- زاد إيران - المحرر
- سياسة خارجية, متميز
- 224 Views

في ظل تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط واتساع رقعة المواجهة في أكثر من ساحة، تتزايد المؤشرات على دخول الصراع مرحلة أكثر تعقيدا سياسيا وعسكريا. فالمواجهة الجارية لم تعد تقتصر على تبادل الضربات العسكرية، بل باتت تحمل أبعادا استراتيجية تتعلق بتوازنات القوى الإقليمية ومستقبل الاستقرار في المنطقة. وفي الوقت نفسه، بدأت تظهر تحركات دبلوماسية ومحاولات وساطة تهدف إلى منع انزلاق الأزمة إلى مواجهة أوسع قد تكون لها تداعيات كبيرة على الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي. وفي خضم هذه التطورات، تتجه الأنظار إلى المواقف والتصريحات السياسية التي قد تعكس ملامح المرحلة المقبلة.
خطاب بزشكيان ورسائل إيران في مرحلة الحرب
جاء خطاب الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، في رسالة متلفزة إلى الشعب الإيراني، السبت 7 مارس/ آذار 2026، في ظل تصاعد المواجهة العسكرية في المنطقة، حيث حاول الرئيس الإيراني توجيه عدة رسائل سياسية وعسكرية في وقت واحد.
فقد استهل بزشكيان كلمته بتقديم التعزية للشعب الإيراني في مقتل عدد من القادة والطلاب والمدنيين، مشيرا إلى أن الهجمات التي تعرضت لها إيران استهدفت منشآت مدنية من بينها مدارس ومستشفيات ومراكز مختلفة في البلاد، واصفا ذلك بأنه تجاوز للقوانين الدولية، وأكد تقديره للشعب الإيراني، مشيرا إلى أن المواطنين، رغم الظروف الصعبة، يواصلون التواجد في الساحات وإظهار الدعم للدولة، وقال إن من واجبه أن يتقدم بالشكر للشعب الإيراني الذي يواصل الوقوف إلى جانب بلاده في هذه المرحلة الحساسة، مؤكدا أن حضور المواطنين في المشهد العام يعكس قوة المجتمع الإيراني ويبعث رسالة واضحة إلى الخصوم.

وفي سياق حديثه، شدد الرئيس الإيراني على ضرورة تجاوز الخلافات الداخلية في هذه المرحلة، داعيا الإيرانيين إلى وضع كل الخلافات والقلق جانبا، وقال إن المرحلة الحالية تتطلب تماسكا داخليا، مؤكدا أن الدفاع عن أرض البلاد ووحدة أراضيها مسؤولية مشتركة لجميع الإيرانيين، بغض النظر عن انتماءاتهم أو خلفياتهم.
وأشار بزشكيان إلى أن إيران لن تقبل الاستسلام تحت أي ظرف، موضحا أن فكرة الاستسلام غير المشروط، كما قدم لها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال منشور له على ثروت سوشيال، هي وهم يجب على الأعداء أن يدفنوه، مشيرا أن إيران ستواصل الدفاع عن كرامتها وسيادتها الوطنية، وأنها لن تتراجع عن حماية أمنها ووحدة أراضيها مهما كانت الضغوط.
وفي واحدة من أبرز النقاط التي تضمنها الخطاب، أعلن الرئيس الإيراني، بعد تقديمه الاعتذار لدول المنطقة التي هاجمتها إيران، عن قرار اتخذه مجلس القيادة المؤقت يقضي بعدم تنفيذ هجمات صاروخية على الدول المجاورة في المرحلة المقبلة. وأوضح أن هذا القرار تم اتخاذه خلال اجتماع المجلس، وتم إبلاغ القوات المسلحة الإيرانية به ليصبح ساري المفعول.

وأوضح بزشكيان أن القرار ينص على عدم تنفيذ أي هجمات صاروخية على الدول المجاورة إلا في حال انطلاق هجمات ضد إيران من أراضي تلك الدول. وبذلك، فإن إيران، بحسب ما جاء في الخطاب، لن تبادر باستهداف دول الجوار ما لم تتعرض لهجوم مباشر من أراضيها.
وأكد الرئيس الإيراني أن بلاده لا تسعى إلى الاعتداء على الدول المجاورة، مشيرا إلى أن دول المنطقة هي إخوة لإيران، على حد تعبيره، وأن الهدف يجب أن يكون تعزيز الاستقرار والسلام الإقليميين. وأعرب عن أمله في أن تسهم هذه الخطوة في تخفيف التوتر في المنطقة.
كما أشار بزشكيان إلى أن القوات المسلحة الإيرانية تصرفت في بعض المراحل السابقة بصورة مستقلة بعد مقتل عدد من القادة الإيرانيين نتيجة الهجمات، وأن تلك الظروف دفعت بعض الوحدات العسكرية إلى اتخاذ إجراءات سريعة للدفاع عن البلاد.
وتطرق الرئيس الإيراني أيضا إلى مسألة العلاقات الدولية، مؤكدا أن إيران ملتزمة بالقوانين الدولية وبالمبادئ الإنسانية التي تحكم العلاقات بين الدول، لكنه انتقد في الوقت ذاته ما وصفه بازدواجية المعايير لدى بعض القوى الدولية التي تتحدث عن حقوق الإنسان بينما تقوم بشن عمليات عسكرية ضد بلاده.
واختتم بزشكيان خطابه بالتأكيد على أن إيران ستواصل الدفاع عن سيادتها ووحدة أراضيها، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن بلاده تسعى إلى الاستقرار في المنطقة ولا ترغب في توسيع دائرة الصراع مع دول الجوار.
هل تغير الخطاب الإيراني الدفاعي في مواجهة أمريكا؟
حمل خطاب بزشكيان، وخاصة الإعلان عن وقف الهجمات على الدول المجاورة، دلالات استراتيجية تتجاوز مجرد الرسائل الدبلوماسية. فالتغير النسبي في النبرة الإيرانية يأتي في سياق عسكري معقد يشهد تراجعا ملحوظا في وتيرة إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية منذ الأيام الأولى للحرب.
فتشير بيانات وزارة الدفاع الأمريكية إلى أن معدل إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية انخفض بنحو 90 في المئة مقارنة باليوم الأول من المواجهة، كما تراجعت هجمات الطائرات المسيّرة بنسبة تزيد على 80 في المئة، في مؤشر على أن القدرات الهجومية الإيرانية تواجه ضغوطا متزايدة نتيجة الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية المستمرة.

ووفق تقديرات عسكرية غربية، فقد نجحت الضربات الأمريكية والإسرائيلية في استهداف جزء كبير من البنية التحتية الصاروخية الإيرانية، بما في ذلك مخازن الصواريخ ومنصات الإطلاق وما يعرف بمدن الصواريخ التي تستخدمها إيران لإخفاء ترسانتها تحت الأرض، كما أفادت تقارير عسكرية بأن مئات منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية تعرضت للتدمير أو التعطيل خلال الأيام الأولى من الحرب، الأمر الذي حدّ من قدرة طهران على تنفيذ هجمات صاروخية واسعة النطاق كما حدث في بداية المواجهة.
إلى جانب الضربات العسكرية، تواجه إيران أيضا تحديات عملياتية تتعلق بمخاطر تشغيل منصات الإطلاق، فإطلاق الصواريخ أصبح محفوفا بخطر اكتشاف المنصات من قبل الطائرات الأمريكية والإسرائيلية واستهدافها بشكل فوري، وهو ما يجعل استخدام هذه المنظومات أكثر خطورة بالنسبة للقوات الإيرانية.
في هذا السياق، يرى محللون عسكريون أن إيران قد تكون بدأت في ترشيد استخدام صواريخها الباليستية للحفاظ على جزء من ترسانتها في حال استمرار الصراع لفترة أطول، فالصواريخ تشكل عنصرا أساسيا في استراتيجية الردع الإيرانية، وخسارتها بالكامل في مرحلة مبكرة من الحرب قد يضعف قدرة طهران على فرض تكاليف على خصومها في المراحل اللاحقة.

كما أن تجربة الحرب القصيرة التي دارت بين إيران وإسرائيل في يونيو/ حزيران 2025، والمعروفة بحرب الاثني عشر يوما، ربما لعبت دورا في هذا الحساب الاستراتيجي. فقد أطلقت إيران خلالها نحو 550 صاروخا باليستيا، ما أدى إلى استنزاف جزء من مخزونها قبل اندلاع المواجهة الحالية.
إلى جانب الصواريخ، يبدو أن إيران اتجهت إلى الاعتماد بشكل أكبر على الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، وتتميز هذه الطائرات بقدرتها على إرباك أنظمة الدفاع الجوي وخلق حالة من عدم الاستقرار الاقتصادي، خاصة في منطقة الخليج التي تعد مركزًا رئيسيًا للطاقة العالمية.
ومن هذا المنظور، يمكن فهم قرار عدم مهاجمة الدول المجاورة باعتباره خطوة تهدف إلى تقليص الجبهات المفتوحة أمام إيران. فاستهداف عدد كبير من الدول في آن واحد قد يؤدي إلى توسيع التحالفات العسكرية المناهضة لطهران، وهو ما قد يزيد الضغوط العسكرية والاقتصادية عليها، كما أن تقليص الهجمات على دول الخليج قد يسهم في تخفيف التوتر مع الدول العربية التي تحاول الحفاظ على مسافة من الصراع المباشر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.
الوساطة المحتملة بين طهران وواشنطن
بالتوازي مع الخطاب العسكري والسياسي الذي تضمنه خطاب بزشكيان، ظهرت أيضا إشارات إلى إمكانية عودة المسار الدبلوماسي، فقبلها، كان بزشكيان قد كتب في تغريدة عبر منصة إكس، الجمعة 6 مارس/ آذار 2026، أن بعض الدول بدأت بالفعل جهودا للوساطة بين الأطراف المتصارعة، مؤكدا أن إيران ملتزمة بتحقيق سلام مستدام في المنطقة، لكنها في الوقت نفسه قال إن إيران لن تتردد في الدفاع عن عزتها وسيادتها.

وأوضح بزشكيان في تغريدته أن إيران تنظر بإيجابية إلى أي جهود تهدف إلى إنهاء التصعيد، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن الوساطة يجب أن تتوجه إلى الأطراف التي أشعلت الصراع، في إشارة واضحة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، هذه الرسالة تعكس محاولة إيرانية لإظهار الاستعداد للحوار دون تقديم تنازلات فيما يتعلق بالسيادة أو الأمن القومي.
هذا وتأتي هذه التصريحات في وقت تحدثت فيه تقارير إعلامية دولية عن تحركات دبلوماسية فعلية في المنطقة، فقد ذكرت وكالة بلومبرج في تقرير لها، الجمعة 6 مارس/ آذار، أن المملكة العربية السعودية كثفت اتصالاتها المباشرة مع إيران في محاولة لاحتواء الحرب ومنع توسعها في الشرق الأوسط.

وبحسب التقرير، استخدمت الرياض قنوات دبلوماسية غير معلنة للتواصل مع طهران خلال الأيام الأخيرة بهدف خفض التوترات ومنع تصاعد الصراع، وأشار التقرير إلى أن هذه الاتصالات جرت عبر قنوات خلفية شارك فيها دبلوماسيون ومسؤولون أمنيون من الجانبين.
كما أوضح أن هذه الجهود تحظى بدعم عدد من الدول الأوروبية ودول الشرق الأوسط التي تخشى من اتساع نطاق الحرب وتأثيرها المباشر على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة. فالتصعيد العسكري في المنطقة بدأ بالفعل ينعكس على حركة التجارة الدولية وأسعار النفط والغاز.
ويشير مراقبون إلى أن انخراط السعودية في هذا المسار يعكس إدراكًا إقليميًا متزايدًا لخطورة استمرار الحرب، خاصة في ظل احتمال امتدادها إلى دول الخليج أو تهديد الممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز.
ورغم أن فرص التوصل إلى اتفاق سريع لا تزال غير واضحة، فإن تزامن إشارات التهدئة في الخطاب الإيراني مع التحركات الدبلوماسية الإقليمية قد يشير إلى بداية مرحلة جديدة من محاولات الوساطة. وفي حال استمرت هذه الجهود، فقد تشكل خطوة أولى نحو إعادة فتح قنوات التفاوض بين طهران وواشنطن بعد أسابيع من التصعيد العسكري.

