خبير إيراني: نصف مدارس البلاد متهالكة وميزانية التعليم رهينة الفساد وضعف التخطيط

ترجمة: دنيا ياسر نور الدين 

أجرت صحيفة رسالت الإيرانية الأصولية، الأحد 21 سبتمبر/أيلول 2025، حوارا مع الخبير في شؤون التعليم والبنية التحتية المدرسية، حجّت‌الله بنيادي، حول أزمة المدارس المتهالكة وغير الآمنة في البلاد، وأوضح خلاله أنّ واقع الأبنية المدرسية يكشف غياب خطة عملية واضحة وفعّالة لدى وزارة التربية والتعليم للتجديد أو التخلص من المباني القديمة، كما انتقد ضعف دور الهيئات الرقابية، لا سيما البرلمان الإيراني، في هذا المجال. 

وفي ما يلي نص الحوار:

لماذا لم تُتخذ إجراءات جدية لترميم المدارس المتهالكة أو بناء مدارس جديدة؟ وما سبب تراجع جودة الصفوف في المدارس الحكومية وعدم صرف الميزانية الكاملة المخصّصة للتربية والتعليم وتطوير المدارس خلال السنوات الأخيرة؟ وهل هناك ما هو أهم من سلامة التلاميذ؟

إنّ السبب الأساسي للعديد من المشكلات والنواقص في بناء وتجهيز المدارس يعود إلى تبنّي استراتيجيات خاطئة وإهمال مسؤولي التربية والتعليم لمسألة تنفيذ القوانين ومراجعتها وتحديثها في هذا المجال، فقانون إنشاء منظمة إعادة بناء وتطوير وتجهيز المدارس الصادر عام 1975 لم يُراجَع بعد مرور 50 عاما عليه رغم التغييرات الكبيرة في هيكل الدولة وخصوصا بعد إقرار وثيقة التحول، والأسوأ أنّ بعض مواده المهمة لم تُنفّذ بشكل صحيح.

وبحسب القانون، يُعَدّ «مجلس المنظمة» أحد أهم أركان منظمة إعادة بناء وتطوير وتجهيز المدارس في البلاد، حيث أُقرت مهامه وصلاحياته عام 1975 من قبل مجلس الوزراء.

ويرأس هذا المجلس وزير التربية والتعليم، وأعضاؤه هم: نائب منظمة التخطيط والميزانية، ورئيس أو نائب منظمة الإدارة والتوظيف، ونائب وزارة الشؤون الاقتصادية والمالية، ونائب وزارة الطرق والإسكان، ونائب وزارة التعاون والشؤون القروية، ونائبا الشؤون الإدارية والمالية والتخطيط بوزارة التربية، إضافة إلى نائب آخر يختاره الوزير، لكن رغم تركيبة المجلس وصلاحياته القانونية، لا توجد في برامج وأداء المنظمة وثائق تثبت اجتماعاته أو قراراته.

وينصّ جزء آخر من هذا القانون على أنّ للمنظمة صلاحية إحالة التنفيذ المباشر للمشاريع إلى مجالس التربية والتعليم في المناطق أو إلى «لجان نسبة 3 بالمئة» (المشرفة على حصة التربية) المنصوص عليها في قانون يوليو/تموز 1955، على أن تُنفّذ وفقا للوائح المنظمة للاعتمادات، لكن رغم وجود قانون محكم في هذا الصدد، جرى تجاهل هذه الصلاحية، واتجهت المنظمة بدلا من ذلك إلى توسيع هيكلها بشكل غير سليم، مما أدى إلى تهميش الطاقات والفرص القانونية.

وينصّ «قانون الإشراف على إنفاق حصة الثقافة من عوائد البلديات» الصادر في 28 يونيو/حزيران 1955، على تشكيل لجنة باسم «لجنة الإشراف على حصة الثقافة» في كل نطاق بلدي، تضم رئيس دائرة الثقافة، رئيس المجلس البلدي أو ممثلا عنه، وثلاثة من وجهاء المنطقة بترشيح من دائرة الثقافة وموافقة الحاكم أو نائبه. 

وتُناط بهذه اللجنة مهمة الإشراف على إنفاق الحصة المخصّصة للثقافة. وتعدّ هذه المهمة واجبا وطنيا شرفيا دون مقابل مادي.

وجاء في المادة (4) من القانون أنّ «الإيراد المتحقق من نسبة 5 بالمئة المذكورة، طالما لم تُغطَّ احتياجات الأبنية الثقافية، يجب أن يُخصَّص حصرا لبناء وشراء الأبنية الثقافية والأراضي، وأن يُصرف داخل نطاق البلدية ذاتها، ولا يجوز بأي شكل نقل قرش واحد منه إلى نطاق آخر». 

كما نصّ التذييل على أنّ اللجنة تستطيع، إذا لم تكفِ العوائد السنوية، أن تستدين بما يعادل خمسة أضعاف تلك العوائد من الإيرادات المستقبلية.

أما المادة (5) فقد حدّدت مهام اللجنة كالآتي:

  •  أ) شراء الأراضي لبناء المدارس إضافة إلى ما يتبرع به الميسورون. 
  • ب) شراء مبان جاهزة تصلح أن تكون مدارس. 
  • ج) إصلاح وإكمال الأبنية المدرسية القائمة وتأمين أراض للرياضة. 

ونصّ التذييل على أنّه «إذا كانت الدولة أو البلدية تملك أراضي يمكن استخدامها لبناء المدارس، فيجب نقلها مجانا لهذا الغرض» هذه مجرد مقاطع من القوانين السابقة التي، للأسف، جرى تجاهلها وكأنها أُلغيت.

ونصّت المادة نفسها على أنّ «وزارة الثقافة ووزارة الداخلية مكلفتان بتنفيذ هذا القانون» وهذا يعني أنّ وزارة الداخلية أيضا لها دور في تأمين الفضاءات التعليمية والرياضية للمدارس.

كذلك نصّت المادة (2) من قانون إنشاء منظمة إعادة بناء وتطوير وتجهيز المدارس عام 1975 على أنّ أولى مهام المنظمة هي: «إجراء الدراسات اللازمة لتوزيع المدارس في مناطق البلاد المختلفة مع مراعاة التغيرات الديمغرافية والاقتصادية والاجتماعية». 

وقد ورد هذا الواجب عام 2011 في وثيقة التحول التربوي في البند (21-2) الذي ألزم وزارة التربية والتعليم بـ«إرساء نظام لتحديد مواقع المدارس استناداً إلى مخطط استعمالات الأراضي والتحولات السكانية (لخمسين عاما مقبلة)».

لكن، وفقا للوثائق المنشورة من وزارة التربية ( منظمة إعادة بناء وتطوير وتجهيز المدارس) وخصوصا ما يتصل بوثيقة التحول التربوي، لا وجود لما يُسمّى نظام تحديد مواقع المدارس، وما هو منشور لا يتعدى العموميات ومجموعة من التعليمات والتوصيات المكررة في وثائق أخرى.

وعليه، فإنّ الجذر الأساسي لنقص المدارس، ووجود مدارس متهالكة، وفصول مكتظة (بسبب نقص الفضاءات التعليمية)، ومدارس فارغة من التلاميذ (في بعض المناطق الريفية)، هو اعتماد استراتيجيات مركزية خاطئة، وتجاهل القوانين والطاقات المحلية، وضعف وعجز منظمة إعادة بناء وتطوير وتجهيز المدارس في وضع وتطبيق نظام موحّد لتحديد مواقع المدارس.

ويظهر ضعف التخطيط المدرسي إلى حدّ أنّه في طهران وبعض المدن الأخرى، ورغم الفصول المكتظة والمدارس المتهالكة، جرى تأجير بعض المدارس الحكومية لمؤسسي المدارس غير الحكومية!

إنّ العدد الكبير من المدارس المتهالكة وغير الآمنة، إلى جانب التجربة الممتدة لعقود، رغم الجهود المشكورة للمحسنين في بناء المدارس، يثبت أنّ وزارة التربية والتعليم بحاجة إلى تغيير جذري في استراتيجياتها لتأمين الفضاءات التعليمية والتربوية عبر تحديث وإصلاح وإقرار القوانين، خصوصا القانونين المشار إليهما.

فالنهج الحالي للوزارة لا يملك القدرة على إرساء نظام موحّد لتحديد مواقع المدارس، ولا على إدارة عمليات البناء على أساس العدالة ورؤية واضحة مع تأمين الاعتمادات اللازمة، كما أنّه لا يملك الإرادة لنقل مهمة بناء المدارس إلى المجالس البلدية ومجالس التربية والتعليم المحلية.

إضافة إلى المدارس الحكومية، فإنّ المدارس الخاصة التي تعمل في إيران تحت اسم «غير انتفاعية»، وعلى الرغم من تقاضيها رسوما باهظة، غالبا ما تلجأ إلى استئجار مبان قديمة ومتهالكة لإقامة مدارس خاصة، الأمر الذي يعرّض حياة الأطفال للخطر. لماذا يجب أن يكون هذا الوضع قائما أيضا في المدارس غير الحكومية؟

في ما يخصّ المباني المتهالكة وغير المعيارية للمدارس غير الحكومية، فإنّ الموضوع مختلف. هذه المدارس أُلزمت بموجب قانون التأسيس واللوائح ذات الصلة عدة مرات بتأمين فضاءاتها التعليمية بما يتوافق مع الضوابط والقوانين خلال مهلة من سنتين إلى ثلاث سنوات، لكن هذا لم يتحقق إلا في عدد محدود من المدارس. 

الغالبية العظمى من المدارس غير الحكومية قائمة في مبان سكنية قديمة جرى تحويلها إلى مدارس بتغييرات بسيطة، وبموافقة من منظمة إعادة بناء وتطوير وتجهيز المدارس. 

هنا، تضارب المصالح، والفساد، والنفوذ، والضغوط السياسية والاجتماعية لبعض مؤسسي المدارس غير الحكومية، إلى جانب ضعف وعجز منظمة إعادة بناء وتطوير وتجهيز المدارس ومنظمة المدارس غير الحكومية، جعل هذه المدارس تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الفضاء التعليمي. 

وبحسب وثيقة التحول التربوي الشامل، فإنّ البنية الرسمية للتعليم في البلاد هي (3-3-3-3)، أي أنّ المدارس الابتدائية يجب أن تعمل في مبان منفصلة للمراحل (الأول إلى الثالث) و(الرابع إلى السادس). 

لكن ضعف أداء وزارة التربية والتعليم وضعف الرقابة من الهيئات المشرفة، خصوصاً المجلس الأعلى للثورة الثقافية، جعل هذا الأمر لا يُطبَّق حتى في المدارس غير الحكومية. 

ففي هذه المدارس التي تضمّ أيضا مرحلتين تمهيديتين، يدرس التلاميذ والأطفال من ثماني مراحل دراسية مختلفة وبفوارق عمرية كبيرة داخل مبنى فيلا قديم محدود المساحة. 

معظم هذه المدارس تفتقر إلى الحد الأدنى من الفضاء المناسب للصفوف والساحات لفترات الاستراحة، وإلى المرافق الرياضية والمختبرية والورش، وهي تعمل خلافا للضوابط والقوانين، لكنّها مستمرة منذ سنوات بموافقة منظمة إعادة بناء وتطوير وتجهيز المدارس المدارس، وبعبارة أخرى، فإنّ النتائج الضارة للاستراتيجيات الخاطئة لوزارة التربية والتعليم في توفير الفضاءات التعليمية والثقافية والرياضية والترفيهية للتلاميذ، لا تظهر فقط في المدارس الحكومية، بل تتجلّى أيضا في المدارس غير الحكومية التي تُنشأ بأموال خاصة. 

ضعف وعجز منظمة إعادة بناء وتطوير وتجهيز المدارس لا يقتصر على عدم توفير الفضاءات المطلوبة للمدارس الحكومية أو ضعف الرقابة على مباني المدارس غير الحكومية، بل يمتد أيضا إلى تصميم المدارس وفقا للمناخ، والظروف الإقليمية، والمرحلة الدراسية، والجنس. 

ففي الموقع الرسمي لهذه المنظمة وفي منشوراتها الأخرى لا تظهر نماذج أو مخططات أو تصاميم لبناء مدارس مثل المعاهد التقنية والمهنية، مدارس التعليم التطبيقي، المدارس الداخلية، والمدارس الابتدائية بمراحلها المختلفة، وغير ذلك.

Image

رغم الزيادات الكبيرة في ميزانيات بعض الهيئات، تبقى ميزانية التربية والتعليم في أدنى المستويات، ويُبرَّر ذلك بعدم كفاية الموارد لتجديد المدارس، لماذا تُمنَح الأولوية لقطاعات أخرى على حساب أمن الأطفال؟

للأسف، فإنّ هيكل ميزانية التعليم هو هيكل غير علمي، ولا يملك القدرة على تأمين الحد الأدنى من الاعتمادات، الوضع غير السويّ لميزانية التربية لا يقتصر على اعتمادات بناء المدارس، بل يشمل أيضا سداد رواتب ومزايا المعلمين، مخصصات المدارس الداخلية، ومخصصات طلاب الجامعات التربوية. 

ومن المؤسف القول إنّ نظام إعداد الميزانية في بلادنا لا يقوم على أساس المهام والواجبات الوطنية والأولويات، بل إنّ ما يحكمه هو السوابق السابقة وقوة النفوذ والقدرة على التفاوض والإقناع وعلاقات وتواصل مديري الأجهزة المعنية. 

وضع ميزانية التربية والتعليم يوضح أنّ الوزارة كانت ضعيفة في عرض مرافعاتها وإقناع مديري منظمة التخطيط والميزانية، ومن جهة أخرى، فإنّ الوزارة تُظهر كل شيء في التقارير الإعلامية والمقابلات على أنّه في أفضل حال، غافلة عن أنّ هذه التصريحات قد تُتَّخذ أساساً من قِبل مسؤولي التخطيط والميزانية عند تخصيص الأموال. 

وعليه، فإنّ أحد أسباب الوضع المالي المتردّي للتربية والتعليم هو تلك التقارير غير الحقيقية التي تُظهر الوضع على أنّه مثالي. تقارير عن نمو الميزانية وزيادة رواتب المعلمين وبناء المدارس تُقدَّم بطريقة تجعل المتلقي يظن أنّ كل شيء على ما يرام ولا يوجد نقص. 

وليس قليلا عدد الوزراء الذين حاولوا وما زالوا يحاولون عبر أرقام ناقصة وانتقائية ومخالفة للواقع أن يُظهروا أوضاع الوزارة مستقرة، وأن يثبتوا أنّهم كانوا أنجح من الوزراء والحكومات السابقة.

النظرة الخاطئة إلى مهام التربية والتعليم هي سبب آخر لنقص الاعتمادات المخصصة لبناء المدارس، فعندما تضع الوزارة في خططها إنشاء معاونيات اقتصادية، فهذا يعني أنّ مسؤوليها ليست لديهم رؤية صحيحة لمهام ومسؤوليات الوزارة. 

ففي القانون المصادق عليه عام 1955، أُنيطت مسؤولية توفير الفضاءات التعليمية والرياضية بشكل مشترك إلى وزارة التربية والتعليم ووزارة الداخلية، وكانت مجالس التربية المحلية، والمجالس البلدية، واللجان الخاصة، مسؤولة عن متابعة ورقابة عمل البلديات والأجهزة الحكومية في توفير الفضاءات التعليمية. 

لكن حاليا، تجاهلت الوزارة كل هذه الإمكانات والهياكل، وحاولت استغلال فضاءاتها المتاحة لتحقيق إيرادات، رغم أنّها لا تكفي أصلا لتلبية احتياجات المعلمين والتلاميذ، ومع أنّ الأنشطة الكشفية والرحلات المدرسية لها دور مهم للغاية في النمو الشامل للتلاميذ، فإنّ قدرة المخيمات الطلابية، التي أُدرجت بشكل خاطئ في قائمة إيرادات الوزارة، محدودة إلى درجة أنّ متوسط مشاركة التلاميذ في الرحلات الداخلية الليلية خلال 12 عاما من الدراسة لا يتجاوز مرتين!.

Image

بعض التقارير تكشف أن نصف مدارس إيران متهالكة، ومع تزايد احتمالات الكوارث الطبيعية فإن حياة التلاميذ، خاصة في المناطق المحرومة، مهددة في أي لحظة، لماذا إذن لم يحظَ ملف تهالك المدارس بالأولوية والاهتمام الكافي؟

إنّ تهالك المدارس تهديد خطير، لا ينفكّ يظهر بين حين وآخر مع انهيار سقف فصل دراسي هنا أو هناك، وضع المدارس المتهالكة يبيّن أنّ وزارة التربية لم تكن لديها خطة عملية فعّالة لتجديد أو إزالة هذه المدارس، كما أنّ الهيئات الرقابية، وبشكل خاص البرلمان الإيراني ، لم تتخذ إجراء مؤثرا ولأجل تأمين الفضاءات التعليمية وتحديثها والتخلص من المدارس المتهالكة، فإنّ الوزارة تحتاج، أكثر من أي شيء آخر، حتى أكثر من الميزانية الحكومية، إلى تغيير نهجها واستراتيجيتها. 

ويُظهر ضعف أداء الوزارة في تأمين الفضاءات المطلوبة، رغم المشاركة الواسعة والجديرة بالثناء من قبل المحسنين في بناء المدارس، أنّ هيكل التخطيط والميزانية في البلاد وقدرات منظمة إعادة بناء وتطوير وتجهيز المدارس وفق الصيغة الحالية، عاجزة عن تلبية الحاجات التعليمية، ولهذا لا بدّ للتربية والتعليم، وفقا للقوانين والتجارب المعمول بها منذ عام 1955، من الاستعانة بقدرات البلديات ومواردها المالية لتأمين الفضاءات التعليمية. 

إحالة مختلف صلاحيات مجالس التربية إلى منظمة المدارس غير الحكومية والنظرة الشكلية إلى تلك المجالس تُعَدّ أيضا من النهج الخاطئة التي أسهمت بشكل كبير في الوضع المتردّي للبناء المدرسي ووجود مدارس متهالكة.

في المحصلة، يمكن القول إنّ التجربة الممتدة لعقود، مع فشل الجهود في إزالة المدارس المتهالكة وغير الآمنة، تفرض إعادة مهمة بناء المدارس، كما كان سابقا، إلى البلديات والمجالس الإسلامية للمدن (المجالس البلدية) ومجالس التربية والتعليم في المحافظات، على أن تقوم وزارة التربية والتعليم بإبلاغها باحتياجاتها ومتطلباتها التعليمية والتربوية في هذا المجال.