- زاد إيران - المحرر
- 663 Views
ترجمة: ساره شعبان المزين
في تقارير صادرة عن عدة صحف إيرانية، الخميس 2أكتوبر/تشرين الأول 2025، فجّر رئيس البرلمان الإيراني محمدباقر قاليباف جدلا واسعا بعدما حذّر من خطط الحكومة لرفع أسعار البنزين.
وأشارت الصحف إلى أن مثل هذه الخطوة لن تعالج الاختلالات القائمة، بل ستؤدي إلى موجة جديدة من التضخم وزيادة الأعباء المعيشية على المواطنين، في وقت يعاني فيه الشارع من الغلاء وارتفاع تكاليف الحياة اليومية.
ولم تمرّ تصريحاته مرور الكرام، إذ فتحت الصحف الأصولية النار عليه متهمة إياه بإثارة القلق بين الناس وتأجيج المخاوف من تكرار سيناريو احتجاجات نوفمبر/تشرين الثاني 2019، التي اندلعت شرارتها الأولى بسبب رفع أسعار البنزين، وبين تحذيرات البرلمان وانتقادات الإعلام، يتجدد الجدل حول واحد من أكثر الملفات حساسية في إيران، حيث تتقاطع فيه الأبعاد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
العدالة في توزيع البنزين
وفق ما ذكر موقع اقتصاد أونلاين ارتفع الاستهلاك اليومي للبنزين في البلاد من نحو 122 مليون لتر في عام 2024 إلى أكثر من 145 مليون لتر، وذلك في وقت تُقدَّر فيه الطاقة الإنتاجية المحلية بنحو 110 ملايين لتر يوميا، هذا الخلل بين الإنتاج والاستهلاك جعل استيراد البنزين أمرا لا غنى عنه.

وحسب موقع تابناك، أكد محمد باقر قالیباف، رئيس البرلمان الإيراني، في جلسة علنية للبرلمان، الثلاثاء 30 سبتمبر/أيلول 2025، أن برنامج التنمية السابع يشكل الوثيقة الوطنية الوحيدة التي تمثل ميثاق الجميع، ويجب على الحكومة والبرلمان الالتزام بتنفيذه، مشددا على أن الرقابة على البرنامج ليست مسارا لتعديله.
وأشار قالیباف إلى أن الحكومة وصفت بعض أحكام البرنامج بأنها غير قابلة للتنفيذ، وهو أمر غير صحيح، مؤكدا ضرورة أن تقدم الحكومة مشاريع قوانين في حال رغبتها بعدم تنفيذ أي حكم.

وأوضح أن المادة ١٠٥ من البرنامج تمنع الحكومة من إنتاج الخدمات أثناء التنفيذ، وأن أي مخالفة لذلك تُعدّ تصرفا غير قانوني في المال العام، داعيا إلى البحث عن بدائل لتقليص حجم الحكومة وتقليل النفقات الجارية.
كما انتقد ما وصفه بـ”خلل آلية تخصيص الاعتمادات”، مشيرا إلى أن أكثر من عشرين مليار يورو (حوالي 21.2 مليار دولار أمريكي) خصصت للسلع الأساسية والخدمات الصحية، لكنها لم تصل إلى أهدافها المنشودة.
وفيما يتعلق بملف البنزين، أعرب قالیباف عن انتقاده لسياسة الدعم، موضحا أن “البنزين يُشترى بأسعار تتراوح ما بين 1.19 – 1.43 دولار أمريكي للتر الواحد، ويُباع للمواطنين بأسعار تتراوح بين 0.05 – 0.07 دولار أمريكي، مما يستدعي اتخاذ تدابير مناسبة”، مؤكدا أن “غياب تحسين الأداء خلال الأشهر الستة الماضية أفقد البلاد فرصة إضافة خمسة إلى ستة مليارات دولار إلى القدرة الاستثمارية”.

وختم بالقول إن اللجان المختصة مطالبة بدراسة التقرير بجدية ومتابعته، وإن أي تعديل على البرنامج سيتم بالتعاون بين البرلمان والحكومة، مع التأكيد على أن قضايا المعيشة وتوفير السلع الأساسية والطاقة والمياه وتطوير الشبكة الوطنية للمعلومات من أولويات العمل.
انتقادات حادة
وبحسب ما ورد في تقرير صحيفة “جوان” الإيرانيّة، أثارت تصريحات قاليباف حول رفع أسعار البنزين جدلا واسعا، حيث اعتبرت الصحيفة أن التصريحات الأخيرة لرئيس البرلمان في جلسة عامة بشأن سعر البنزين والحاجة إلى اتخاذ تدابير لتعويض الفجوة بين شرائه وبيعه، أثارت مرة أخرى إنذار الخطر بشأن إثارة قضية أسعار البنزين الحساسة، حيث إن طرحه لرفع الأسعار يفتقر إلى دراسة كافية للبنية التحتية والآثار الاجتماعية والاقتصادية.

وأشارت إلى غياب تطوير النقل العام وإنتاج السيارات منخفضة الاستهلاك، إضافة إلى نقص برامج تثقيف المجتمع حول الاستهلاك الأمثل، مما يجعل رفع الأسعار خطوة غير منسجمة مع منطق الحوكمة الرشيدة.
كما لفتت الصحيفة إلى أن نظام دعم البنزين الحالي غير عادل، إذ إن نصف الأسر الإيرانية لا تمتلك سيارات وبالتالي لا تستفيد من الدعم، بينما تستفيد نسبة قليلة تمتلك أكثر من سيارة من حصة كبيرة منه، ورأت أن هذا الخلل يستدعي إعادة النظر في آلية التوزيع لضمان العدالة الاجتماعية.
وحذرت من تكرار تجربة نوفمبر/تشرين الثاني 2019، التي شهدت احتجاجات واسعة إثر رفع الأسعار المفاجئ، معتبرة أن رفع البنزين في ظل غياب الإصلاحات سيزيد من الاحتقان الاجتماعي، ويزيد من الأعباء على المواطنين.
كما انتقدت عدم التزام الحكومة بتنفيذ واجباتها القانونية ضمن الخطة الخمسية السابعة، مثل تحديث أسطول النقل العام، وتشجيع إنتاج السيارات الاقتصادية والكهربائية، إضافة إلى غياب جهود تثقيف المجتمع حول استهلاك الطاقة.

كما تؤكد صحيفة “جوان” أن رفع أسعار البنزين من دون إصلاحات شاملة يُعد بمثابة “اللعب بالنار”، ويهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، مطالبة بإيجاد بدائل عادلة قبل أي تغيير في سياسات الدعم.
أزمة البنزين في إيران
ذكر موقع فرارو عن رفع أسعار البنزين، لا سيما في ظل الظروف الراهنة التي ما زالت تعاني من إهمال تطوير البنى التحتية للنقل العام، وعدم إنتاج السيارات منخفضة الاستهلاك، ونقص البرامج التوعوية لترشيد الاستهلاك، لن يحل أية مشكلة قائمة، بل قد يثير موجة من الاستياء الاجتماعي.
الحل الأمثل لإدارة استهلاك البنزين يكمن في تخصيص حصص عادلة لكل فرد عبر نظام “الكود الوطني”، وهو المقترح الذي تم طرحه مرارا خلال العامين الماضيين، ويقضي هذا النظام بمنح كل فرد لترا واحدا من البنزين المدعوم يوميا بسعر محدد يبلغ نحو 0.036 دولار أمريكي، أي ما يعادل نحو 30 لترا شهريا لكل فرد.
وفي حال عائلة مكونة من أربعة أفراد، يصل ذلك إلى 120 لترا شهريا، وهو ما يكفي لتلبية احتياجاتهم اليومية وفقا لأنماط الاستهلاك السائدة.
وفيما يتجاوز الاستهلاك هذا الحصص، يقترح طرح البنزين بأسعار أعلى، بما يحقق ترشيد الاستهلاك، ويوفر موارد مالية للاستثمار في تحسين كفاءة استهلاك الوقود، ويخفف العبء الاقتصادي على الشرائح الأكثر ضعفا.
وتبرز أهمية هذا في كونه يصحح خللا كبيرا في نظام دعم البنزين الحالي، حيث تشير الدراسات إلى أن 50% من الأسر الإيرانية لا تمتلك سيارات، وبالتالي لا تستفيد من الدعم، في حين أن نسبة ضئيلة تملك أكثر من سيارة تستفيد من حصة كبيرة منه، ويسمح نظام “الكود الوطني” للعائلات غير المالكة للسيارات ببيع حصتها أو منحها للآخرين، ما يعزز العدالة الاجتماعية.

من ناحية أخرى، يدفع من يستهلكون كميات أكبر، خاصة العائلات الميسورة التي تمتلك عدة سيارات، أسعارا أعلى للبنزين، ما يشكل حافزا طبيعيا لترشيد الاستهلاك، وبالتالي، يستفيد من هذا النظام أكثر من سبع من أصل عشر شرائح اجتماعية، أي غالبية المجتمع.
فالواقع يشير إلى أن كثيرا من المدن، لا سيما الصغيرة والمحرومة، تعاني من ضعف النقل العام، بينما في العاصمة طهران، يعاني المترو والحافلات من الازدحام الشديد، مما يدفع الكثيرين لاستخدام سياراتهم الخاصة، وفي ظل غلاء البنزين، فإن هذه الفئات ستواجه أعباء إضافية، في ظل غياب بدائل نقل مناسبة.
وتحذر التجارب السابقة من تكرار تجربة نوفمبر/تشرين الثاني 2019، التي سبقت احتجاجات واسعة إثر رفع الأسعار بشكل مفاجئ، معتبرة أن هذا المسار من دون إصلاحات شاملة يعيد نفس السيناريو المؤلم.
لذلك، المطلوب إلزام الحكومة بتنفيذ ما ورد في الخطة الخمسية السابعة، من تحديث أسطول النقل العام، وتشجيع إنتاج السيارات الاقتصادية والكهربائية، وتثقيف المجتمع بأساليب ترشيد الطاقة.
رفع أسعار البنزين لا يقتصر أثره على زيادة تكلفة الوقود فحسب، بل ينعكس على ارتفاع أسعار جميع السلع والخدمات، ما يضيف عبئا إضافيا على المواطنين، ويزيد من معدلات التضخم.
لذلك، يعد نظام تخصيص البنزين عبر الكود الوطني هو الحل العادل الذي يحقق التوازن بين ترشيد الاستهلاك والحفاظ على العدالة الاجتماعية، ويحد من التوترات الاجتماعية، ويعيد ثقة الناس في السياسات الحكومية.

