث هذه الميدالية جاء ثمرة لتجارب الدورات الخمس السابقة، وبدعم من الفائزين السابقين الذين رأوا فيها فرصة لترسيخ التكامل بين الأجيال. وأكد أن الهدف منها هو تقديم رمز يعكس الاعتراف بدور الشباب باعتبارهم روّاد المستقبل العلمي للعالم الإسلامي.

في نسختها الأولى، حاز ثلاثة باحثين شباب من إيران وتركيا وماليزيا على هذا التكريم، وذلك في احتفال خاص استضافته أكاديمية العلوم الإيرانية قبل يومين من الحفل الختامي. وقد مُنح كل فائز الميدالية المميزة إلى جانب جائزة مالية قدرها 10 آلاف دولار.

يرى مراقبون أن تخصيص هذه الميدالية يشكل خطوة واعدة لردم الهوّة بين الأجيال العلمية، وتعزيز الصلة بين المخضرمين من العلماء والشباب الواعدين. كما أنه يعكس حرص منظمي الجائزة على استدامة مسيرة البحث العلمي والابتكار، من خلال تمهيد الطريق أمام جيل جديد من القادة العلميين في العالم الإسلامي.

كما سبقت الإشارة، مثّل حفل توزيع جوائز المصطفى ذروة فعاليات “أسبوع الجائزة”، غير أن أيام ما قبل الحفل لم تخلُ من زخمٍ علمي وثقافي متنوع، صُمِّم خصيصا لتعزيز التبادل المعرفي وبناء شبكات تعاون بين الضيوف المحليين والدوليين.

من أبرز هذه الفعاليات الملتقى العلمي( STEP برنامج تبادل العلم والتكنولوجيا)، حيث نُظّمت ورش عمل وجلسات حوارية وندوات تناولت موضوعات راهنة مثل: “من هجرة العقول إلى دوران العقول” و”علوم المستقبل وتكنولوجياته”.

كما أقيمت برامج خاصة تحت عنوان “مراقبو جائزة المصطفى”، تضمنت زيارات علمية وجلسات تفاعلية لتمكين الجمهور والطلاب من التعرف عن قرب إلى أحدث منجزات العلوم. وعلى هامش الحدث، انعقدت الدورة الثالثة عشرة لمجلس السياسات العليا للجائزة بمشاركة شخصيات علمية من داخل وخارج إيران، إلى جانب الاجتماع الثالث للهيئة الاستشارية لمؤسسة المصطفى.

ومن الجلسات اللافتة كذلك ندوة الوقف وتطوير العلوم والتكنولوجيا، التي خُصصت لبحث دور الأوقاف العلمية في دعم التنمية داخل بلدان العالم الإسلامي. أما على الصعيد الاجتماعي، فقد نُظمت مأدبة عشاء رسمية في منطقة الابتكار ببارديس، شكلت فرصة ذهبية للتواصل غير الرسمي بين العلماء وصنّاع القرار. وفي اليوم التالي للحفل الختامي، أُعدّ برنامج ثقافي-سياحي للضيوف الأجانب، تضمن جولة ميدانية وزيارة إلى مسابقة النور العلمية المخصصة لطلاب المدارس.

هذا الزخم من الأنشطة أظهر أن جائزة المصطفى لم تعد مجرد احتفال سنوي لتوزيع الجوائز، بل غدت أسبوعا علميا-ثقافيا دوليا يحتل مكانة بارزة في الرزنامة الأكاديمية لإيران والعالم الإسلامي.

Image

وخلال ست دورات متتالية، أثبتت الجائزة قدرتها على تحقيق أهدافها المعلنة وإحداث تأثير ملموس في ثلاثة مستويات متداخلة: العلمي، والثقافي، والدولي. إذ يبين استعراض قائمة الفائزين وإنجازاتهم أن الجائزة تحولت فعلا إلى واجهة لأبرز الإسهامات في ميادين العلم والتكنولوجيا بالعالم الإسلامي.

ويرجع ذلك إلى صرامة معايير التحكيم التي تركز على الإبداع الاستثنائي، وتوسيع آفاق المعرفة، وإنتاج نتائج قابلة للنشر أو التحويل إلى منتجات عملية، مع إحداث أثر حقيقي في مواجهة التحديات العلمية والاجتماعية.

ولعل تنوع المجالات التي شملتها الأبحاث الفائزة خير دليل على شمولية الجائزة: من الطب والصحة (كاللقاحات الحديثة للسرطان، ونظم الدواء الذكية، والتقنيات السريعة لتشخيص الأمراض، وتحسين عمليات زرع الأعضاء) إلى الطاقة والبيئة (الأغشية المتطورة لتحلية المياه، والتقنيات الجديدة للحد من التلوث)، مرورا بعلوم المعلومات والاتصالات (الخوارزميات المتقدمة والاتصالات البصرية)، وصولا إلى النظريات الأساسية في الفيزياء.

هذا الاتساع في الحقول العلمية يعكس غنى المشهد المعرفي في العالم الإسلامي. فجائزة المصطفى، من خلال إبراز هذه المنجزات ونشرها، أسست لنفسها مرجعية رائدة في تشجيع البحوث المبتكرة والطليعية. وكما أوضح مهدی صفاری‌نیا، فإن إبداعات الفائزين لم تقتصر على توسيع حدود المعرفة النظرية، بل امتدت لتطبيقات عملية ملموسة في تحسين الصحة العامة، وحماية البيئة، وتطوير التكنولوجيا الحديثة. ومن ثم، جعلت اللجنة معيار الأثر المباشر في حياة الإنسان من أهم ركائز عملية الاختيار.

هذا النهج العملي-التطبيقي منح الجائزة بُعدا خاصا؛ إذ لم تظل أسيرة البحوث النظرية البحتة، بل سلطت الضوء على الابتكارات والتقنيات القادرة على حل مشكلات الإنسان اليومية والارتقاء بجودة الحياة. وهو توجه يتناغم مع احتياجات بلدان العالم الإسلامي الساعية إلى توظيف العلم في خدمة التنمية الشاملة والرفاه المجتمعي.

أما بعدها الثقافي، فيتجلى ابتداء من اسمها؛ فالجائزة إذ تحمل اسم النبي محمد المصطفى، تؤكد الرسالة القائلة بأن العلم والإيمان في الحضارة الإسلامية كانا متلازمين دوما، ولا يزالان قادرين على التقدم معا في الحاضر. وفي وقت قد يشعر فيه بعض الشباب في بلدان إسلامية بوطأة الفجوة العلمية مع الدول المتقدمة، تأتي الجائزة لتذكرهم بالإرث العلمي المشرق للمسلمين، وتثبت أن ذلك المجد لا يزال ممتدا حتى يومنا هذا.

إن انعقاد الحفل في طهران بمشاركة علماء من مختلف أقطار العالم الإسلامي يبعث أجواء شبيهة بـ دور العلم في العصر الذهبي للإسلام، حيث كان العلماء من قوميات وأديان شتى يلتقون لتبادل المعارف. كما شدد حسين أفشين في كلمته، فإن الوحدة الإسلامية اليوم تتحقق عبر تبادل المعرفة والبنية التحتية العلمية، وجائزة المصطفى هي التجسيد العملي لهذه الوحدة.

وللجائزة أيضا رسالة ثقافية متجذّرة في تراث الوقف العلمي؛ إذ إن تمويلها قائم على مساهمات الموقوفات والخيرين في مجالي العلم والتكنولوجيا. بل إن «أسبوع الجائزة» يتضمن فعالية مخصصة لنشر ثقافة الوقف العلمي. وهذا يعيد للأذهان تجربة المدارس والمرصدات الإسلامية القديمة التي كانت تعتمد على الأوقاف الشعبية. وفي السياق ذاته، يأتي وسام خادم المصطفى تكريما للواقفين والداعمين للعلم.

بُعد آخر لا يقل أهمية هو الإلهام الموجَّه إلى الأجيال الصاعدة. فقد أُطلقت «ميدالية العالم الشاب» إلى جانب فعاليات موجهة للطلاب (مثل مسابقة النور أو برنامج الرصد). وبذلك، تؤكد الجائزة أنها ليست معنية فقط بتكريم الرواد والمخضرمين، بل تسعى إلى إشعال جذوة الشغف بالعلم لدى الشباب وربط جسور متينة بين الأجيال.

Image

جائزة المصطفى تسد فجوة كبرى في العالم الإسلامي 

تمكّنت جائزة المصطفى من ملء الفراغ الواضح لغياب جائزة علمية مرموقة في العالم الإسلامي، وأصبحت وسيلة بارزة من وسائل الدبلوماسية العلمية. فهذا الحدث، الذي يُنظَّم كل عامين، يجمع علماء بارزين من عشرات الدول ويوفر لهم مساحة للحوار والتعاون وتبادل الخبرات.

وتحظى الجائزة بحضور لافت لممثلي مؤسسات علمية ودولية مرموقة، مثل منظمة التعاون الإسلامي (كومستك)، وبنك التنمية الإسلامي، وأكاديميات العلوم في عدد من الدول، إلى جانب هيئات علمية عالمية. ففي الدورة الأولى مثلا، شارك رئيس بنك التنمية الإسلامي من السعودية، ورئيس أكاديمية العلوم في العالم الإسلامي من الأردن، والأمين العام لـ«كومستك»، ورئيس المؤسسة العلمية لمنظمة «إيكو»، والمدير العام لمركز «إرسيكا» التابع للتعاون الإسلامي.

هذا المستوى من المشاركة يعكس أن جائزة المصطفى تحظى بدعم واهتمام يتجاوز حدود إيران. ففي الدورة السادسة، حضر رئيس الأكاديمية العالمية للعلوم (TWAS) شخصيا، حاملا معه رسالة التضامن العلمي العالمي.

كما أن العديد من الفائزين بهذه الجائزة يعملون في أعرق الجامعات والمعاهد البحثية الغربية، من «هارفارد» و«MIT» إلى «برينستون» و«بركلي» و«ماكس بلانك». وحضورهم إلى طهران لنيل هذه الجائزة يحظى بتغطية إعلامية واسعة، ويُعيد اسم Mustafa Prize إلى الساحة الأكاديمية الدولية. وقد وصفت وسائل إعلام أجنبية هذه الجائزة بأنها «جائزة نوبل الإسلامية»، فيما أطلقت مجلة Science عام 2016 عليها لقب «نوبل المسلمين»، ورأت مجلة Nature أن استحداثها يعكس تنامي أهمية العلم في إيران وسعيها لتعزيز التعاون العلمي مع شعوب أخرى.

لقد نجحت إيران في تقديم نفسها كداعم رئيسي للعلم والتكنولوجيا في العالم الإسلامي. ففي وقت يرتبط فيه حضور إيران الإعلامي غالبا بالسياسة والنزاعات، تأتي استضافة حدث علمي عالمي المستوى يحمل اسم النبي محمد لتقديم صورة إيجابية عن البلاد، تتجاوز حدود السياسة نحو المستقبل العلمي والإنساني. وبذلك، أصبحت جائزة مصطفى واحدة من أدوات الدبلوماسية العامة الأكثر نجاحا لإيران على الساحة الدولية، ناقلة رسالة سلام وتعاون وتقدّم علمي.

Image

من حدث ناشئ إلى منارة علمية ناضجة

بعد ست دورات متتالية، لم تعد جائزة المصطفى حدثا وليدا، بل بلغت مرحلة من النضج وأظهرت نتائج ملموسة. فقد جرى تكريم 22 عالما بارزا من أكثر من عشر دول في العالم الإسلامي، وتشكّلت شبكة علمية قيّمة، كما خلقت الجائزة موجة من الأمل والثقة بالنفس بين الباحثين المسلمين. وكما أكد البروفيسور محمد تونر في كلمته، فإن تأثير هذه الجائزة في المجتمع العلمي الدولي تجاوز التوقعات، ونيلها يُعد شرفا كبيرا لأي عالم.

ومع ذلك، فإن الطريق أمام الجائزة لا يخلو من التحديات؛ بدءا من ترسيخ مكانتها الدولية، والحفاظ على مشاركة مختلف الدول رغم الخلافات السياسية، مرورا بضمان مصادر تمويل مستدامة عبر الأوقاف، وصولا إلى صون نزاهة الاختيار بحيث يبقى بعيدا عن أي اعتبارات غير علمية. ومع ذلك، يظل الأفق مشرقا، إذ إن مبادرات مبتكرة كـ«ميدالية العالِم الشاب» تعكس حرص القائمين على الجائزة على مواكبة التطورات والتجديد المستمر.

كما أن اتساع شبكة الفائزين مع كل دورة جديدة يفتح الباب أمام تعاونات علمية إضافية بين دول العالم الإسلامي. وقد نجحت مؤسسة المصطفى بالفعل في إطلاق عدة مشروعات مشتركة، ومنح بحثية، ومختبرات شبكية تجمع العلماء المسلمين.

وعلى الصعيد الأوسع، تُجسّد جائزة مصطفى نهضة تجعل من العلم محورا للوحدة والتقدم في العالم الإسلامي. وكما يرفع شعار المؤسسة: «العلم هو أملنا الأكبر لمستقبل أكثر إشراقا»؛ أملٌ باتت جائزة المصطفى تسهم في إيقاد شعلته في قلوب العلماء وشعوب الأمة الإسلامية.