الذكاء الاصطناعي يرسم ملامح جديدة لإيران

الذكاء الاصطناعي

ترجمة دنيا ياسر نورالدين 

تناول الإعلام الإيراني، مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2025، موجة متصاعدة من النقاشات حول اتساع حضور الذكاء الاصطناعي في حياة الإيرانيين، وأشارت تقارير إلى أن هذه التقنيات لم تعد حكرا على المؤسسات البحثية أو القطاعات الصناعية، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، واستحوذت علي كثير من المجالات، واعتبر محللون أن هذا التوسع يعكس توجها رسميا ومجتمعيا نحو تبني أدوات الذكاء الاصطناعي باعتبارها رافعة أساسية للتنمية والتنافس الإقليمي والدولي.

الذكاء الاصطناعي في الطب والتجميل

ذكر موقع انتخاب الإيراني أنّ دخول الذكاء الاصطناعي إلى القطاع الطبي غيّر المعادلة جذريا، إذ أصبح أداة رئيسية لتقليل الأخطاء الطبية التي تودي بحياة الملايين سنويا، عبر قدرته على تحليل كميات ضخمة من البيانات الطبية والصور والفحوصات في وقت قصير وبدرجة عالية من الدقة، بعيدا عن الإرهاق أو التحيز البشري.

وأشار إلى أن التقنية نفسها أحدثت ثورة في مجال التجميل، حيث تمنح المرضى فرصة رؤية محاكاة ثلاثية الأبعاد دقيقة لنتائج العمليات، مثل جراحة الأنف أو تعديل ملامح الوجه، قبل اتخاذ القرار النهائي، هذه الخطوة تقلل من الاندفاع العاطفي، وتساعد الأفراد على تجنّب القرارات الخاطئة أو الشعور بالندم بعد الخضوع للعملية.

كما أشار إلى أن الذكاء الاصطناعي قادر على تحديد مدى ملاءمة الشخص لإجراء تجميلي أو علاجي معيّن، من خلال تحليل بياناته الشخصية والطبية والتاريخ الصحي، بل يقترح بدائل علاجية أكثر أمانا أو أقل تداخلا إذا لزم الأمر.

Image

مخاطر الذكاء الاصطناعي على الخصوصية الطبية

وفي هذا الصدد أيضا ذكرت صحيفة عصر إيران أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في المجال الصحي يثير جدلا واسعا بين الخبراء، خصوصا فيما يتعلق بمدى أمان هذه التطبيقات، وأشارت الصحيفة إلى تحذير الدكتور “مك لين” من أن الروبوتات التوليدية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي لا تخضع حتى الآن لقوانين حماية خصوصية البيانات الطبية مثل قانون HIPAA، ما يعني أن إدخال أي معلومات صحية شخصية إلى هذه المنصات قد يؤدي إلى تسربها إلى جهات غير معروفة.

وتابعت الصحيفة موضحة أن من الضروري، عند الاطلاع على الملخصات الطبية التي تنتجها تقنيات الذكاء الاصطناعي عبر محركات البحث مثل “جوجل”، التأكد مما إذا كانت صادرة عن مجلة علمية مرموقة أو مؤسسة طبية معترف بها، إلى جانب مراجعة تاريخ تحديثها.

وأكدت أن توصيات الصحة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي قد تكون محفوفة بالمخاطر، ولا يمكن أن تكون بديلا عن استشارة الأطباء المرخصين، مشيرة إلى أن روبوتات الدردشة قد تقدم معلومات قديمة أو مضللة أو عامة للغاية، كما شددت على أن الاستخدام الأمثل لهذه الأدوات ينبغي أن يقتصر على اكتساب المعرفة العامة، مع ضرورة مناقشة أي نصيحة طبية يتم الحصول عليها عبر الذكاء الاصطناعي مع الطبيب المختص.

Image

الذكاء الاصطناعي ولغة الإشارة لخدمة الصم في إيران

أفادت وكالة أنباء نادي صحفيين الشباب بأن زهرا نوع‌ برست، مديرة مكتب التأهيل في منظمة بهزيستي، أكدت الدور المتنامي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في تحسين حياة الصم وضعاف السمع في إيران، وأوضحت أن الأجهزة المساعدة في مجال السمع تشمل السماعات، البطاريات، أجهزة تكبير الصوت وزراعة القوقعة، فيما يعمل الخبراء اليوم على إدماج الذكاء الاصطناعي والبرمجيات لتطوير حلول أكثر فاعلية.

وأضافت أن دولا أخرى تمكنت من توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في ترجمة الكلام إلى نصوص فورية، بينما يجري حاليا تطوير تطبيقات لتحويل لغة الإشارة إلى نصوص أو كلام مسموع، وأشارت إلى أن مشاريع مشابهة تُختبر في دول مثل السويد وألمانيا واليابان، بهدف تحويل حركات اليد وتعبيرات الوجه إلى خطاب منطوق.

وشددت على أن الأسبوع العالمي للصم تضمن يوما مخصصا لمناقشة خدمات الترجمة ولغة الإشارة، حيث يُعوَّل على تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتوفير خدمات الترجمة الفورية في أماكن حساسة مثل المستشفيات، والمحاكم وأقسام الشرطة، دون الحاجة إلى وجود مترجم بشري دائما.

Image

الذكاء الاصطناعي لتنظيم المياه والطاقة والإنقاذ

أفادت وكالة أنباء إيرنا بأن الذكاء الاصطناعي أيضا دخل بقوة إلى مجالات المياه والطاقة والإنقاذ، حيث يسعى النائب العلمي للرئيس الإيراني إلى توظيف هذه التقنيات في الرصد الذكي، والتوزيع الأمثل للموارد، وإدارة المخاطر المناخية، وتعزيز الإدارة الذكية للأزمات.

 كما يهدف الذكاء الاصطناعي إلى مراقبة المعدات في قطاع الطاقة، وتحسين إدارة الأصول، والكشف عن عمليات تهريب الوقود، إضافة إلى استخدام الروبوتات والطائرات المسيّرة في مهام الإغاثة والإنقاذ.

وأن هذه المبادرة البحثية، التي أطلقتها النائبة العلمي للرئيس الإيراني، تُلزم المشاريع المقدمة بأن تكون مبنية على بيانات وأجهزة استشعار متوفرة، وأن تُنفّذ خلال فترة لا تتجاوز 12 شهرا، كما شددت على أهمية إشراك شركات المعرفة والجامعات ومراكز الأبحاث لضمان تطوير حلول عملية قابلة للتنفيذ.

وأضافت إيرنا أن الأولويات في مجال المياه تشمل: الاستخدام الذكي للسدود والمخازن إلى جانب الرصد والتوزيع، بينما تركز في قطاع الطاقة على الكهرباء والنفط والغاز، أما في مجال الإغاثة والإنقاذ، فيتم التركيز على الإدارة الذكية للخدمات العامة واستخدام التكنولوجيا لتعزيز سرعة الاستجابة في الكوارث.

وذكرت الوكالة أن الهدف النهائي لهذه المبادرة هو تعميق تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المجالات الحيوية التي تمس حياة المواطنين مباشرة، مع تشجيع الابتكار وتقليل المخاطر الاستثمارية وبناء منظومة وطنية قائمة على البيانات والتكنولوجيا المتقدمة.

Image

الذكاء الاصطناعي يقود تحولات الاتصالات في إيران

وفي سياق مواز، أوضحت صحيفة ارمان امروز أن الذكاء الاصطناعي دخل بقوة إلى قطاع الاتصالات الإيراني، حيث أُنشئ مركز لتطوير الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة في شركة الاتصالات، بهدف الانتقال من الهياكل التقليدية إلى البنى الذكية، وتطوير خدمات الاتصالات، ودعم الشركات الناشئة في مجالات البيانات الضخمة والرؤية الحاسوبية والواقع الافتراضي والمعزز.

ونقلت الصحيفة عن مرتضى بهرامي، نائب مدير تكنولوجيا المعلومات بالشركة، قوله إن المركز بدأ بالفعل في مشاريع تشمل الأتمتة الذكية، والحوسبة السحابية، ومعالجة البيانات باستخدام وحدات GPU، مؤكدا أن إنشاء هذا المركز يعد ضرورة استراتيجية، لأن معظم الشركات المحلية ما زالت في المراحل التجريبية، بينما الشركات العالمية قطعت خطوات كبرى في هذا المجال.

وأشار بهرامي إلى أن أبرز أهداف المركز تتمثل في: تسريع الابتكار، تحسين تجربة العملاء، رفع كفاءة الشبكات والاتصالات، وتعزيز الأمن السيبراني.

Image

تحولات الذكاء الاصطناعي في التصميم الغرافيكي

أوضحت  وكالة أنباء خبر أونلاين، في تقرير لها، أن الذكاء الاصطناعي أحدث تحولات جوهرية في مجال التصميم الغرافيكي، إذ لم يعد مجرد أداة مساعدة، بل بات يعيد تعريف طبيعة المهنة نفسها، من حيث الإبداع، الأدوات، وحل المشكلات.

وذكرت الصحيفة أن هذا الموضوع كان محور ندوة نظمها اتحاد مصممي الغرافيك الإيرانيين، حيث ناقش متخصصون وأساتذة جامعات كيف غيّر الذكاء الاصطناعي أساليب عمل المصممين، وفتح أمامهم فرصا جديدة لكنه في الوقت نفسه طرح تحديات مهنية وأخلاقية معقدة.

في هذا السياق، قال ميثم روشني، الباحث والأستاذ الجامعي، إن الذكاء الاصطناعي يقود إلى ما سماه «اقتصاد الخيال»، موضحا أن هذه التكنولوجيا توسع من إمكانيات المصممين وتعيد تشكيل اقتصاديات مهنتهم. 

واعتبر أن الجمعيات المهنية يجب أن تلعب دور الوسيط مع مؤسسات دعم التكنولوجيا، مؤكدا أن إبداع الآلة ليس بديلا عن الإنسان بل امتدادا له.

أما محمد سليمي، المصمم الغرافيكي، فقد تحدث عن تجربته المباشرة مع هذه الأدوات، مشيرا إلى أن العملاء في إيران أبدوا ترحيبا ملحوظا باستخدامها في مشاريع التصميم، لكنه حذر من أن أدوات المستقبل قد لا تقتصر على تعزيز الجانب الفني، بل قد تمتد إلى جوهر العملية الإبداعية، أي حل المشكلات المعتمد على البحث.

وأشارت “خبر اونلاين” إلى البيان الختامي لاتحاد المصممين، الذي اعتبر الذكاء الاصطناعي أكبر تحدّ في تاريخ المهنة، ودعا العاملين في المجال إلى الانخراط السريع في إعادة صياغة هوية المهنة وصونها من الاندثار تحت وطأة التحولات التكنولوجية المتسارعة.

Image

تسارع استهلاك الذكاء الاصطناعي قد يخلق فجوة قيمية في المجتمع الإيراني 

في هذا الصدد، ذكرت صحيفة جماران أن الذكاء الاصطناعي بدأ يتخذ موقعا متقدما في حياة الإيرانيين، حتى إنه أصبح تدريجيا بديلا عن محرك البحث “جوجل” عبر استخدام الدردشات الذكية.

وأشارت الصحيفة إلى أن الاستطلاعات التي أجراها مركز “إیسبا” توضح أن الاستخدامات التعليمية والبحثية تأتي في المرتبة الثانية عالميا، فيما يعتمد عليها العديد من الطلاب والباحثين الإيرانيين لإنجاز أعمالهم الأكاديمية.

وتابعت الصحيفة أن في إيران يتجاوز الأمر حدود التعليم، حيث يلجأ ما يقارب 10% من المستخدمين إلى الذكاء الاصطناعي لأغراض استشارية في شؤون الحياة أو حتى في المجال الطبي، وهو ما يعادل أكثر من مليوني شخص، وأكدت أن هذه الأرقام تكشف تحولا عميقا في أنماط الاستهلاك الرقمي داخل المجتمع الإيراني.

لكن جماران حذرت من أن هذه السرعة في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لم تلقَ استجابة مناسبة من صناع القرار، الأمر الذي قد يؤدي إلى تبعات اجتماعية خطيرة، فمع تزايد لجوء الناس إلى الدردشة مع الروبوتات بدلا من الأطباء والمعالجين النفسيين، أو اعتمادهم عليها بديلا عن المدرسة والجامعة، فإن المجتمع قد يشهد آثارا بعيدة المدى على عملية التعليم الرسمي والتنشئة الاجتماعية.

وأشارت إلى أن هذه التحولات قد تفضي إلى “فجوة قيمية وإدراكية” داخل المجتمع؛ إذ سيظل جزء منه متأثرا بقيم التعليم التقليدي، بينما سينشأ جزء آخر بمنظومة قيم ومعارف مختلفة تماما خارج الأطر الرسمية.

وهنا يتضح من تتبّع حضور الذكاء الاصطناعي في المجتمع الإيراني أنّ هذه التكنولوجيا لم تعد مجرد أداة تقنية مساعدة، بل تحولت إلى عنصر فاعل يُعيد صياغة أساليب التعليم والبحث، ويُغيّر ملامح الفنون والإبداع، ويُسهم في تطوير قطاع الاتصالات، ويمنح الطب والجمال آفاقا جديدة في التشخيص والعلاج، وبينما تَعِد هذه التحولات بفرص غير مسبوقة، فإنها في الوقت نفسه تطرح تحديات معقدة تتعلق بالهوية، والأمن، وصنع القرار.

وفي النهاية، يبقى السؤال: كيف سيؤثر الذكاء الاصطناعي على حياة الإنسان الإيراني في السنوات القادمة؟