- زاد إيران - المحرر
- 646 Views
أجرت صحيفة شرق الإيرانية، الخميس 31 يوليو/تموز 2025، حوارا مع بهرام أمير أحمديان، الخبير في شؤون منطقة القوقاز، تناول أبعاد الصراع المستمر حول ممر زانغزور، وتداعياته الجيوسياسية على المنطقة، لا سيما في ظل تعقّد العلاقات بين أذربيجان وأرمينيا، وتنامي الدور التركي، وتزايد القلق الإيراني من التدخلات الأجنبية قرب حدودها.
وفي ما يلي نص الحوار:
مرّ نحو شهر على تصاعد التحركات بين أذربيجان وأرمينيا حول ممر زانغزور، هل تمهّد هذه التطورات لفصل جديد في القوقاز، أم أن معارضة إيران وروسيا ستُعقّد الأمر؟
جمهورية أذربيجان مقسّمة إلى قسمين يفصل بينهما أراضي أرمينيا: القسم الرئيسي شرقها، ونخجوان غربها، قبل تفكك الاتحاد السوفييتي، كان الاتصال بينهما يتم عبر أراضي أرمينيا بمحاذاة نهر أرس.
منذ 1988، اندلع نزاع بين أرمينيا وأذربيجان حول إقليم قره باغ الجبلي، وهو منطقة داخل أذربيجان ذات أغلبية أرمنية طالبت بالانضمام لأرمينيا.
أدّى ذلك إلى حرب شاملة سيطر خلالها الأرمن على الإقليم ومحيطه، أي نحو 20% من أراضي أذربيجان، فشلت الوساطات الأممية، وأُحيل الملف إلى “مجموعة مينسك”.
بقي النزاع معلقا لعقود، وفي 2020، شنت أذربيجان هجوما عسكريا استعاد مناطق واسعة من قره باغ خلال حرب استمرت 44 يوما، انتهت بهزيمة أرمينيا، تدخلت روسيا لاحقا ووقّعت اتفاقا من 9 مواد.
المادة السادسة من الاتفاق نصّت على فتح ممر “دالان لاتشين” لربط أرمن قره باغ بأرمينيا، بعرض 5 كيلومترات لتأمين المرور، أما المادة التاسعة، فنصّت على إنشاء ممر “زانغزور” لربط أذربيجان بنخجوان عبر أرمينيا، بمحاذاة الحدود الإيرانية، تولت أمن هذا الممر قوات حرس الحدود الروسية، وأُرسلت قوات حفظ سلام روسية لضمان التنفيذ.
فتح هذا الممر لا يزال محل جدل، خاصة مع موقف إيران وروسيا، ما يجعل تنفيذه غير مضمون حتى الآن.

هل غيّرت حرب أوكرانيا من دور روسيا في هذا الملف؟
مع اندلاع حرب أوكرانيا، تغيّر المشهد الجيوسياسي في المنطقة، وتأثّر دور روسيا في جنوب القوقاز بهذه المستجدات، في عام 2022، سحبت روسيا جزءا من قوات حفظ السلام التابعة لها من منطقة قره باغ بسبب انخراطها في حرب أوكرانيا.
من الناحية القانونية، وُقّعت هذه الاتفاقية بين ثلاث دول هي روسيا، وأرمينيا، وجمهورية أذربيجان، وبدون توقيع الدولتين الأخريين اللتين ترأسان مجموعة مينسك، وهما الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، وهما أيضا من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، لا يمكن اعتبارها وثيقة رسمية صادرة عن مجلس الأمن، وبناء عليه، تُعد هذه الاتفاقية من منظور القانون الدولي خالية من أي دعم رسمي من مجلس الأمن.
ومن النقاط المهمة الأخرى مسألة تنفيذ البند السادس من الاتفاقية، الذي نصّ على وجوب تمكّن الأرمن المقيمين في قره باغ، والذين عاشوا هناك تاريخيا، من الوصول إلى الأراضي الأرمينية عبر ممر لاتشين.
إلا أن جمهورية أذربيجان لم تلتزم بتنفيذ هذا المسار بالكامل، بل قامت فعليا بمحاصرة المنطقة وفرضت ضغوطا على الأرمن، ونتيجة لذلك، اضطُر نحو 120 ألفا من الأرمن المقيمين في قره باغ الجبلية إلى مغادرة منازلهم وأراضيهم وبساتينهم وممتلكاتهم والهجرة نحو أرمينيا، وبسبب هذا التهجير القسري، أصبحت منطقة قره باغ خالية من السكان.
وفي ظل عدم تنفيذ البند السادس وما يترتب عليه من التزامات تتعلق بحقوق الأرمن، فإن تنفيذ البند التاسع، الذي يسمح لأذربيجان بإنشاء ممر بري إلى نخجوان، أصبح من الناحية القانونية موضع شك واعتراض، وبما أن الاتفاقية تُعتبر حزمة متكاملة، فإن عدم تنفيذ أحد بنودها يؤدي إلى فقدان شرعية تنفيذ البنود الأخرى.

لماذا تُصرّ جمهورية أذربيجان على فتح ممر زانغزور، بل تلجأ أحيانا إلى التهديد ضد إيران بسببه؟
التعريف القانوني لـ”الممر” هو: جزء من أراضي دولة يُسمح لدولة أخرى باستخدامه للعبور نحو دولة ثالثة، مع احتفاظ الدولة المالكة للممر بالسيادة الكاملة، والقوانين، وحق الملكية، والسيطرة على الحدود، وهذا يعني أن أي شخص أو وسيلة ترغب في دخول هذا الممر يجب أن تخضع لإشراف حرس الحدود، ويتوجّب تنفيذ إجراءات الفيزا للدخول، والتسجيل والمراجعة عند الخروج.
مع ذلك، تدّعي جمهورية أذربيجان أن أرمينيا ملزمة بتوفير هذا الممر لصالحها، دون اعتبار لتنفيذ البند السادس من الاتفاق، وفي بعض الأحيان، هدّدت أذربيجان صراحة باستخدام القوة إذا لم يتم توفير هذا الطريق.
إضافة إلى ذلك، نشرت صحيفة “كومرسانت” الروسية، بعد توقيع اتفاق عام 2020، خريطة تظهر فيها طريق يُسمى “ممر زانغزور”، يربط تركيا عبر أراضي أرمينيا (منطقة سيونيك) بجمهورية أذربيجان، ومنها إلى بحر قزوين ثم آسيا الوسطى.
في ظل وجود طرق قائمة بين تركيا وآسيا الوسطى عبر جورجيا وأذربيجان، فما الحاجة إلى توسيع هذا الممر الجديد؟
تركيا متصلة أصلا بآسيا الوسطى عبر طرق تمرّ بجورجيا وأذربيجان، كما أن أذربيجان تعتمد منذ 35 عاما على طريق بري يمرّ عبر إيران للتواصل بين نخجوان وباقي أراضيها، دون مشاكل تُذكر.
سمحت إيران بهذا العبور بشكل إنساني وسلمي، بل ووفرت البنية التحتية وسهّلت التنقل، دون تلقي أي تقدير رسمي من أذربيجان، رغم مطالبة الأخيرة لإيران بقطع علاقاتها مع أرمينيا.
إيران أيضا ساعدت أرمينيا المحاصرة في التسعينيات، ووفرت لها منفذا بريا وحيويا للعالم الخارجي، وأنشأت معها “جسر الصداقة” على نهر أرس، لكنها حرصت دائما على الحياد والتوازن، ورفضت الانجرار لتحريضات أي طرف.
اليوم، تسعى تركيا وأذربيجان لإنشاء ممر زانغزور لربط تركيا مباشرة بباكو، ثم بآسيا الوسطى، لكن هذا الممر غير موجود بعد، ويحتاج لموافقة أرمينيا، ورغم أن هناك طريقا بديلا عبر جورجيا، إلا أن المشروع الجديد مدفوع بطموح جيوسياسي يهدف إلى ربط “العالم التركي”، وقد يُستخدم لفرض نفوذ خارجي على حدود إيران.
إيران ترفض بشدة وجود قوى أجنبية كالناتو أو إسرائيل قرب حدودها، وترى في هذا المشروع تهديدا مباشرا لأمنها، ورغم أن روسيا أيدت المشروع أحيانا بسبب انشغالها بأوكرانيا، فإنها عادت وراعت موقف إيران.
مؤخرا، طرح ترامب فكرة “استئجار” الممر كما استُأجرت هونغ كونغ، لتديره شركات أمريكية، بينما تنقسم أرمينيا، صاحبة الأرض، بين مؤيد ومعارض، باشينيان طرح مشروع “مفترق طرق السلام”، مؤكدا أن بلاده تدرس كل المقترحات.
ما سبب اعتراض إيران على إنشاء الممر الذي تُصرّ عليه باكو وتحظى بدعم جزئي من تركيا في هذا المسار؟
المشكلة أن كثيرا ممن يتحدثون عن هذا الموضوع لا يملكون دراية كافية به، فيقولون مثلا إنه إذا تم إنشاء الممر، فسيُقطع اتصال إيران بالعالم الخارجي.
ما هذا المنطق؟ وهناك من يتحدث عن “الاختناق الاستراتيجي” لإيران دون أن يشير إلى حدودها مع جمهورية أذربيجان، أو يذكر أن إيران على اتصال بروسيا، وبالتالي بأوروبا، عبر بحر قزوين، وكذلك ترتبط بالصين عبر آسيا الوسطى.
حساسية إيران تجاه ممر زنغزور لا تعود لأسباب تتعلق بالمسار أو الاتصال، بل بسبب تدخل فاعلين من خارج المنطقة.
إيران لا تقبل أن تقترب إسرائيل أو الناتو من حدودها الشمالية الغربية تحت غطاء مثل هذه الممرات، لما يمثله ذلك من تهديد لأمنها القومي، إيران تسعى إلى السلام والاستقرار والهدوء في المنطقة.
فهي تمتلك أكثر من ألفي كيلومتر من السواحل في الخليج العربي وبحر عمان، وتتمتع بارتباطات مع العالم، من يتحدثون عن “الاختناق الجيوسياسي” لا يدركون حقيقة الموقع الإيراني.
إذا أرادت جمهورية أرمينيا، كدولة مستقلة، أن تتيح أراضيها لمرور ممرات مقابل الحصول على رسوم عبور، فهذا الأمر يندرج ضمن سيادتها الوطنية، ولكن ينبغي ألا يتسبب ذلك في إزعاج لإيران.
الشرط الإيراني يتمثّل في أن هذه الممرات لا يجب أن تتحوّل إلى ذريعة لوجود قوات أجنبية، سواء من الناتو أو الاحتلال الإسرائيلي، في المنطقة، ينبغي أن تُستخدم هذه المسارات فقط في إطار التبادلات الإقليمية، بشكل مباشر، مستقل، وضمن نطاق محدود.
العلاقات بين إيران وأذربيجان شهدت دائما صعودا وهبوطا، هل يمكن أن تؤدي قضية ممر زانغزور إلى تصعيد التوترات بين طهران وباكو في هذا السياق؟
لدينا علاقات وثيقة مع جمهورية أذربيجان، العلاقة مع جمهورية أذربيجان لها جذور تاريخية وثقافية ودينية عميقة، لكن في هذا البلد هناك بعض القوى التي تعارض هذه العلاقة، إيران مهتمة بتعزيز العلاقات الثنائية الطيبة، وقد سعت دائما إلى تجنّب التوتر مع جيرانها.
في الآونة الأخيرة، تخطط إيران لتطوير خط سكة حديد رشت – آستارا، ومن خلاله، سيتشكّل الجزء السككي من ممر الشمال – الجنوب الذي يمر غرب بحر قزوين.
في وقت سابق، وتحديدا في عام 2014، تم ربط المسار السككي الشرقي لهذا الممر، عبر روسيا وكازاخستان وتركمانستان، بإيران، وأُلحق بشبكة السكك الحديدية الوطنية.
أحيانا يبدو أن جمهورية أذربيجان قد تسعى مستقبلا إلى استخدام ربط خط رشت – آستارا وتحويله إلى أداة للضغط أو التوسع بما يخدم أهدافها الخاصة، أي أن باكو قد تستخدمه كوسيلة ضغط ضد إيران، ويمكنها قطع هذا الاتصال متى شاءت.
إضافة إلى ذلك، فإن هذا الخط الحديدي، الواقع على الساحل الغربي والشمال الغربي لبحر قزوين، يمر بمنطقة هشة من حيث البيئة والغابات، وسيلحق المشروع أضرارا بالبيئة، ويغيّر طبيعة المنطقة، ويضر بالأراضي الزراعية، وسيتسبب في مشكلات بيئية واقتصادية واجتماعية وثقافية كثيرة.
على أي حال، نحن نعتقد أن جمهورية أذربيجان لاعب متقلب المزاج في منطقة القوقاز، ويجب أن نتعامل معها على النحو نفسه، وبطريقة لا تسمح لها باستغلالنا.
في الوقت الراهن، توترت العلاقات بين جمهورية أذربيجان وروسيا أيضا، في دبي، جرت مفاوضات بين أرمينيا وباشينيان، لكن الأهم من كل ذلك هو مبادرة ترامب، الذي يسعى إلى استئجار تلك المنطقة لمدة 99 عاما، والسماح للشركات الأمريكية بالعمل فيها، نحن نعارض بشدة وجود أمريكا في معادلات المنطقة المجاورة لنا، ولا نريد أن يُعرّضوا أمن المنطقة واستقرارها للخطر.

ما سبب معارضة إيران وروسيا لفتح ممر زانغزور؟ وهل قد تتصاعد هذه المعارضة في ظل المقترح الأمريكي باستئجار الممر؟
إيران وروسيا تعارضان فتح ممر زنغزور لأنه يُهدد أمن المنطقة ويُمهّد لتوسّع نفوذ قوى غير إقليمية، مثل الولايات المتحدة والناتو، المقترح الأمريكي باستئجار الممر 100 عام زاد من حساسية الموقف، خاصة من جهة إيران، التي ترى أن هذا المشروع لا يخدم مصالح اقتصادية حقيقية، بل هو ممر سياسي-جيوستراتيجي لربط “العالم التركي” عبر أراضي أرمينيا.
الممر المقترح طويل ومعقّد، يمرّ عبر نقاط تفتيش أرمينية متعددة، ما يجعله غير عملي اقتصاديا، إضافة إلى ذلك، لا يوجد في جنوب شرق تركيا صادرات صناعية تبرر فتح هذا المسار، بينما تملك تركيا أصلا طرقا بديلة أكثر كفاءة تمرّ عبر جورجيا إلى باكو، ثم إلى آسيا الوسطى عبر بحر قزوين.
إيران أيضا ترى أن من يروّجون لهذا الممر يسعون إلى زعزعة استقرار القوقاز، وفرض ترتيبات جديدة في المنطقة على حساب الأمن الإقليمي، وقد تم تهجير الأرمن من قره باغ، وتغيّرت التركيبة السكانية، وهو ما يزيد من تعقيد الوضع، كما أن النزاعات القديمة بشأن الممتلكات واللاجئين لم تُحل، وتُستغل اليوم سياسيا.
المنطقة أصلا هشّة، مع وجود أقاليم متنازع عليها في جورجيا، وأغلبية أرمينية في جنوبها تطالب بالانضمام لأرمينيا، لذلك، ترى إيران وروسيا أن الوقت غير مناسب لأي ترتيبات جيوسياسية قد تُشعل المنطقة من جديد.
هل تُعد المناورات العسكرية المشتركة بين إيران وروسيا في يوليو رسالة تحذيرية إلى جمهورية أذربيجان؟
المناورات لا تحمل أي تهديد أو تحذير لأذربيجان، إيران وروسيا تُجريان تدريبات لتعزيز التعاون وتبادل الخبرات، تحسّبا للطوارئ، وليس لمواجهة أذربيجان، العام الماضي، نظّم البلدان مناورة ببحر قزوين شاركت فيها أذربيجان أيضا.
رغم أهمية العلاقات الطيبة مع أذربيجان، فإن اقتصادات إيران وأذربيجان وروسيا قائمة على النفط، وأسواقها غير متكاملة، مما يحدّ من تطور العلاقات الاقتصادية، التبادل بين إيران وأذربيجان أقل من مليار دولار، ومع روسيا نحو ثلاثة مليارات، وكلاهما دون المستوى المأمول.

