العرقيات الإيرانية في الحسابات الأمريكية… هل تراهن واشنطن على الداخل الإيراني أم تلوح بخيار العملية البرية؟

Image 76 1024x683
Image

مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران خلال الأيام الأخيرة، عاد النقاش داخل مراكز التفكير الغربية ووسائل الإعلام الدولية حول الأدوات المتاحة لواشنطن في مواجهة النظام الإيراني. فبعد عقود من العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية ومؤخرا الضربات العسكرية المتتالية، تبرز تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تبحث عن وسائل أخرى لتقويض النظام من الداخل، سواء عبر دعم قوى اجتماعية وسياسية داخل إيران أو من خلال التواصل مع جماعات عرقية معارضة للنظام. وفي الوقت ذاته، يطرح بعض المحللين احتمال استخدام أدوات عسكرية أكثر مباشرة، بما في ذلك عمليات خاصة أو حتى سيناريوهات محدودة للتدخل البري.

في هذا السياق، برزت تقارير إعلامية وتحليلات بحثية تتحدث عن اتصالات محتملة بين الولايات المتحدة وبعض الجماعات الكردية في المنطقة، وهو ما أعاد إلى الواجهة سؤال العلاقة بين واشنطن والقوى الكردية في الشرق الأوسط، خصوصا في ضوء التعاون العسكري الذي جمع الطرفين في العراق وسوريا خلال العقدين الماضيين. كما أعاد ذلك النقاش حول طبيعة التركيبة العرقية في إيران، وإمكانية استغلال التباينات القومية أو المناطقية لإحداث اضطرابات داخلية قد تؤثر على استقرار النظام.

في المقابل، يظل خيار العمل العسكري المباشر ضد إيران موضوعا مثيرا للجدل في الدوائر السياسية والعسكرية الأمريكية، خاصة في ضوء التجارب السابقة للولايات المتحدة في العراق وأفغانستان، وكذلك تجربة عملية الإنقاذ الفاشلة للرهائن الأمريكيين في إيران عام 1980. ويطرح هذا الواقع تساؤلات جوهرية حول مدى واقعية أي سيناريو لعملية برية داخل الأراضي الإيرانية، وما إذا كانت مثل هذه الخطوة قد تحقق أهدافها أو قد تتحول إلى مغامرة عسكرية جديدة في منطقة شديدة التعقيد.

الاتصالات مع الجماعات الكردية… بين التقارير الإعلامية وإمكانية التنسيق الأمنيأثارت تقارير إعلامية دولية خلال الفترة الأخيرة جدلا واسعا حول احتمال وجود اتصالات بين الولايات المتحدة وجماعات كردية في المنطقة بهدف التنسيق لإحداث اضطرابات في الداخل الإيراني تزامنا مع الهجوم الجوي الإسرائيلي الأمريكي والذي استهدف مقار القيادات الإيرانية منذ السبت 28 فبراير/ شباط 2026 وتسبب في مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي،  فقد أشارت وكالة رويترز في تقرير تحليلي، الأربعاء 4 مارس/ آذار 2026، إلى أن بعض المسؤولين الأمريكيين ناقشوا مع أطراف كردية سيناريوهات مختلفة تتعلق بالتطورات الإقليمية، وهو ما أعاد إلى الأذهان تاريخ التعاون العسكري بين واشنطن والقوات الكردية في العراق وسوريا. ووفق التقرير، فإن هذه النقاشات، إن صحت، تظل في إطار المشاورات السياسية والأمنية، وليس بالضرورة في إطار خطة عسكرية واضحة.

Image

بهذا الشأن، حذر علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، ما وصفها بالجماعات الانفصالية دون تسمية جماعة بعينها، مؤكدا أن السلطات الإيرانية لن تتسامح مع أي تحركات تهدد وحدة البلاد.

Image

وذكرت وكالة خبر أونلاين، نقلا عن التلفزيون الإيراني الرسمي، أن لاريجاني وجه رسالة تحذير إلى هذه الجماعات، قائلا إن عليها “ألا تظن أن هناك فرصة مواتية للتحرك أو استغلال الظروف الراهنة”، مشددا على أن أي محاولة للقيام بأنشطة انفصالية ستواجه برد حازم من الدولة. كما أكد لاريجاني أن القوات المسلحة الإيرانية تتابع هذا الملف عن كثب وتملك السيطرة الكاملة على الأوضاع، مضيفا أن الأجهزة المعنية لن تبدي أي تساهل مع أي تحركات تمس وحدة الأراضي الإيرانية أو الأمن القومي للبلاد.هذا ويعود الاهتمام الأمريكي بالعامل الكردي إلى التجربة التي خاضتها الولايات المتحدة خلال الحرب على تنظيم داعش، حيث اعتمدت واشنطن على قوات كردية محلية كشريك رئيسي في العمليات البرية، فقد لعبت قوات البيشمركة في العراق وقوات سوريا الديمقراطية دورا مهما في العمليات العسكرية، بينما وفرت الولايات المتحدة الدعم الجوي واللوجستي، ويشير عدد من المحللين إلى أن هذه التجربة خلقت نموذجا للتعاون غير المباشر بين الولايات المتحدة وقوى محلية، وهو نموذج قد تحاول بعض الدوائر الأمريكية تطبيقه في سياقات أخرى.

Image

هل يمكن أن ينجح هذا التعاون؟

مع ذلك، فإن بناء تنسيق أمني فعال مع جماعات كردية داخل إيران يظل مسألة معقدة للغاية، فالأكراد الإيرانيون يختلفون في بنيتهم السياسية والتنظيمية عن نظرائهم في العراق أو سوريا، كما أن طهران تحتفظ بسيطرة أمنية قوية على المناطق الكردية داخل البلاد. ويشير باحثون في مركز بروكنجز للدراسات إلى أن قدرة أي قوة خارجية على استخدام العامل الكردي داخل إيران تبقى محدودة بسبب قوة الدولة الإيرانية وتماسك مؤسساتها الأمنية.

Image

من جهة أخرى، فإن أي محاولة أمريكية لتوسيع التعاون مع الجماعات الكردية قد تواجه معارضة إقليمية، خاصة من تركيا التي تنظر بحذر شديد إلى أي دعم غربي للحركات الكردية المسلحة، وقد أشار تحليل نشرته صحيفة ذا جارديان البريطانية إلى أن العلاقات المعقدة بين الولايات المتحدة وتركيا تجعل من الصعب على واشنطن تبني استراتيجية تعتمد بشكل واسع على القوى الكردية في المنطقة، خصوصا إذا كان ذلك قد يؤدي إلى توتر إضافي داخل حلف شمال الأطلسي.

كما أن الجماعات الكردية نفسها ليست كتلة واحدة متجانسة، إذ توجد اختلافات سياسية وأيديولوجية بين الأحزاب الكردية المختلفة، سواء في العراق أو إيران أو سوريا، وقد تناولت دراسات نشرها معهد كارنجي لدراسات الشرق الأوسط هذه الانقسامات، مؤكدا أن تعدد القوى الكردية قد يجعل من الصعب تشكيل جبهة موحدة يمكن أن تلعب دورا مؤثرا في أي صراع إقليمي.

بالإضافة إلى ذلك، فإن أي دعم خارجي للجماعات الكردية داخل إيران قد يحمل مخاطر سياسية كبيرة، إذ يمكن أن يؤدي إلى تعزيز الخطاب القومي داخل إيران وإعطاء السلطات مبررا لتشديد الإجراءات الأمنية، وقد أشار تحليل نشره موقع وور اون ذا روكس إلى أن التاريخ يظهر أن التدخلات الخارجية غالبا ما تؤدي إلى نتائج عكسية عندما تتعلق بالهويات القومية داخل الدول.

لهذا السبب، يرى كثير من الخبراء أن الاتصالات الأمريكية المحتملة مع القوى الكردية قد تظل في إطار جمع المعلومات أو التنسيق السياسي، وليس بالضرورة في إطار مشروع لإشعال صراع داخلي واسع داخل إيران. فالتوازنات الإقليمية وتعقيدات المشهد الداخلي الإيراني تجعل من الصعب تحويل هذه الاتصالات إلى استراتيجية عملية لإضعاف النظام الإيراني.

الخريطة العرقية في إيران… تنوع سكاني وحدود التأثير السياسي

على الجانب الآخر، تعد إيران واحدة من أكثر دول الشرق الأوسط تنوعا من الناحية العرقية والثقافية، إذ تضم إلى جانب الأغلبية الفارسية عددا من القوميات الأخرى مثل الأذربيين والأكراد والعرب، والبلوش، والتركمان، وغيرهم. وتشير تقديرات بحثية نشرتها دائرة أبحاث الكونجرس الأمريكي في الولايات المتحدة إلى أن الفرس يشكلون ما بين نصف إلى ستين في المئة من سكان إيران، بينما يشكل الأذريون أكبر أقلية عرقية، تليهم مجموعات أخرى مثل الأكراد والعرب والبلوش.

Image

ويتركز الأذريون في شمال غرب إيران، خاصة في محافظات أذربيجان الشرقية والغربية وأردبيل، بينما يعيش الأكراد في المناطق الجبلية غرب البلاد على الحدود مع العراق وتركيا. أما العرب فيتركزون بشكل رئيسي في محافظة خوزستان جنوب غرب إيران، في حين يعيش البلوش في محافظة سيستان وبلوشستان جنوب شرق البلاد. كما توجد مجموعات أصغر مثل التركمان في الشمال الشرقي.

Image

ورغم هذا التنوع العرقي، فإن إيران تتمتع بدرجة عالية من الاندماج الاجتماعي والسياسي مقارنة ببعض الدول متعددة القوميات. ويشير الباحث الإيراني حسين رسام في دراسة نشرتها مجلة أكاديمية فارسية حول التعدد القومي في إيران إلى أن كثيرًا من هذه الجماعات تشارك في الحياة السياسية والاقتصادية للدولة، وهو ما يحد من احتمالات تحولها إلى حركات انفصالية واسعة.

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل وجود توترات اجتماعية واقتصادية في بعض المناطق الطرفية، خاصة في المحافظات الحدودية التي تعاني من مستويات تنمية أقل مقارنة بالمناطق المركزية. وقد أشار تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية حول حقوق الإنسان إلى وجود شكاوى من التهميش الاقتصادي في بعض المناطق مثل سيستان وبلوشستان أو خوزستان، وهو ما قد يشكل عاملا قابلا للاستغلال في سياق الصراعات السياسية.لكن العديد من الباحثين يؤكدون أن تحويل هذه التباينات إلى اضطرابات سياسية واسعة ليس بالأمر السهل، حيث أفاد تحليل نشره مجموعة الأزمات الدولية إلى أن الهوية الوطنية الإيرانية ما تزال قوية نسبيا، وأن معظم الحركات الاحتجاجية في إيران، بما في ذلك الاحتجاجات الاقتصادية، اتخذت طابعا وطنيا أكثر من كونها حركات عرقية.

كما أن الدولة الإيرانية تمتلك أجهزة أمنية قوية وخبرة طويلة في التعامل مع التحديات الداخلية، وهو ما يجعل من الصعب على أي قوة خارجية استغلال التباينات العرقية بشكل مباشر. وقد لاحظت دراسة نشرها المعهد الملكي للشؤون الدولية أن الحكومات المركزية في إيران تاريخيا تمكنت من الحفاظ على قدر كبير من السيطرة على المناطق الحدودية رغم التحديات.

في هذا السياق، يرى بعض المحللين أن الحديث عن استخدام العرقيات لإسقاط النظام الإيراني قد يكون مبالغا فيه إلى حد كبير. فحتى في الحالات التي شهدت اضطرابات محلية، لم تتحول هذه الأحداث إلى حركات انفصالية واسعة أو تهديدات جدية لوحدة الدولة الإيرانية. وبالتالي، فإن التنوع العرقي في إيران يمثل عنصرا مهما لفهم المجتمع الإيراني، لكنه لا يعني بالضرورة وجود قابلية عالية لانفجار صراعات داخلية واسعة يمكن استغلالها بسهولة من قبل القوى الخارجية.

خيار العملية البرية… دروس التاريخ وحدود القوة العسكرية

هذا، ويظل احتمال شن عملية برية داخل الأراضي الإيرانية أحد أكثر السيناريوهات إثارة للجدل في النقاشات العسكرية والسياسية في الولايات المتحدة، فإيران دولة كبيرة جغرافيا، ويبلغ عدد سكانها أكثر من ثمانين مليون نسمة، كما تمتلك قوات عسكرية تقليدية كبيرة إضافة إلى شبكة واسعة من القوات غير النظامية والحلفاء الإقليميين.

Image

وقد تناولت تقارير مراكز الأبحاث الأمريكية هذا السيناريو بحذر شديد. ففي تحليل نشره معهد بروكينجز للأبحاث يرى الباحثون أن أي تدخل بري واسع في إيران سيكون أكثر تعقيدا بكثير من الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وذلك بسبب حجم البلاد وطبيعة تضاريسها الجبلية وقدراتها العسكرية.

Image

كما أن التاريخ يقدم مثالا مهما على صعوبة العمليات العسكرية داخل إيران، وهو عملية مخلب الصقر التي نفذتها الولايات المتحدة عام 1980 لإنقاذ الرهائن الأمريكيين خلال الثورة الإيرانية. فقد انتهت تلك العملية بالفشل بعد سلسلة من الأعطال والمشكلات اللوجستية في الصحراء الإيرانية، وهو ما ترك أثرا عميقا في التفكير العسكري الأمريكي حول مخاطر العمليات داخل إيران.

Image

إضافة إلى ذلك، فإن التجارب الأمريكية في العراق وأفغانستان أثرت بشكل كبير على النقاش داخل الولايات المتحدة حول جدوى العمليات البرية طويلة الأمد. فقد استمرت الحرب في أفغانستان نحو عشرين عاما، بينما واجهت الولايات المتحدة تحديات كبيرة في تحقيق الاستقرار في العراق بعد إسقاط نظام صدام حسين.

Image

ويشير تحليل نشره موقع وور أون ذا روكس للتحليلات العسكرية والاستراتيجية إلى أن هذه التجارب جعلت صناع القرار في واشنطن أكثر حذرا تجاه أي تدخل بري جديد في الشرق الأوسط. فحتى إذا نجحت عملية عسكرية في إضعاف النظام الإيراني، فإن إدارة مرحلة ما بعد الصراع قد تكون أكثر تعقيدا بكثير.

أما فيما يتعلق بإسرائيل، فإن قدراتها العسكرية الكبيرة لا تعني بالضرورة إمكانية تنفيذ عملية برية واسعة داخل إيران، بسبب المسافة الجغرافية الكبيرة وتعقيدات اللوجستيات العسكرية. لذلك يرى معظم الخبراء أن أي مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران ستبقى على الأرجح في إطار الضربات الجوية أو العمليات المحدودة، وليس الغزو البري الشامل.كما أن أي عملية عسكرية واسعة ضد إيران قد تؤدي إلى ردود فعل إقليمية واسعة، نظرا لعلاقات طهران مع عدد من القوى غير الحكومية في المنطقة، وقد أشار تقرير لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن أي صراع واسع مع إيران قد يمتد إلى مناطق أخرى في الشرق الأوسط، مما يزيد من مخاطر التصعيد الإقليمي.

Image

في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن خيار العملية البرية ضد إيران يظل احتمالا بعيدا في المدى القريب، على الأقل من منظور العديد من المحللين العسكريين، فتكلفة مثل هذه العملية، سواء من الناحية العسكرية أو السياسية، قد تكون مرتفعة للغاية مقارنة بالأهداف التي قد تحققها.

سيناريوهات المواجهة مع إيران… بين الواقع والاحتمالات

تظهر قراءة التقارير الإعلامية والدراسات البحثية أن النقاش حول استخدام العامل الداخلي داخل إيران أو اللجوء إلى العمل العسكري المباشر يظل معقدا ومفتوحا على احتمالات متعددة، فبينما تشير بعض التقارير إلى اتصالات محتملة مع جماعات كردية أو اهتمام بالعوامل العرقية داخل إيران، فإن تحويل هذه المعطيات إلى استراتيجية عملية لإسقاط النظام يبدو أمرًا بالغ الصعوبة.

كما أن خيار التدخل العسكري البري يواجه بدوره تحديات كبيرة، سواء بسبب التجارب الأمريكية السابقة في المنطقة أو بسبب طبيعة إيران الجغرافية والسياسية. وفي النهاية، يبدو أن الصراع بين الولايات المتحدة وإيران سيستمر في الاعتماد على مزيج من الضغوط السياسية والاقتصادية والتحركات العسكرية المحدودة، أكثر من اعتماده على سيناريوهات دراماتيكية مثل الغزو البري أو إشعال صراع داخلي واسع.

كلمات مفتاحية: