- زاد إيران - المحرر
- سياسة خارجية, متميز
- 406 Views
في ظل التوترات المتصاعدة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، باتت التصريحات السياسية للقادة الإقليميين جزءا أساسيا من مشهد الصراع الدائر، حيث تتحول الكلمات أحيانا إلى عامل مؤثر في توجيه النقاشات السياسية وإثارة ردود الفعل داخل الدول وخارجها. ومع احتدام المواجهات العسكرية وتزايد الضغوط السياسية، تتفاعل مختلف الأطراف مع أي موقف رسمي يصدر في هذا السياق، سواء عبر التأييد أو الانتقاد أو محاولة تفسير دلالاته السياسية، وغالبا ما تكشف هذه التفاعلات عن طبيعة التوازنات الداخلية في الدول المعنية، كما تعكس حجم التوترات الإقليمية والتنافس الدولي الذي يحيط بالأزمات المتلاحقة في المنطقة.
خطاب بزشكيان المثير للجدل وردود الأفعال المحلية والدولية
في هذا الشأن، أثار خطاب الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، الذي ألقاه السبت 7 مارس/ آذار 2026 وتضمن اعتذارا لدول الجوار بسبب الهجمات الإيرانية التي طالت بعضها، موجة واسعة من الجدل السياسي داخل إيران وخارجها. فقد أعلن بزشكيان في رسالة مصورة أنه يرى من الضروري الاعتذار للدول المجاورة التي تعرضت لهجمات من الجانب الإيراني، مؤكدا أن الجمهورية الإسلامية لا تسعى إلى الاعتداء على جيرانها، وأضاف أن إيران تعتبر الدول المجاورة دولا شقيقة، وأن علاقاتها معها يجب أن تقوم على حسن الجوار والتعاون الإقليمي لا على الصراع العسكري.

كذلك، فقد أوضح بزشكيان خلال حديثه أن بعض العمليات العسكرية التي استهدفت أراضي دول مجاورة جاءت في ظروف استثنائية، مشيرا إلى أن القوات المسلحة الإيرانية تصرفت في بعض الحالات بمبادرة ذاتية، وأعلن إن مجلس القيادة المؤقت ناقش هذه التطورات وقرر أن القوات المسلحة الإيرانية يجب ألا تهاجم الدول المجاورة مستقبلا أو تطلق صواريخ عليها، إلا إذا استخدمت تلك الدول أراضيها لشن هجمات على إيران. وأضاف أن إيران تفضل معالجة التوترات عبر الدبلوماسية، معتبرا أن الحوار هو السبيل الأفضل لمنع توسع الحرب في المنطقة.
على أن هذه التصريحات أثارت ردود فعل واسعة، سواء داخل إيران أو خارجها. فعلى المستوى الدولي، علق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تصريحات بزشكيان معتبرا أنها تعكس استسلام إيران أمام جيرانها في الشرق الأوسط. وقال ترامب إن إيران التي تتعرض لضربات قاسية اعتذرت لجيرانها وتعهدت بعدم إطلاق النار عليهم مجددا، مضيفا أن هذا التعهد جاء نتيجة الضربات المستمرة التي وجهتها الولايات المتحدة وإسرائيل لإيران. كما اعتبر أن إيران لم تعد متنمر الشرق الأوسط، بل أصبحت خاسر الشرق الأوسط على حد تعبيره، محذرا من أن الضربات العسكرية قد تتوسع إذا استمرت التوترات.

وفي داخل إيران، فقد جاءت أبرز ردود الفعل من المؤسسة العسكرية، حيث أصدر مقر خاتم الأنبياء التابع للحرس الثوري بيانا أكد فيه أن القوات المسلحة الإيرانية لم تعتدِ على الدول المجاورة حتى الآن، وأوضح البيان أن العمليات العسكرية الإيرانية تستهدف القواعد والمصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، وأن هذه الأهداف ستظل ضمن نطاق العمليات العسكرية إذا استمرت الهجمات على إيران.

كما أكد البيان أن القوات المسلحة الإيرانية تحترم سيادة الدول المجاورة ومصالحها الوطنية، لكنه شدد على أن القواعد العسكرية الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة ستظل أهدافا مشروعة للعمليات العسكرية الإيرانية في حال استمرار المواجهات.
من جانبه، قال رئيس السلطة القضائية، غلام حسين محسني إيجئي، إن الهجمات على بعض المواقع في المنطقة ستستمر طالما أن تلك المواقع تستخدم ضد إيران. وأضاف أن بعض الدول في المنطقة سمحت باستخدام أراضيها لشن هجمات ضد إيران، مشيرا إلى أن القوات الإيرانية ستواصل استهداف تلك المواقع.

بدوره، أكد علي لاريجاني، الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي، أن إيران سترد على أي هجوم ينطلق من قواعد في المنطقة، معتبرا أن هذا الرد حق مشروع لإيران وسيظل سياسة ثابتة، وداعيا دول المنطقة إلى منع الولايات المتحدة من استخدام أراضيها لشن هجمات ضد إيران، أو أن إيران ستتعامل مع الأمر بنفسها.

كما انتقد عدد من أعضاء البرلمان الإيراني، أغلبهم من التيار الأصولي، تصريحات بزشكيان، فقد وصف النائب محمد منان رئيسي خطاب الرئيس الإيراني بأنه مذل، معتبرا أن اعتذار إيران للدول المجاورة غير مبرر، وأضاف أن هذه التصريحات تظهر الحاجة إلى الإسراع في اختيار قائد جديد للجمهورية الإسلامية.

وفي السياق نفسه، كتب إبراهيم عزيزي، رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، أن جميع القواعد الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة تعد أهدافا مشروعة لإيران في الحرب الجارية، مؤكدا أن الجمهورية الإسلامية لا تضع خطوطا حمراء عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن مصالحها الوطنية.

كما وجه النائب حميد رسائي انتقادات حادة للرئيس الإيراني، معتبرا أن تصريحاته كانت ضعيفة وغير مقبولة من وجهة نظر الرأي العام، وطالب مجلس خبراء القيادة بالإسراع في اختيار القائد الجديد لإيران خلفا لعلي خامنئي الذي لقى مصرعه جراء قصف إسرائيلي على مكتبه، وإنهاء عمل مجلس القيادة المؤقت. كما أشار رسائي خلال مجموعة من تغريدته عبر حسابه على منصة إكس أن القوات المسلحة الإيرانية لم تتصرف دون تنسيق، بل نفذت عملياتها وفق سياسة الردع والرد المتبادل، مؤكدا أن الدول التي سمحت باستخدام أراضيها كقواعد عسكرية للولايات المتحدة هي التي ينبغي أن تعتذر لإيران.

وفي السياق نفسه، انتقد الإعلامي الأصولي ميثم نيلي تصريحات بزشكيان، متسائلا عن سبب التراجع عن الاستراتيجية العسكرية السابقة في وقت تمر فيه البلاد بمرحلة حساسة، معتبرا إن إرسال إشارات ضعف إلى الخصوم في هذه المرحلة قد يؤدي إلى تشجيعهم، مضيفا أن أي حديث عن وقف إطلاق النار يمكن أن يعد خيانة.

ونشر الوزير السابق عزت الله ضرغامي تعليقا على مواقع التواصل الاجتماعي قال فيه إنه لم يتضح ما الذي حدث، مؤكدا أن القوات المسلحة الإيرانية لم تتصرف بمبادرة ذاتية، وأضاف أن إيران ستجبر قتلة الشعب الإيراني وداعميهم على الاعتذار.

وفي برنامج سورة التلفزيوني، انتقد رجبي دواني تصريحات الرئيس الإيراني بشدة، مشددا أن إيران لا ينبغي أن تعتذر للدول المجاورة، بل يجب أن تطالبها بتعويضات إذا كانت أراضيها قد استخدمت ضد إيران. كما دعا الرئيس الإيراني إلى النزول إلى الشارع والاستماع إلى مطالب الشعب بالانتقام، كما نشر رجل الأعمال بابك زنجاني رسالة على مواقع التواصل الاجتماعي استشهد فيها بآية قرآنية تقول “فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم”، مؤكدا أن رئيس الجمهورية يجب أن يتحدث بحزم وأن يظهر قوة الدولة في مواجهة أي اعتداء.


خطاب بزشكيان الجديد… العدو حرف كلامي وإيران ستواجه أي اعتداء
وفي ظل موجة الانتقادات الواسعة التي أثارتها تصريحاته السابقة، عاد بزشكيان ليتحدث مجددا ويوضح موقفه، مؤكدا أن العدو أساء تفسير كلماته وأن الهدف من ذلك هو خلق خلاف بين إيران والدول المجاورة.
حيث صرح بزشكيان خلال خطاب أذيع اليوم الأحد 8 مارس/ آذار أن بعض الأطراف حاولت تصوير تصريحاته على أنها اعتذار أو تراجع عن حق إيران في الدفاع عن نفسها، مؤكدا أن هذا التفسير غير صحيح. وأضاف أن العدو يسعى إلى خلق انقسام بين إيران وجيرانها وإدخال المنطقة في صراعات جديدة.

وأوضح الرئيس الإيراني أن إيران تعتبر الدول المجاورة دولا صديقة وشقيقة، وأن علاقاتها معها يجب أن تقوم على التعاون والاحترام المتبادل، مضيفا أن طهران لا تسعى إلى الدخول في نزاعات مع هذه الدول، لكنها في الوقت نفسه لن تتردد في الرد على أي اعتداء يستهدف أراضيها.
كما شدد بزشكيان على أن إيران لن تسمح لأي طرف بالاعتداء على سيادتها أو محاولة الاستيلاء على أي جزء من أراضيها، مؤكدا أن القوات المسلحة الإيرانية مستعدة للدفاع عن البلاد بكل قوة، مشيرا إلى أن بلاده من حيث المبدأ ترفض قتل المدنيين الأبرياء، منتقدا الولايات المتحدة وإسرائيل بسبب الحرب في غزة، ومتسائلا عما إذا كانتا تشعران بالعار بسبب سقوط آلاف الأطفال ضحايا القصف.

كما دعا بزشكيان الشعب الإيراني إلى الحفاظ على الوحدة الوطنية في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، وقال أن مواجهة التحديات الخارجية تتطلب تضامن جميع القوى السياسية والاجتماعية داخل البلاد، وأكد أن الشعب، بحضوره في الشوارع وتضامنه الوطني، قادر على إفشال مخططات الأعداء، داعيا جميع الفئات السياسية والأحزاب والتيارات إلى وضع خلافاتها جانبًا والتركيز على الدفاع عن مصالح البلاد.
وختم بزشكيان حديثه بالتأكيد على أن إيران ستقف بقوة في مواجهة أي تهديد خارجي، وأنها لن تسمح لأي طرف بالاستيلاء على شبر واحد من أراضيها، مؤكدا أن وحدة الشعب الإيراني هي الضمانة الأساسية لمواجهة التحديات التي تمر بها البلاد.
انقسامات في قمة النظام بعد مقتل خامنئي؟؟…رويترز تحلل
على وقع هذا الجدل، نشرت وكالة رويترز، الأحد 8 مارس/آذار، تقريرا قالت فيه أن الجدل الذي أثارته تصريحات بزشكيان لا يمكن فصله عن التحولات العميقة التي يشهدها النظام الإيراني في هذه المرحلة، خاصة بعد مقتل المرشد الأعلى في الضربات العسكرية الأخيرة، فوفقا لتحليل الوكالة، فإن غياب خامنئي كشف عن تصدعات داخل هرم السلطة كانت تدار سابقا خلف الأبواب المغلقة.
وأشارت رويترز إلى أن خامنئي، خلال أكثر من ثلاثة عقود من الحكم، كان يلعب دور الحكم بين التيارات المختلفة داخل النظام، محافظا على توازن دقيق بين المتشددين والبراجماتيين، لكن مقتله فتح الباب أمام بروز هذه الخلافات بشكل علني، خاصة في ظل الضغوط العسكرية المتزايدة على إيران.
كما نقلت الوكالة عن مصادر مقربة من القيادة الإيرانية أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية، التي استهدفت عددا من كبار القادة العسكريين، زادت من حدة التوتر داخل النخبة الحاكمة، وأدت إلى تعزيز نفوذ الحرس الثوري في عملية صنع القرار العسكري.

وأضافت رويترز إلى أن الحرس الثوري يسعى إلى لعب دور أكبر في رسم الاستراتيجية خلال الحرب الحالية، رغم الخسائر التي تعرضت لها قياداته نتيجة عمليات الاغتيال، ويرى بعض المحللين أن الحروب غالبا ما تعيد تشكيل موازين القوى داخل الأنظمة السياسية، وهو ما يبدو أنه يحدث حاليا في إيران، وفي الوقت ذاته، تتسارع داخل المؤسسة الدينية عملية اختيار مرشد أعلى جديد، في محاولة لملء الفراغ الذي خلفه خامنئي وإعادة تثبيت توازن السلطة داخل النظام. لكن الوكالة أشارت إلى أن السؤال الأهم يتمثل فيما إذا كان المرشد الجديد سيتمتع بالنفوذ الكافي لضبط الصراع بين الأجنحة المختلفة.
وذكرت الوكالة أن مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، يعد من أبرز المرشحين لخلافته، بدعم من الحرس الثوري ومكتب والده السابق، إلا أن ترشيحه يثير تحفظات داخل بعض الأوساط الدينية والسياسية في إيران. وبحسب تحليل الوكالة، فإن المرحلة المقبلة قد تكون اختبارا حقيقيا لقدرة النظام الإيراني على الحفاظ على تماسكه في ظل الضغوط العسكرية الخارجية والتنافس الداخلي على السلطة، وهو ما يجعل التطورات السياسية في طهران محل متابعة دقيقة من قبل القوى الإقليمية والدولية.

