خبير إيراني: الاتفاق النووي لم ينتهِ بل يتغير شكله.. والحل عبر ضمانات قانونية ودبلوماسية واقعية

ترجمة: دنيا ياسر نور الدين 

أجرت صحيفة «آرمان ملي» الإيرانية الإصلاحية، السبت 26 يوليو/تموز 2025، حوارا مع المحلل في شؤون العلاقات الدولية حسن بهشتي‌ بور، حول مستقبل الاتفاق النووي (برجام) وتداعيات تفعيل آلية الزناد من قبل الدول الأوروبية، وتناول الحوار أيضا مواقف إيران من التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وإمكانية العودة إلى المفاوضات مع الولايات المتحدة.

وفي ما يلي نص الحوار:

هل الظروف في إيران مناسبة لقبول الشروط التي طرحتها الدول الأوروبية، والتي تشمل استئناف التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والدخول في مفاوضات جديدة مع الولايات المتحدة، مقابل تأجيل إعادة فرض العقوبات الدولية؟

على مدى العقدين الماضيين، شكّل الملف النووي الإيراني أحد أكثر التحديات الدبلوماسية تعقيدا على الساحة الدولية، حيث لعبت “ترويكا أوروبا” – ألمانيا، فرنسا، وبريطانيا – دورا محوريا في تحديد مسار المفاوضات، سواء باتجاه بناء الثقة أو ترسيخ حالة من الشك وانعدام التعاون.

في المرحلة الراهنة، ومع تصاعد الأصوات الأوروبية مجددا بشأن تفعيل “آلية الزناد”، تبدو الحاجة ملحّة لاستخلاص العِبر من تجارب الماضي، التي أثبتت أن تجاهل المبادرات الإيرانية الإيجابية لا يؤدي سوى إلى تعميق الأزمة وعودة الأوضاع إلى مربع المواجهة، وهو سيناريو لا يصب في مصلحة أي طرف.

القلق الأوروبي بشأن البرنامج النووي الإيراني ليس بالأمر الجديد، بل يعود إلى ما قبل عام 2003 غير أن طهران، في إطار سعيها لإثبات حسن النية، أقدمت طوعا على خطوات مهمة، من بينها تنفيذ البروتوكول الإضافي وتعليق الأنشطة النووية ذات الحساسية العالية هذه الإجراءات فُسرت حينها على أنها بادرة واضحة نحو الشفافية، وقد أقر بها مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية آنذاك، مشيدا بالتزام إيران بتعهداتها الدولية.

رغم ذلك، قادت العواصم الأوروبية جهودا داخل مجلس محافظي الوكالة لإصدار سلسلة من القرارات المتشددة بحق إيران، متجاهلة جهود طهران للتعاون هذه السياسات لم تُبنَ في مجملها على تقييمات فنية أو تقنية، بل انطلقت من اعتبارات سياسية تهدف إلى التماهي مع مواقف واشنطن وتل أبيب، وهو ما قاد إلى إضعاف فرص الحل السلمي، ودفع إيران نحو ردود فعل أكثر تشددا.

اليوم، في عام 2025، يبدو أن السيناريو ذاته يُعاد إنتاجه، حيث تسعى “ترويكا أوروبا” إلى استخدام آلية الزناد كأداة ابتزاز دبلوماسي تحت غطاء قانوني، في تجاهل صريح للإشارات الإيرانية الداعية إلى الحوار ومما لا شك فيه أن تكرار هذا النهج لن يؤدي إلا إلى مزيد من التصعيد، في وقت تتطلب فيه الساحة الدولية قدرا أكبر من العقلانية والانفتاح السياسي.

إذا أرادت أوروبا الحفاظ على ما تبقى من قنوات الاتصال والدفع بالمسار التفاوضي قُدما، فعليها إعادة النظر في مقاربتها للملف النووي، والتخلي عن أدوات الضغط القصوى التي أثبتت فشلها، لصالح نهج أكثر توازنا يعترف بالمصالح المتبادلة، ويمنح فرصا حقيقية للحلول الدبلوماسية المستدامة.

لم تُصرّح الوكالة، بشكل صريح، بأن إيران قد انتهكت القوانين الدولية بشأن التخصيب، ففي ظل هذه الظروف، ما الذريعة التي تستخدمها الدول الأوروبية للسعي إلى تفعيل آلية الزناد كوسيلة للضغط على إيران؟

وفقا للمادة 36 من الاتفاق النووي وقرار مجلس الأمن 2231، فإن تفعيل آلية الزناد مشروط بوجود خرق جسيم لأحد الأطراف لالتزاماته، والحقيقة أن إيران حتى عام 2018 التزمت تماما بجميع تعهداتها وفقا لـ15 تقريرا رسميا صادر عن الوكالة.

الولايات المتحدة هي من انسحبت بشكل أحادي وغير قانوني من الاتفاق النووي في 2018 بقرار من الرئيس ترامب، وبدلا من تعويض إيران، كما وعدت أوروبا عبر آلية “إنستكس”، لم تتخذ أي خطوات فعلية خشية من العقوبات الأميركية الثانوية.

بعد عام من الصبر، بدأت إيران في عام 2019 بتقليص التزاماتها تدريجيا وفقا للمادة 36 من الاتفاق، وأعلنت صراحة في كل مرحلة أنها مستعدة للعودة إلى الالتزام الكامل في حال وفاء الطرف المقابل بتعهداته ومن منظور القانون الدولي، فإن إجراءات إيران تُعد رد فعل مشروعا وقانونيا ومتوازنا ضمن بنود الاتفاق.

في المقابل، فقدت الولايات المتحدة و”ترويكا أوروبا” مصداقيتهما القانونية والأخلاقية لتفعيل آلية الزناد، لكونهم المخالفين الأساسيين للاتفاق.

وقد أثبتت التجربة المرة بين عامي 2003 و2006 أن النهج القائم على إصدار القرارات العقابية لم يُثمر بل زاد من تعقيد الأزمة تكرار هذا الخطأ اليوم قد يدفع إيران إلى اتخاذ قرارات أكثر حدة، مثل الخروج من معاهدة NPT، ما سيكون مكلفا لجميع الأطراف.

برأيي، ينبغي على الأوروبيين أن يجربوا مسارا جديدا تجاه إيران، يتمثل في إحياء آليات بناء الثقة، وتصميم أدوات رقابية متبادلة، وإعادة النظر في الهيكل القانوني للاتفاق بما يتماشى مع المعطيات الحالية فالحل المستدام لا يأتي إلا عبر دبلوماسية واقعية، احترام متبادل، وضمان مصالح الطرفين.

في ظل الاستعدادات لزيارة خبراء الوكالة الدولية للطاقة الذرية لإيران لإجراء مفاوضات، ومع مطالبة عدد من الدول الأوروبية بإشراك الولايات المتحدة، وتزامن ذلك مع هجوم أمريكي على منشآت نووية إيرانية خلال فترة التفاوض، ما المحاور المتوقعة للمباحثات المقبلة؟

من الضروري حسم مصير الاتفاق النووي فإذا كانت الدبلوماسية متعددة الأطراف تفتقر إلى الدعم القانوني وضمان التنفيذ، فإن حتى أكثر الاتفاقيات طموحا ستكون عرضة للانهيار مع أي تغيير داخلي في الدول المعنية.

الاتفاق النووي (برجام) كان – وما يزال – نموذجا لاحتواء الأزمات، خفض التصعيد، والردع الناعم فقد قبلت إيران بقيود غير مسبوقة على برنامجها النووي مقابل رفع جزء من العقوبات.

لكن من الناحية القانونية، لم يكن برجام معاهدة دولية مُلزِمة بل مجرد اتفاق سياسي بدون آلية تحكيم مستقلة أو التزام قانوني على الأطراف وهذا الضعف البنيوي هو ما جعل الاتفاق عرضة للانسحاب الأميركي الأحادي.

أما من الناحية الجيوسياسية، فكان الاتفاق محاولة لإعادة إيران إلى دائرة التفاعل العالمي غير أن المعارضة العلنية من إسرائيل، والتردد من قبل السعودية ومصر، والمخاوف من تركيا، عقدت المشهد.

برجام لم يكن مجرد اتفاق حول أجهزة الطرد المركزي ومخزون اليورانيوم، بل كان اختبارا للثقة المتبادلة، الإرادة السياسية، والنزاهة الدبلوماسية بين القوى الكبرى ولهذا السبب، فإن فشل برجام وُجه كضربة للدبلوماسية متعددة الأطراف.

لقد تخطت حالة عدم الثقة الإيرانية الغرب إلى الشك في الحوار، التسوية، بل حتى الاتفاقات برمتها أما انسحاب واشنطن فقد وجه رسالة واضحة للعالم: الاتفاقات الدولية، حتى وإن أقرتها الأمم المتحدة، لا تملك ضمانة بقاء دون دعم قانوني وسياسي متين، بهذا المعنى، فإن فشل برجام أضعف شرعية الدبلوماسية التقليدية، وهو إرث تتجاوز آثاره حدود إيران.

في ظل المعطيات الراهنة، وإذا ما تم التوصل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة، فما ملامح وشروط هذا الاتفاق المحتمل؟

في حال تم التوصل إلى اتفاق مستقبلي بين إيران والولايات المتحدة وأوروبا، فسيكون قائما على أسس برجام، لذا لا يمكن القول إن برجام قد مات، بل هو يتحول من شكل إلى آخر.

لكي ينجح أي اتفاق مستقبلي، فلا بد من وجود ضمانات هيكلية قائمة على ديمومة المصالح المشتركة، احترام الحقوق المتبادلة، ودبلوماسية مستدامة.

كما يتطلب الاتفاق المقبل مشاركة حقيقية من الدول الإقليمية، وضمان حيادية المؤسسات الرقابية.

برجام لم يكن مجرد وثيقة سياسية، بل كان تجسيدا لمحاولة إنسانية كبرى لحل أزمة معقدة، فنجاحه أو فشله ترك أثرا عميقا على مستقبل الدبلوماسية العالمية، وإذا أردنا استخلاص اتفاقات أكثر استدامة من رحم هذه التجربة المريرة، فعلينا أن نتعلم من أخطاء الماضي: غياب ضمانات التنفيذ، تغليب السياسات الداخلية على المصالح العالمية، وتجاهل الهواجس المشروعة للطرف المقابل.

في النهاية، قد يكون برجام قد بقي ناقصا، ولكن دروسه لا تزال حية في عالم يواجه أزمات متتالية.