جدل جديد حول الحجاب في إيران: اختبار صعب للعلاقة بين الدولة والمجتمع

جدل جديد حول الحجاب في إيران- صورة مولدة بالذكاء

كتب: الترجمان

يتواصل الجدل داخل إيران حول قانون الحجاب بوصفه أحد أكثر الملفات الثقافية والسياسية حساسية، في ظل تداخل الأبعاد الدينية والاجتماعية والأمنية في هذا النقاش. فبينما ترى تيارات سياسية ودينية أن القانون يمثل ركيزة أساسية لحماية الهوية الثقافية والأمن المجتمعي، يعتبره آخرون موضع خلاف مرتبط بالحريات الفردية وأساليب الإدارة الثقافية. 

وفي الأسابيع الأخيرة، أعادت تصريحات مسؤولين ونواب وشخصيات إعلامية هذا الملف إلى الواجهة، كاشفة عن عمق الانقسام في الرؤى، وعن محاولات رسم إطار أوسع للموضوع يتجاوز مسألة اللباس إلى صراع القيم والاتجاهات داخل المجتمع الإيراني.

الحجاب بوصفه مسألة أمن قومي

في هذا السياق، شدّد مجيد متقي‌ فر، المتحدث باسم «جبهة بايداري»، على أن الهجمات الموجهة ضد قانون الحجاب لا يمكن فصلها عن ما وصفه بـ«مشروع مهندَس من قبل العدو»، هدفه النهائي إضعاف بنية الحكم الإسلامي من الداخل.

ووفق هذا الطرح، لا يُنظر إلى الحجاب باعتباره فريضة دينية فحسب، بل عنصرا من عناصر الأمن المجتمعي والمقاومة الثقافية، يرتبط مباشرة بقدرة النظام على الصمود أمام الضغوط الخارجية.

واستخدم متقي ‌فر استعارة «الأندلس» بوصفها نموذجا تاريخيا لتحذير المجتمع من نتائج ما يعتبره تغييرا تدريجيا في الذائقة الثقافية، قائما على إغراق الشباب في أنماط استهلاكية وشهوانية. 

ويرى أن تحويل الأولويات من رموز القوة، مثل الصواريخ، إلى مظاهر ثقافية دخيلة، من شأنه إضعاف منظومة المقاومة، إلى حدّ أن الوسائل العسكرية نفسها قد تفقد فاعليتها في حماية النظام.

يمثّل توظيف مفهوم «أندلسة المجتمع» في الخطاب المحافظ أداة رمزية قوية، تُستحضر من خلالها سردية الانهيار من الداخل. ويعكس هذا الخطاب قناعة راسخة لدى التيارات الأصولية بأن المعركة الأساسية لم تعد عسكرية أو اقتصادية، بل ثقافية وقيمية.

ومن هذا المنطلق، يُقدَّم الحجاب باعتباره خط الدفاع الأول في مواجهة النفوذ الغربي، لا سيما في ظل توسّع الفضاء الرقمي وتزايد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي.

Image

الجدل حول الفضاء الافتراضي

وفي امتداد لهذا التصور، ربط متقي ‌فر بين الجدل حول الحجاب ومسألة إدارة الفضاء الافتراضي، منتقدا الدعوات إلى رفع القيود الرقمية، ومعتبرا أن هذه المطالب تخدم – بوعي أو بغير وعي – أهدافًا خارجية. 

ويستند هذا الطرح إلى اتهامات متكررة باستخدام المنصات الرقمية في «صناعة الأجواء» وربط أحداث فردية أو وفيات طبيعية بالنظام السياسي، بما يسهم في تأجيج الاحتجاجات وتقويض الثقة بالمؤسسات.

المخاوف الاجتماعية وتبدّل القيم

في المقابل، طرح أبو الفضل إقبالي، النائب السابق في البرلمان، مقاربة أقرب إلى الهمّ الاجتماعي، مشيرا إلى أن قضية الحجاب لا تنفصل عن قلق عام لدى شرائح واسعة من المجتمع بشأن المعايير الأخلاقية والقيم السائدة. 

ولفت إلى أن انفلات قواعد اللباس في بعض المدن الإيرانية بات – وفق تقديره – يتجاوز ما هو موجود في عدد من الدول الأوروبية، معتبرا أن هذا الواقع يثير مخاوف عائلات ترسل بناتها إلى الجامعات، خاصة في العاصمة طهران.

ويمثّل هذا الخطاب محاولة لتأطير النقاش بعيدا عن ثنائية السلطة والحرية، والاقتراب منه من زاوية الطمأنينة الاجتماعية، حيث يُقدَّم الحجاب كجزء من منظومة قيم تحمي الفضاء العام وتخفف من القلق الأسري، لا كأداة قسرية بحتة.

البعد التشريعي والبرلماني

على المستوى التشريعي، برزت مواقف لعدد من النواب في البرلمان الإيراني تؤكد ضرورة المضي في تنفيذ القوانين القائمة. فقد شدّد مرتضى آقا طهراني، رئيس لجنة الثقافة في البرلمان، على أن تعليق تنفيذ قانون العفاف والحجاب يُدخل البلاد في حالة «لا قانونية» مكلفة، مؤكدا أن المجلس مستعد لتصحيح أي ثغرات تشريعية، لكن دون القبول بتجميد القانون بالكامل.

وكشف آقا طهراني عن مسار طويل لإعداد القانون، شمل آلاف الساعات من البحث ومشاركة عشرات الجهات التنفيذية، مشيرًا إلى أن ضعف الالتزام المؤسسي كان أحد أسباب الفجوة بين النص القانوني والتطبيق. ووفق هذا الطرح، فإن الإشكال لا يكمن في أصل القانون، بل في آليات تنفيذه وتردد بعض المؤسسات في تحمّل مسؤولياتها.

المرأة بين التكريم والتشريع

من جانبها، ركزت فاطمة محمد بيكي، العضوة في البرلمان، على ربط ملف الحجاب برؤية أوسع لدور المرأة في المجتمع الإيراني. وقدمت خطابا يجمع بين التكريم الديني والدعم التشريعي، مشيرة إلى قوانين تهدف إلى تعزيز الأسرة ودعم النساء، مثل قانون تشجيع الإنجاب وحماية الأسرة، ومشروع قانون حماية أمن وكرامة المرأة.

وترى بيكي أن الحجاب والعفاف يشكلان جزءا من منظومة متكاملة تسعى إلى صون كرامة المرأة، وليس إلى تقييد دورها الاجتماعي. كما شددت على أن حتى بعض الأسر الأقل التزاما بالحجاب تطالب بوجود إطار ثقافي واضح يواجه مظاهر «الفساد العلني»، ما يعكس – برأيها – وجود طلب اجتماعي على التنظيم، وإن اختلفت أشكاله.

Image

بين القانون والواقع

يكشف مجموع هذه المواقف عن فجوة مستمرة بين النص القانوني والواقع الاجتماعي. فبينما يصرّ المدافعون عن القانون على أبعاده الأمنية والرمزية، يواجه التطبيق العملي تحديات تتعلق بتغيّر أنماط الحياة، وتنوّع المواقف داخل المجتمع، وتأثير العولمة الرقمية.

كما أن ربط الحجاب مباشرة بالأمن القومي يثير تساؤلات حول حدود هذا الربط، ومدى قدرته على إقناع فئات شابة تنظر إلى المسألة من منظور مختلف.

جدير بالذكر أن الجدل حول قانون الحجاب في إيران لا يبدو نقاشا فقهيا أو تشريعيا فحسب، بل هو انعكاس لصراع أعمق حول هوية المجتمع واتجاهاته المستقبلية. فبين خطاب يحذّر من «أندلسة» محتملة، وآخر يركّز على المخاوف الاجتماعية اليومية، وثالث يدعو إلى ضبط المسار القانوني دون فراغ تشريعي، تتعدد المقاربات وتبقى الإشكالية الأساسية قائمة: كيف يمكن التوفيق بين الحفاظ على القيم المعلنة للنظام، والاستجابة لتحولات اجتماعية متسارعة، دون الانزلاق إلى صدام دائم بين الدولة والمجتمع؟

يبقى هذا السؤال مفتوحا، في انتظار مقاربة تتجاوز ثنائية الإلزام والرفض، وتبحث عن صيغة أكثر استدامة لإدارة أحد أكثر الملفات حساسية في المشهد الإيراني.