- زاد إيران - المحرر
- 686 Views
أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، 29 سبتمبر/أيلول 2025، بشأن اتفاقات إبراهيم، التي قد تكون إيران أيضا عضوا فيها، موجة من الأسئلة حول هذا “الاتفاق الإبراهيمي”.
“من يدري، ربما يمكن لإيران الانضمام إلى اتفاق إبراهيم”، قالها ترامب بابتسامة ماكرة، وكأنه يرمي طُعما في بحر من الشكوك. هذا التصريح، الذي جاء في سياق مناقشات حول خطة سلام جديدة لإنهاء حرب غزة، لم يكن مجرد كلام عابر، بل جزء من حملة نفسية مدروسة تهدف إلى تفكيك التماسك الإيراني من الداخل.. في عالم يشهد تصعيدا في التوترات الإقليمية، يعيد هذا الحدث تذكيرنا بكيف أصبح بناء السرديات أداة حربية، مستلهمة من استراتيجيات العقد الماضي التي شهدت استخدامها لتدمير مجتمعات بأكملها نفسيا، ومع مرور خمس سنوات على اتفاق إبراهيم، الذي غير وجه الشرق الأوسط.
اتفاق إبراهيم: مشروع السلام الذي يخفي سيوفا
يبدو أن ترامب يستغل هذا الإرث ليضع إيران في مأزق فكري، محاولا تحويل “السلام” إلى فخ قاتل. ولنعد إلى جذور القصة، في 15 سبتمبر/أيلول 2020، وقعت اتفاقيات إبراهيم تحت رعاية إدارة ترامب، معلنة تطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، ثم تلتها البحرين والسودان والمغرب، كانت هذه الاتفاقيات، التي سميت تيمنا بالنبي إبراهيم كرمز للوحدة، في الواقع خطوة استراتيجية لتعزيز النفوذ الإسرائيلي في المنطقة، مقابل وعود اقتصادية وأمنية.
اتفاقيات “تحالف إبراهيم”، التي رعتها إدارة ترامب بين عامي 2020 و2021، شكّلت نقطة انعطاف تاريخية، حيث جمعت إسرائيل بدول عربية كالإمارات والبحرين، ثم السودان والمغرب، في مسار تطبيع غير مسبوق منذ معاهدتي مصر (1979) والأردن (1994).
لم تُولد هذه الاتفاقيات من فراغ، بل استندت إلى حوارات سرية امتدت جذورها إلى مفاوضات مدريد وأوسلو في التسعينات، تطورت هذه العلاقات الخفية إلى تحالفات علنية، مدفوعة بحاجات أمنية واقتصادية متبادلة. فقد برزت التنافسات الإقليمية، لا سيما مع إيران، كمحرك رئيسي، إلى جانب سعي إسرائيل لتعزيز شرعيتها الإقليمية، وطموح الدول العربية للاستفادة من التكنولوجيا الإسرائيلية المتقدمة.
هكذا، تشكّل “تحالف عبري عربي” لمواجهة ما يُسمى “محور المقاومة” بقيادة إيران، بهدف الحد من نفوذها الإقليمي، تتجاوز هذه الاتفاقيات مجرد التطبيع، إذ تهدف إلى بناء شبكة إقليمية بدعم أمريكي، تكون إسرائيل فيها لاعبًا مركزيا، يرى البعض أنها قد تُشكل حصارا جيوسياسيًا لإيران، خاصة مع تقارب إسرائيلي محتمل مع دول قريبة من حدود إيران الشمالية، مثل أذربيجان، مما يعزز الضغط العسكري والأمني على طهران ويحد من قدرتها على التأثير في المنطقة.
على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، استهدفت الاتفاقيات مصالح عملية واضحة. بالنسبة لإسرائيل، كانت بوابة لتعزيز شرعيتها الدبلوماسية، اختراق أسواق عربية جديدة، وتوسيع شبكتها الأمنية والاستخباراتية، كما مكّنتها من استعراض تفوقها التكنولوجي في مجالات الأمن، الزراعة، المياه، والتكنولوجيا الرقمية، أما الدول العربية، فوجدت في هذا التحالف فرصة للوصول إلى تقنيات متقدمة، وتعزيز استقرارها الاقتصادي والأمني في مواجهة التحديات الإقليمية، بهذا، تُعد اتفاقيات إبراهيم خطوة جريئة نحو إعادة تشكيل التحالفات في الشرق الأوسط، حيث تتداخل المصالح السياسية والاقتصادية مع الأهداف الأمنية، في محاولة لخلق توازن جديد في منطقة مضطربة.
بحلول عام 2025، وبعد مرور خمس سنوات، شهد الاتفاق تطورات ملحوظة: ارتفاع التجارة بين إسرائيل والإمارات إلى أكثر من 10 مليارات دولار سنويا، وإنشاء مناطق صناعية مشتركة مثل تلك التي بين مصر وإسرائيل، كما أفاد تقرير معهد واشنطن للسياسة الشرق أوسطية، ومع ذلك، لم يخلُ الأمر من عقبات؛ فالحرب في غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 ألقت بظلالها، مما دفع بعض الدول العربية إلى إعادة تقييم موقفها، خاصة مع تهديدات إسرائيل بضم الضفة الغربية، كما حذر تقرير مجلس الأطلسي، ومن جانب إيران، كان الرفض قاطعًا منذ البداية.

في أغسطس/آب 2020، وصف الرئيس السابق حسن روحاني الاتفاق بأنه “خيانة كبرى لفلسطين والمسلمين”، محذرا من أنه سيفتح أبواب الخليج للنفوذ الإسرائيلي، مما يهدد أمن المنطقة، وفي 2025، مع تصاعد التوترات الإقليمية، أكدت طهران موقفها عبر بيانات رسمية، مشددة على أن أي توسع للاتفاق يمثل “انتحارا جماعيا للعالم الإسلامي”، هذا الموقف ليس سياسيا فحسب، بل متجذر في الهوية الثورية للجمهورية الإسلامية، التي ترى في إسرائيل عدوا وجوديا، إضافة إلى ذلك، أظهرت أحداث ما بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول كيف أن الاتفاق لم يحقق السلام الموعود، بل زاد من الاستقطاب، مع ارتفاع الدعم الشعبي للمقاومة في المنطقة.
لغز ترامب: لماذا إيران تحديدا في هذا التوقيت؟
السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا يقترح ترامب انضمام إيران إلى اتفاق يعلم أنه مستحيل؟
الإجابة تكمن في طبقات من الاستراتيجية النفسية، مستوحاة من تاريخ الصراعات السياسية في العقد الماضي..
أولا: حرب نفسية على الرأي العام، هذا التصريح ليس دعوة صادقة، بل محاولة لزرع الشك داخل إيران. هل هناك تيار سري يميل نحو التطبيع؟ هل يخفي النظام شيئًا؟ هذه الأسئلة تثير دوامة من الريبة، مشابهة لكيف استخدمت الولايات المتحدة حملات إعلامية في العراق وسوريا لتفتيت الوحدة الداخلية، في سياق 2025، مع اقتراب الانتخابات الأمريكية، يستغل الرئيس ترامب هذا ليظهر نفسه كصانع سلام، بينما يضعف خصمه.
ثانيًا: اختبار الخطوط الحمراء، أجهزة الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية، مثل الموساد، معروفة باستفزازاتها لقياس الردود، في مؤتمر 29 سبتمبر/أيلول 2025، جاء التصريح بعد نقاشات حول صفقة غزة، مما يشير إلى محاولة لكشف نقاط الضعف الإيرانية، كما أشار تقرير رويترز، فإن ترامب قال ذلك بجانب نتنياهو، الذي بدوره صحح نطق اسم “إبراهيم” بطريقة درامية، لإثارة ردود فعل تكشف عن انقسامات داخلية.
ثالثا: زرع بذور الازدواجية، يعرف ترامب أن إيران تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية، خاصة بعد العقوبات، اقتراح الانضمام يهدف إلى تشجيع بعض الأصوات الإصلاحية على مناقشة “التسوية”، مما يخلق شقاقا، كما حذرت صحيفة خراسان سابقًا، فإن هذا قد يدفع العدو لزيادة الضغوط، مستغلًا التقلبات السياسية، في 2025، مع خطة ترامب الجديدة للسلام – التي تفوق سابقاتها بحسب جيروزاليم بوست – يصبح هذا أكثر خطورة، حيث تشمل دعوات لتوسيع الاتفاق ليشمل دولًا أخرى.
فخ الموساد
هذا السيناريو يشبه تماما استراتيجيات الموساد، التي تسعى منذ سنوات لإثارة الفجوات داخل إيران. ليس الهدف الانضمام الحقيقي، بل تفجير الصراعات الفكرية. تخيل لو أثار هذا نقاشات داخلية: اتهامات متبادلة بين التيارات السياسية، زيادة الشكوك، وانهيار الثقة. هذا بالضبط ما حدث في دول أخرى، مثل لبنان وسوريا، حيث استخدمت إسرائيل الإعلام لتأجيج الخلافات.
الآن، في ظل الوضع الراهن، يجب على المؤسسات الأمنية الإيرانية التحقق من هذه الادعاءات، لا الدوائر الإعلامية، وسائل الإعلام المسؤولة ملزمة بتوعية الجمهور: هذه ليست دعوة سلام، بل عملية نفسية، الوحدة الوطنية أولوية، خاصة مع تهديدات 2025 مثل توسع الاتفاق، الذي قد يشمل دولًا أخرى كما أشار تقرير مجلس الأطلسي.
نحو تدخل مباشر
يرى نتنياهو أن فكرة “إسرائيل الكبرى” ليست مجرد مشروع سياسي، بل هي أيضا رسالة دينية متجذرة في أفكار فلاديمير جابوتنسكي، مؤسس الحركة الصهيونية التصحيحية بتوسيع المستوطنات ورفض حل الدولتين، وهو إطارٌ أوسع وأكثر طموحا من الإطار الذي اقترحه ثيودور هرتزل، مؤسس الصهيونية السياسية، فبينما ركّز هرتزل على إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي، تحدّث جابوتنسكي وأتباعه عن “إسرائيل الكبرى” كرؤية غير قابلة للتفاوض، وهو أفقٌ يرى نتنياهو نفسه اليوم وريثه ومنفذه، يُؤكد نتنياهو هيمنة إسرائيل الكاملة على فلسطين، وينتهج سياسات مثل تهجير الفلسطينيين أو إبادتهم.
ويرى نتنياهو أن تحقيق هذا الهدف يكمن في إنشاء تحالف إقليمي بقيادة إسرائيلية، على غرار الاتحاد السوفيتي أو الاتحاد الأوروبي، من شأنه تعزيز سيادة تل أبيب، بدلا من الاحتلال المباشر، وفي آخر مقابلة له مع شبكة i24 العبرية، أكد رئيس وزراء إسرائيل التزامه الشخصي بفكرة “إسرائيل الكبرى”، وهو مشروع لا يعتبره مجرد خطة سياسية، بل رسالة دينية أيضا، ويصف تحقيقه بأنه استكمال لتضحيات وجهود أجيال سابقة من اليهود.
أخيرا، قد يكون تصريح ترامب جزءًا من مناورة أكبر، مستندا إلى تاريخه في محاولات الإطاحة. في ولايته الأولى، فشل في “الصفقة القصوى” مع إيران، لكنه الآن يستغل الإرهاق الإقليمي، الهدف: تآكل الثقة الشعبية، ممهدا لانهيار نفسي، يعلم ترامب أن إيران لن تقبل اتفاقًا يقوي إسرائيل، لذا يستخدم هذا لجمع معلومات أمنية لتدخلات مستقبلية، في النهاية، يجب على إيران مراقبة هذا “المشروع التخريبي” بعناية، هذا التصريح ليس خبرًا، بل سلاح يهدف إلى الإضعاف، بالوحدة والذكاء، يمكن تحويله إلى فرصة لتعزيز التماسك، في وجه عالم يعتمد على الخداع أكثر من الحقيقة.

