- زاد إيران - المحرر
- 364 Views
في حوار نشرته الوكالة الإيرانية المعتدلة “خبر أونلاين” يوم السبت 5 يوليو/تموز 2025، تناولت سمية توحيدلو، الأكاديمية في علم الاجتماع بمركز دراسات العلوم الإنسانية، أسباب التلاحم المفاجئ بين الإيرانيين خلال الحرب التي استمرت 12 يوما، مشيرة إلى تحوّل اجتماعي لافت ونضج مدني متصاعد، وداعية إلى تقليص الفجوة بين الدولة والمجتمع لتعزيز رأس المال الاجتماعي.
وفي ما يلي نص الحوار:
كيف نفسّر التلاحم الشعبي المفاجئ في إيران خلال الحرب مع إسرائيل، رغم التوقّعات السابقة بعدم وجود وحدة داخلية؟
ردًا على سؤالكم، أرغب بداية في الإشارة إلى نقطة معيّنة، أنا لا أؤمن بأن كل فشل يعني أننا نتراجع إلى الخلف، بل ربّما لا نصل إلى النتائج التي كنّا نتوقّعها مسبقا، وفي هذه الحالة يبدو أننا نتحرك إلى الوراء أو نراوح في المكان، ويعود السبب في ذلك إلى عدم التوصّل إلى أنماط منظّمة، وعدم استقرار الأوضاع بعد الحركات أو الثورات أو الأحداث.
لذلك، لا يعني ذلك بالضرورة أننا نتراجع، لأننا دائما ـ في المجمل ـ نسير إلى الأمام، بدءا من الحركة الدستورية إلى أعوام 1997، و2009، و2017، وغيرها، غير أن هذا التقدّم ربما لم يَبلغ مستوى التوقّعات الأولية.
أما في ما يتعلّق بالجزء الثاني من سؤالكم، فيجب أن أقول إنّ ما حدث خلال هذه الأيام الاثني عشر كان مذهلا للغاية، بالنظر إلى آراء العديد من الخبراء الذين كانوا يقولون إننا نتمتع برصيد منخفض من رأس المال الاجتماعي، ما المقصود بانخفاض رأس المال الاجتماعي؟
رأس المال الاجتماعي ينقسم إلى نوعين: رأس المال الاجتماعي في إطار التلاحم الأفقي، ورأس المال الاجتماعي في إطار التلاحم العمودي.
في التلاحم الأفقي، نشهد تلاحما بين الجماعات المتشابهة أو الجماعات المتنافسة جنبا إلى جنب في الفضاءات الاجتماعية، لكن علينا الانتباه إلى أن التلاحم الأفقي هو تلاحم اجتماعي ومجتمعي.
أما النموذج الآخر، فهو التلاحم العمودي، والذي يُعدّ من أبرز عناصره تقليص أو زيادة الفجوة بين الدولة والشعب، إن قضية الثقة بين الحكومة والشعب، ومقدار الفجوات القائمة، تظهر كلها في إطار التلاحم العمودي.
لقد شهدنا في العديد من المؤشرات داخل الفضاء الاجتماعي، مثل الانتخابات، وخاصة منذ عام 2022، ضعفا في التلاحم العمودي.
ما الذي حدث خلال الحرب وأدى إلى تشكّل تلاحم شعبي وروابط رأس مال اجتماعي، وما طبيعة هذا التلاحم، وما الشروط اللازمة لاستمراره؟
يبدو أن الخطوة الأولى تمثّلت في أن الناس بدأوا يؤمنون بأنهم باتوا في خطر، وذلك عندما أدركوا أن طهران سيتمّ إخلاؤها، أو عندما فقد المواطنون أبناء مدينتهم في القصف الإسرائيلي.
وإلى جانب ذلك، فإن حالة الغضب التي ظهرت في الفضاءات العامة تجاه مواقف شخص دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو ـ أي تجاه إسرائيل والولايات المتحدة ـ كانت ذات أهمية بالغة.
فهم شخصيا كانوا يروون هذه الحرب بطريقة أوحت بأنهم لا يعرفون طهران، ولا إيران، ولا وطننا، ولا شعبه على الإطلاق.
وفي ردّ فعل على هذه الأوضاع، جرى توظيف الصور الحضارية القائمة على هوية إيران التي تعود إلى آلاف السنين.
أي أن لدينا في نهاية المطاف مواطنين يبدو أنهم يفتخرون بإيران المعاصرة، الثقافية، والحضارية الحديثة، بغضّ النظر عن كثرة الانتقادات التي يوجّهونها إلى الأوضاع الراهنة.
إن هذا الغضب الناتج عن ظروف الهجوم والعدوان الخارجي، أسهم بشكل كبير في ترميم التلاحم القائم على العلاقات الأفقية، ففي الفضاءات الاجتماعية، هرعت المجموعات المختلفة لمساعدة بعضها البعض، وعزّزت العائلات من الحركات الجماعية والعفوية للعناية المتبادلة.
أما على صعيد العلاقات خارج المجموعات، ورغم جميع الاختلافات القائمة فيما بينها، فقد خصّص الناس منازلهم لاستضافة مواطنيهم، فعلى سبيل المثال، كان الخبّاز يعمل ليل نهار ليصل الخبز إلى أيدي المسافرين، حتى لا يبقى الناس بلا خبز.
بعبارة أخرى، كل نوع من الخدمات المقدَّمة للمواطنين في الظروف الصعبة جرى بشكل أفقي، وكان هذا التلاحم الأفقي يدور حول محور “إيران”.
في هذا النوع من التلاحم، بلغ الناس ـ بمعزل عن بنية التلاحم العمودي، أي بمعزل عن هيكل الحكم والدولة ـ مرحلة استطاعوا فيها بناء جسور بين مواقعهم الجماعية المختلفة، لكن بعد تجاوز الأزمة، تبدأ الأسئلة بالظهور تدريجيا، أي: كيف تتعامل السلطة الحاكمة مع هذه الحرب؟
وماذا تقول في المجال الدبلوماسي؟ وما هي الروايات السائدة في الفضاءات الإعلامية؟ لأنها لا تقوم على التلاحم الأفقي، بل هناك فجوة ملموسة بينها وبين هذا التلاحم.
لقد عبّر الناس في مختلف الحركات الاجتماعية في إيران، مثلما جرى في أعوام 2017، 2019، و2022، عن تلاحم أفقي في مواجهة “آخرٍكبير”، لكن السؤال هو: هل تحقّق تلاحم عمودي أيضا في تلك الفترات، وبعد تجاوز هجوم العدو في المرحلة الراهنة؟ هل توجد ثقة بمن يديرون المدينة، والدولة، والحرب، والدبلوماسية؟ وما هي طبيعة النقد الموجّه لهم؟
لا ينبغي أن ننسى أن جزءًا من التلاحم الأفقي، بطبيعته، ينساب دوما نحو التلاحم العمودي ويؤدّي إلى زيادة الثقة ورأس المال الاجتماعي.
ومع ذلك، قرّر بعض الأفراد ـ نتيجة للضرورات القائمة في الظرف الحالي ـ التزام الصمت، والعمل على نقل هذا التلاحم الأفقي القائم على بناء الثقة إلى تلاحم عمودي، وزيادة الثقة باعتبارها أحد أشكال رأس المال.
وقد وجّه هؤلاء أطراف الحوار باتجاه السلطة، وطالبوها بالانضمام إلى ما يجري في الفضاء الاجتماعي، وفي الوقت نفسه، مدّت بعض الجهات يد الصداقة، وكانت الحكومة أيضا تبادر بالقيام بالخطوة ذاتها تجاه الناس.

كيف يمكن تعزيز القدرة على الصمود في وجه الهجوم العسكري في هذه المرحلة؟
في الظروف الراهنة، وبعد الهجوم الذي استمر 12 يوما، تبرز ضرورة ملحّة لتشكيل الثقة العمودية، أو لتقليص الفجوة بين الدولة والشعب من جهة،
ومن جهة أخرى، هناك ضرورة مطلقة لتشكيل أنماط من التلاحم العضوي القائم على سماع الأصوات، والقبول بالتعددية، وباختلاف الناس وأصواتهم المخالفة.
فتحقيق هذا الأمر من شأنه أن يُرسّخ المجتمع الإيراني، ويمنحه طاقة إضافية تُمكّنه من الصمود بشكل أفضل أمام أي عدوان عسكري، وذلك من خلال تعزيز مستوى التحمّل والمقاومة، وخاصة بعد الحرب.
وكما ذكرت، فإن تعزيز مقاومة المجتمع وقدرته على التحمّل، في ظلّ الغموض المحيط بمدى استمرار وقف إطلاق النار، يقتضي وضع خطط دقيقة لتحسين المؤشرات الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، بحيث يلمس الناس بوضوح جهود المسؤولين.
نحن بحاجة إلى أشكال من التلاحم العضوي، لأننا تجاوزنا مرحلة المجتمع الميكانيكي، وتلاحم الناس يعكس هذا التحوّل.
ويجب أن يكون حضور جميع المجموعات ذا معنى، وأن يتشكّل التلاحم الاتصالي داخل المجال العام، بحيث تُسمع أصوات الناس، ومن خلال سماع هذه الأصوات، تتقلّص الفجوة بين الشعب والحكم في إطار التلاحم العمودي.
وفي حال لم يحدث ذلك، فإن الأصوات الاحتجاجية وغير المنسجمة ستبدأ في الظهور تدريجيا، الأصوات التي تُبَثّ من الإذاعة والتلفزيون الرسمي تؤدّي إلى إضعاف التلاحم الأفقي والعمودي
لكن، للأسف، بدلا من ذلك، بدأت تُسمع تدريجيا أصوات مجموعات ذات روايات نمطية عبر وسائل الإعلام الرسمية، وهذا ما يُخلّ بالتلاحمَين: الأفقي والعمودي على السواء.
فهؤلاء يسعون إلى تفسير التلاحم، مثل مساعدة الناس لبعضهم البعض في أوقات الأزمات، على أنه تلاحم عمودي، في حين أن هذا التلاحم ما زال أفقيا في جوهره، ولا ينبغي أن نخلط بينهما بسبب التشابه اللفظي والمصطلحي،
لأن لكلّ منهما وظائفه الخاصة، ويقوم على زمن وظروف نعيشها.
لذلك، يجب أن نختار هذه المفاهيم بدقّة، وأن نسعى إلى تفعيل جميع أوجهها داخل الفضاء الاجتماعي، كي تتقدّم وتزدهر.

كيف يمكن تفسير “النضج الاجتماعي” الذي ظهر في سلوك الإيرانيين خلال الحرب الأخيرة، وما دلالاته لمستقبل إيران السياسي والاجتماعي؟
هذا النضج لا يظهر فقط في أسلوب تعاطي الناس مع الحرب، بل يتجاوز ذلك، بعيدا عمّا يُقال عن اختراقات وتدخلات القوى الأجنبية، أرى أن مجتمعنا في طور التمكّن، ويسعى إلى استعادة ميدان السياسة من الدولة بطريقة سلمية، ومن دون عنف، بمعنى أن الناس، داخل الفضاء الحركي، يزدادون قوة.
صحيح أننا لا نملك عددا كافيا من المنظمات غير الحكومية والمؤسسات المدنية القوية، لكن هناك شبكات متنوعة، حقيقية وافتراضية، وتجمّعات جادّة تجمع الناس معا، وقد أعادت تعريفهم ضمن شبكات من العلاقات المتعددة والمتنوعة، في هذه الشبكات، ينمو المجتمع ويتطور.
ولهذا السبب، قد يُوجّه النقد إلى كثير من النتائج السياسية لتحولات عام 2022، لكن لا يمكن لأحد إنكار آثارها الاجتماعية، فهذه الآثار الاجتماعية نابعة من الفضاء الاجتماعي الآخذ بالتشكّل داخل المجتمع الإيراني.
لذلك، أكرّر مرة أخرى: مجتمعنا في طور التمكّن، ومجتمع كهذا، كلّما ازداد قوة، تعزّزت مطالبه تلقائيا، وفق رؤية أفقية مختلفة، ومن هنا، عندما يتّجه الفضاء العام نحو حالات من الصمود والمقاومة المتبادلة بين الناس، وتظهر حالة من الغضب تجاه القوة التي هاجمت البلاد، فإن هذا التلاحم الأفقي ينساب تدريجيا نحو تلاحم عمودي أيضا.
لكن لا بدّ أن أشير إلى أن نموذج التوقيت الذي التحق فيه الناس، ومن هم الذين كانوا في الطليعة، ومن انضمّ لاحقا، ومن اختاروا الصمت، جميعها عناصر مهمّة، وكما تفضلتم، فإن كل هذه المعطيات تعبّر عن نضج اجتماعي لشعب بدأ في اكتشاف ذاته.
وما يحدث بالضبط هو أن على المجتمع الإيراني، إن أراد البقاء، أن يُعيد النظر في الفضاء الاجتماعي، وأن يُدرك إلى أي حدّ أصبحت أنماط التلاحم المختلفة – الرسمية وغير الرسمية، المؤسسية وغير المؤسسية، العمودية والأفقية – فعّالة وخصبة.
منذ سنوات طويلة، يجري حلّ مشاكلنا الاقتصادية، في كثير من الأحيان، من خلال فضاءات خيرية غير رسمية، ومن خلال الأوضاع العائلية، العديد من الأفراد، بسبب الأوضاع السياسية، لا يجدون سبيلا للتعبير عن مطالبهم إلا في الفضاءات غير الرسمية، مثل الشبكات الاجتماعية الافتراضية وما شابهها.
ولذلك، إلى جانب المؤثرين في الفضاء الرقمي، والنخب الاجتماعية، والأكاديميين بوصفهم محركات اجتماعية، لم نكن نتوقّع أن يخرج بعض الأشخاص إلى الميدان، لكن عندما أصبح الوطن، والشعب، والأمة في قلب المسألة، دخل هؤلاء إلى الساحة، حتى لو كانوا في السابق يُعرَّفون ضمن الفجوة القائمة بين الدولة والشعب.
الحذر من أجل تشكّل التلاحم الأفقي والعمودي بشكل متواز ومع ذلك، فإن تأكيدي الأساسي هو أن تشكيل رأس المال الاجتماعي لا يتحقّق إلا إذا تكوّن التلاحم الأفقي بالتزامن مع التلاحم العمودي.
ويبدو أننا، من أجل تشكّل هذين النوعين من التلاحم بشكل متواز، نشهد توظيفا لرموز من “الشاهنامه” للفردوسي حتى من قِبل أولئك الذين يحملون رؤى أيديولوجية مختلفة.
والسبب في ذلك أن الناس يعبّرون عن غضبهم تجاه أولئك الذين أرادوا الاعتداء على الوطن، وهذا بحدّ ذاته يُعدّ دليلا على تقوية التلاحم الأفقي البنّاء في المجتمع، وهو التلاحم الذي انضمّت إليه مختلف الفئات، بما فيها النخب، وإن كان ذلك بسرعات متفاوتة، ضمن حملة الدفاع عن الوطن.
وأنا أعتقد أنه في أي ظرف من الظروف، سيبقى الناس إلى جانب بعضهم البعض، وسوف يعتنون ببعضهم البعض، لكنّ الشرط الأساسي لذلك هو أن يتقلّص التباعد مع السلطة، وأن يتعزّز التلاحم العمودي أيضا.
ما الذي يمكن فعله لتقليص الفجوة بين الدولة والشعب؟
لتقليص هذه الفجوة، ينبغي زيادة عدد المنظمات غير الحكومية (المدنية) الشعبية، وتنشيط القوى الوسيطة العامة بشكل أكبر،وينبغي على السلطة أن تقلّل من المسافة التي تفصلها عن الناس، لا يمكن توقّع أن يتخلّى شعب بدأ يكتسب القوة عن أدواته، لكي تُتاح للحكم إمكانية ممارسة سلطته.
المهم هو أن نقبل بتعدّد الأصوات بين الناس، وبتنوّعهم، وأن نسعى من خلال القبول بما تقوله الأغلبية إلى تحقيق تلاحم عمودي، وزيادة رأس المال الاجتماعي، وهذا هو الضمان الحقيقي لما أشرتم إليه في سؤالكم الأول.
فمن أجل ديمومة النتائج الإيجابية لأي حدث ـ سواء كان حركة، أو حربا، أو ثورة، أو غيرها ـ يمكن أن يكون له تبعات إيجابية على أي مجتمع.
ومن أجل ترسيخ هذه التبعات الإيجابية داخل المجتمع، وجعلها جزءا من نسيجه المؤسسي، لكي نتمكّن من الاستفادة منها في الأوقات المختلفة، يبدو أننا بحاجة إلى أن نعي أين نقف، وأين يمكن أن نقف مستقبلا، وأن لا نقع في تفسيرات خاطئة.
وبالاستناد إلى رعاية الناس لبعضهم البعض، والتلاحم الأفقي الذي تحقّق،
لا ينبغي أن ننجرف نحو المباهاة أو الادّعاءات التي لا تستند إلى وقائع، وإلا، فإن موجات السخط ستبدأ في الظهور، ويجب القول حينها إن احتمال انكسار هذا التلاحم يبقى قائما.

