خبير إيراني: تفعيل آلية الزناد يهدد إيران دوليا والحل في دبلوماسية واقعية

ترجمة: دنيا ياسر نور الدين

أجرت وكالة  أنباء «خبر أونلاين» المحافظة المحسوبة على مكتب علي لاريجاني، الثلاثاء 22 يوليو/تموز 2025، حوارا مع أستاذ العلاقات الدولية، جهانبخش إيزدي، حول تهديد الدول الأوروبية بتفعيل آلية الزناد وإعادة فرض العقوبات الدولية على إيران، في حال عدم إحراز تقدم في المفاوضات النووية والآثار الاقتصادية والسياسية المحتملة لهذا الإجراء، ويؤكد أن الحل يكمن في استخدام دبلوماسية ذكية وواقعية لتجنب العزلة الدولية وتخفيف الضغوط.

وفي ما يلي نص الحوار:

ما مدى تأثير إعادة تفعيل قرارات مجلس الأمن السابقة ضد إيران؟ وهل من المنطقي التقليل من خطورة هذه الخطوة بحجة أن إيران تخضع في الأصل لعقوبات دولية وأمريكية مشددة؟

يرى بعض المحللين أن تفعيل آلية الزناد لإعادة فرض قرارات مجلس الأمن السابقة على إيران لن يكون له تأثير ملموس على الواقع، وذلك لأن الولايات المتحدة قد استنفدت بالفعل معظم أدواتها العقابية تجاه طهران فقد فرضت واشنطن عقوبات شاملة، شملت العقوبات الأولية والثانوية، كما مارست ضغوطا هائلة على الدول والشركات الأجنبية لثنيها عن التعامل مع إيران، مهددة بفرض غرامات وعقوبات صارمة على من يخالف هذه الإجراءات.

وبفعل هذه الضغوط، يلتزم الاتحاد الأوروبي فعليا بالعقوبات الأميركية، وإن لم يكن ذلك عبر إطار قانوني رسمي، بل نتيجة الخشية من التعرض للعقوبات الأميركية كذلك، فإن العديد من الدول الأخرى باتت تتجنب التعامل الاقتصادي مع إيران بسبب المخاطر العالية والتعقيدات القانونية التي تحيط بهذه التعاملات.

وانطلاقا من هذا الواقع، يعتقد البعض أن الأمور لا يمكن أن تسوء أكثر بالنسبة لإيران، وأن إعادة فرض قرارات مجلس الأمن لن تضيف بعدا جديدا إلى العقوبات المفروضة حاليا. لكن هذا التحليل، رغم انتشاره، يتضمن ثلاث مغالطات رئيسية على الأقل، تجعل من الخطأ التقليل من أهمية تفعيل آلية الزناد:

أولا: جميع قرارات مجلس الأمن السابقة بشأن إيران قد صدرت بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، مما يعني أن البرنامج النووي الإيراني صُنف رسميا على أنه تهديد للسلم والأمن الدوليين وبناء عليه، فإن إعادة فرض هذه العقوبات عبر آلية الزناد يمنحها طابعا ملزما من الناحية القانونية الدولية هذا البعد القانوني مختلف تماما عن العقوبات الأمريكية الأحادية، إذ يُلزم جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بتنفيذ هذه القرارات، بغض النظر عن مواقفها السياسية أو الاقتصادية، ما يمنح العقوبات طابعا دوليا أكثر قوة وتأثيرا.

ثانيا: إعادة فرض العقوبات الدولية لا تقتصر على الجوانب القانونية فحسب، بل سيكون لها تأثير نفسي واقتصادي عميق داخل إيران، خصوصا في ظل الأزمة التي تعاني منها الأسواق المالية الإيرانية عودة العقوبات الأممية ستُشكل صدمة معنوية كبيرة، تتجاوز في أثرها العقوبات الأميركية المنفردة، لأن شرعيتها الدولية تعني أن الشركات والدول الكبرى ستتجنب كليا التعامل مع إيران، خشية الوقوع في مخالفة قرارات مجلس الأمن.

ثالثا: من أبرز التحديات التي ستنجم عن عودة قرارات مجلس الأمن، عودة العقوبات الأوروبية التي كانت قد رُفعت سابقا بموجب الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) إعادة تفعيل هذه العقوبات سيتطلب من أوروبا إجراءات قانونية ودبلوماسية معقدة، منفصلة عن الحوار مع الولايات المتحدة ورغم أن الاتحاد الأوروبي يعلن حاليا أنه لا نية لفرض عقوبات جديدة إذا التزمت إيران بالاتفاق، إلا أن مجرد تفعيل العقوبات الملغاة سابقا سيستلزم مفاوضات جديدة مع طهران، ما قد يدفع إيران لتقديم تنازلات إضافية، ويزيد من تعقيد مسار العودة إلى الاتفاق.

رابعا: من المحتمل أن يؤدي تفعيل قرارات مجلس الأمن إلى السماح مجددا بعمليات التفتيش الدولية على السفن الإيرانية، وخاصة ناقلات النفط مثل هذا الإجراء سيُعطل بشكل كبير صادرات إيران من النفط، التي تُعد أحد المصادر الأساسية لاقتصاد البلاد، وسيفرض مزيدا من الضغوط على قطاع الطاقة الإيراني.

خامسا وأخيرا: إعادة فرض العقوبات الدولية سيمنح الجهود الدولية ضد إيران شرعية أوسع، ويعمّق من عزلتها السياسية على الساحة الدولية. هذا العامل تحديدا يُعد أحد أكثر التداعيات حساسية من منظور طهران، لأن شرعية العقوبات على مستوى مجلس الأمن تُضعف حجج إيران أمام المجتمع الدولي، وتقلّص من فرصها في بناء تحالفات سياسية أو اقتصادية فاعلة ولهذا السبب، كان وزير الخارجية الإيراني  عباس عراقجي يُحذر مرارا من أن تفعيل آلية الزناد سيجعل الوضع أكثر تعقيدا ويُغلق نوافذ الحلول الدبلوماسية.

من هذا المنطلق، فإن من يستهين بتداعيات تفعيل آلية الزناد، إما ينطلق من رؤية سياسية متطرفة، أو أنه لا يُدرك حقيقة تعقيدات النظام الدولي للعقوبات، ولا حجم التأثير الذي يمكن أن تُحدثه العودة إلى قرارات مجلس الأمن من الناحيتين القانونية والاقتصادية.

ما الفرق بين المادة 41 والمادة 42 من ميثاق الأمم المتحدة، ولماذا قد يُثير خضوع إيران لأحكام المادة 41 القلق بشأن احتمال اتخاذ عمل عسكري ضدها؟

لفهم هذا الأمر، يجب أولا التوقف عند المادة 40، التي تُعد بمثابة إنذار أولي يوجهه مجلس الأمن إلى الأطراف المعنية، يطالبهم فيه بالامتناع عن اتخاذ أي خطوات تصعيدية، دون أن يفرض إجراءات مُلزمة بعد بعد ذلك تأتي المادة 41، والتي تخوّل مجلس الأمن فرض إجراءات غير عسكرية، مثل العقوبات الاقتصادية، وقطع العلاقات الدبلوماسية، وفرض حظر على التعاملات التجارية.

لكن في حال اعتبر المجلس أن هذه الإجراءات لم تعد كافية، فإنه قد يلجأ إلى المادة 42، التي تُجيز استخدام القوة العسكرية لاستعادة الأمن والسلم الدوليين ولهذا، فإن إثارة المادة 41 تُعد خطوة خطيرة، لأنها تُمهّد قانونيا وسياسيا لاحتمال الانتقال إلى الخيار العسكري، إذا لم تنجح العقوبات في تحقيق أهدافها.

لكن، في الواقع، لا تنتظر القوى الكبرى دائما صدور قرارات رسمية فالحرب الأخيرة التي دامت 12 يوما تُظهر أن الدول قد تتخذ خطوات عسكرية حتى دون قرار من المجلس، مع محاولة لاحقة لمنحها غطاء شرعيا مثال آخر هو الحرب الروسية على أوكرانيا؛ روسيا، وهي عضو دائم في المجلس، شنت حربها دون تفويض من مجلس الأمن.

وهذا يُظهر أن التعويل على المؤسسات الدولية لا يجب أن يكون مفرطا، لأنها أصبحت ضعيفة وغير فعّالة. فمجلس الأمن لم ينجح في إصدار قرار واحد يدين الغزو الروسي لأوكرانيا أو انتهاكات إسرائيل.

برأيكم، ما الحل الأفضل لتجنب إعادة فرض قرارات مجلس الأمن السابقة؟

أفضل خيار هو استخدام أدوات الدبلوماسية بذكاء وفعالية علينا أن نفهم بالضبط ما الذي يريده الطرف الآخر سواء الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي الأوروبيون، رغم بقائهم الرسمي في الاتفاق، يعتقدون أنه إن لم يتم التوصل لاتفاق بشأن مستقبل البرنامج النووي الإيراني، فإنهم سيفعلون آلية الزناد.

وفي هذا السياق، فإن المواقف الغربية متعددة: ترامب قال إنه لا حاجة للمفاوضات لأنه دمر كل شيء، بينما الأوروبيون يرون أن الحل لا يزال ممكنا عبر الحوار النقطة الجوهرية هي أن كل المكاسب العسكرية للولايات المتحدة أو إسرائيل في الملف النووي الإيراني يجب تحويلها إلى اتفاقات قانونية ملزمة عبر الدبلوماسية، وإلا ستبقى منقوصة وغير مشروعة الدبلوماسية، إذن، تمنح المشروعية للإنجازات العسكرية.

يسير الاتحاد الأوروبي على نهج مشابه للولايات المتحدة، يتمثل في المطالبة بوقف كامل لبرنامج التخصيب النووي الإيراني فإذا كانت إيران تملك القدرة على الصمود، فعليها أن تُبرهن على ذلك على طاولة المفاوضات.

وكما قال فريدريك الثاني، ملك بروسيا وأحد أبرز القادة العسكريين والإصلاحيين في التاريخ الأوروبي: “الدبلوماسية بلا قوة، كالموسيقى بلا آلات”.

بالتالي، إن كانت إيران تمتلك أوراق القوة، فعليها أن تُثبتها أما إذا لم تستطع، فلابد من التوصل إلى اتفاق دائم وشامل، وإلا فإن “آلية الزناد” ستُفعّل، ما سيؤدي إلى تداعيات خطيرة وواسعة النطاق.