خبير اجتماعي إيراني: إيران تواجه تحولا جوهريا في نهج الحكم

أجرت وكالة أنباء خبر أونلاين الإيرانية المحسوبة على مكتب علي لاريجاني، الإثنين 11 أغسطس/آب 2025، حوارا مع تقي آزاد أرمكي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة طهران، حول إمكانية تغيّر نهج السلطة في إيران بعد الحرب الأخيرة مع إسرائيل، وآفاق عودة إيران إلى الساحة الدولية، وفيما يلي نص الحوار:

ما هي النقاط التي تتضمنها تصريحات علي أكبر ولايتي حول ضرورة تغيير نهج الحكم الاجتماعي وجعل رضا الشعب محورًا لها بعد مرور أكثر من شهر على وقف إطلاق النار؟

لا أعرف إلى أي مدى سيظل مستشار المرشد الأعلى الإيراني للشؤون الدولية والسياسية علي أكبر ولايتي ملتزما بما يقوله، وإلى أي مدى سيكون هذا النقاش دائما وثابتا بالنسبة له؛ فولايتي كان يستطيع أن يفعل هذا الأمر منذ زمن بعيد، لأنه يلعب دورا رئيسيا في السلطة. 

وفي رأيي، إذا كان هذا الكلام صادرا حقا عن وعي وتأمل عميقين، فهو علامة على حدث كبير؛ حدث يجب أن نأخذ حسابه جيدا ونتأمل فيه، وأجد هذا الأمر مباركا وجيدا، وهو بالتأكيد يستحق الانتباه، وهذه قضية يجب أن نفكر فيها كثيرا، ونزيد من اهتماماتنا، ونعامل كلام ولايتي بجدية أكثر مما كان موجودا حتى الآن.

فما أشار إليه ولايتي يتضمن نقاطا رئيسية عدة، أولا، تغيير النهج، وهو نهج اجتماعي للحكم يركز على رضا الشعب، وهذا يعني التخلي عن الطرق السابقة واعتماد أساليب جديدة يمكنها تنشيط المجتمع، وإرضاء الناس، وكسب تأييدهم، وفي النهاية تحديد شكل المرحلة التي تلي الحرب.

هذا هو بالضبط ما يريده المجتمع المدني، والأفراد، والمفكرون، والنقاد، فرسالتهم أن يأخذ الحاكمون في الاعتبار المجتمع واحتياجاته، وأعتقد أنه إذا تحقق هذا، فسيحدث تحول كبير في إيران.

برأيك ما الذي دفع ولايتي للإدلاء بهذا التصريح؟

إن جزء من النظام السياسي وصل إلى مأزق داخلي، وسبب هذا المأزق هو أن هذا الجزء يتحدث فقط مع نفسه، وفقد القدرة على الحوار مع المجتمع.

فلقد شهدنا في الفترات السابقة أن تدخل السلطة في بعض المجالات أدى إلى اضطراب في تلك المجالات، كالجامعة، والسوق، والأسرة، والثقافة، ومن الطبيعي أنه إذا حدث تغيير، فلا يجب على السلطة أن تستمر في استخدام الأساليب القديمة، بل يجب أن تتجه نحو أساليب جديدة.

ما هي خصائص هذا النهج الجديد؟

ليس الحكم هو الذي يحدد الأساليب الجديدة، بل المجتمع هو من يطالب بها.

أين تتجلى هذه الأمثلة؟ مثل الفلترة ووسائل الإعلام؟

لم يعد الأمر مجرد تغيير في وسائل الإعلام أو رفع الفلترة، فعندما يتغير النهج، قد يبقى رئيس وسائل الإعلام في منصبه، لكنه لن يستطيع أداء الأعمال السابقة كما كان يفعل، والفلترة قد تبقى ظاهريا، ولكنها ستفقد معناها وأهميتها، وستصبح هذه القضايا من الماضي.

وهذا الأمر يشبه قيادة السيارة إلى الخلف بحذر وبسرعة منخفضة ولمسافة قصيرة، أما عند التحرك إلى الأمام فتكون السرعة أعلى ويمكن قطع مسافات أطول، فمع التحرك إلى الأمام، لن تبقى وسائل الإعلام كما هي الآن، ولن يكون للفلترة نفس الأهمية، ولن تبقى الجامعة على حالها.

وهذا لا يعني حدوث تغييرات غريبة أو مفاجئة، بل إن الأمور التي يصعب تنفيذها الآن ستصبح أسهل، ونرى الآن في تعامل وسائل الإعلام أن الخبراء يُدعون وتُصرف عليهم أموال، لكن العمل يتقدم بصعوبة لأن هؤلاء الأشخاص يفتقرون إلى القدرة على فهم القضايا ويكررون الأفكار الأيديولوجية الجامدة.

وعندما يحدث التغيير، تبقى البنية نفسها، ولا تتغير الآليات الإدارية والتنظيمية، بل يتغير المحتوى، فالمحتوى هو ما يحدث خلف الكواليس ويتحكم به العاملون في وسائل الإعلام، وأولئك الذين يعارضون أو ينتقدون أو يعترضون. 

لكن قوى المجتمع تأتي وتحدث تحولا في الأدوار، وهذا التغيير يشمل الجامعة والاقتصاد والسياسة وكل المجالات، والأهم فيه هو إعادة تنظيم العلاقة بين المجموعات الاجتماعية بعضها ببعض وبينها وبين الدولة، ويجب أن يحدث تغيير جوهري في موقع المجتمع والدولة، وحاليا، المجتمع في الأسفل ونظام الحكم في الأعلى، في حين يجب أن تكون هذه العلاقة متكافئة.

إن بعض الناس يرون المجتمع من الأعلى ومن موقع منخفض، ويعتقدون أن الدولة في الأعلى، وهم يظنون أنه إذا تغيرت الدولة قليلا، فإن مكانتها ستظل محفوظة، بينما في الواقع يجب أن يحدث تغيير في الموقع نفسه.

ويجب أن تكون الدولة متساوية تماما مع المجتمع، وبعد ذلك تكون العلاقة بينهما تفاعلية، ويتبادلان رأس المال فيما بينهما، وما ينظم علاقة الدولة بالمجتمع هو الديمقراطية؛ فالديمقراطية تضع أدوات في يد المجتمع والدولة بحيث لا تستطيع الدولة تكرار أخطائها باستمرار، وتتمكن من تحسين نفسها، ويرتقي المجتمع أيضا، وفي هذا الارتقاء التفاعلي بين الدولة والمجتمع يمكن للنظام الاجتماعي الإيراني ككل أن يحقق الرقي.

لكن الديمقراطية لا معنى لها في الأجواء الإيديولوجية؛ ففي هذه الأجواء، كل شيء محدد مسبقا ولا حاجة للديمقراطية، وعلى سبيل المثال، إن التوجهات الأصولية الراديكالية في إيران لا تطلب الديمقراطية إطلاقا، ولا تريد مشاركة الناس، لأن كل شيء واضح لديهم ضمن مجموعة من اللوائح والمبادئ والقواعد المحددة مسبقا.

لكن عندما ندخل إلى المجتمع، تُهمش الإيديولوجيات، وتصبح الثقافة هي الأساس، فالثقافة هي التي تحدد المواقع والقوى الاجتماعية، وبعدها، تظهر الديمقراطية لتلعب دورها، لأن جوهر الفعل الاجتماعي – وأعني به في عملية التنمية – هو في هذا الإطار الذي يمكن أن تتأسس فيه الديمقراطية.

ماذا سيحدث إذا لم تحدث التغييرات التي تتحدث عنها؟

سوف نصل إلى مأزق جديد.

المأزق في أي مكان؟

المأزق في النظام السياسي، لقد ناقشت هذا بالتفصيل في كتبي المجتمع الإيراني، والمجتمع الوعر، حيث يواجه المجتمع الإيراني في العصر الحديث ازدواجية بين ازدهار المجتمع المدني وضعف النظام السياسي، ونحن الآن نشهد هذا الوضع.

وعندما يسعى نظام سياسي ضعيف إلى تحقيق إنجازات كبيرة، فإنه غالبا ما يُحدث فوضى، مثل طفل أو مراهق يحاول رفع وزن 100 كيلوغرام ولا يستطيع، وإذا تمكن من رفعه قليلا، يسقط على قدميه.

ونحن الآن في مثل هذا الوضع، لدينا نظام سياسي ضعيف يحاول تغيير العالم، ولكنه في هذه العملية يجرح نفسه، فخلال الحرب رأينا حقا أن المجتمع القوي هو الذي أنقذ إيران، والمجتمع هو الذي رفع صوت إيران، وعبر عن أفكار إيران، وهمس بأصوات إيران، وفي هذا الصوت، لم يُنكر الدين، ولم يحدث تعارض مع الله أو التاريخ أو الثورة، وكان ذلك حدثا غريبا جدا، وهذا هو المفهوم الذي خرج من المجتمع المدني القوي.

ما هي أبعاد ضعف النظام السياسي وكيف يظهر هذا الضعف في تعامله مع المجتمع؟

حضر ممثلو القوى الاجتماعية المتنوعة وساهموا في تفادي انهيار وتفكك شاملين، وتُعد هذه المرحلة زمنا حاسما لاتخاذ القرار، حيث تواجه إيران الآن ضرورة اتخاذ قرار مهم.

في شأن ماذا يجب أن يُتخذ القرار؟

إن القرار يتعلق بالكثير من الأمور؛ وبكل تلك الأمور، لكن هذه القرارات تصبح ممكنة عندما تعيد علاقتها مع العالم إلى نصابها؛ أي العودة إلى المجتمع العالمي، ويجب أن نعود إلى العالم، ليس لنصبح غربيين أو شرقيين، بل لنعود إلى حياتنا ونعيش حياة عالمية، ولا أقول إن كل شيء سيتحسن بمجرد حدوث ذلك، لكن قضايا وتحديات مثل عملتنا واقتصادنا ستخرج من حالة الغموض.

وحاليا نواجه مأزقا بسبب غياب التواصل الفعّال مع العالم، ولنتجاوزه، يجب فتح الأبواب لتدفق الهواء بين إيران والعالم، بحيث لا يقتصر التمثيل الإيراني على المعارضين فقط، بل يشمل المجتمع بقدراته، وبتشكيل هذا الرابط، يمكن حل 70-80% من مشاكل إيران، بينما يتولى المسؤولون المنتخبون ديمقراطيا معالجة الباقي.

ولقد تحدثت في حواراتي السابقة عن التماسك الاجتماعي؛ وهو تماسك أكثر عاطفية وانفعالية، وبالطبع، يمكن أن يكون أساسه هذا الشعور والتاريخ العاطفي؛ وهذا ما جعل في الحرب أشخاصا لم يكن متوقعا منهم أن يدافعوا عن إيران ويواجهوا الحرب ويخرجوا إلى الساحة.

وكانت التحليلات السائدة قبل الحرب تشير إلى أن كل من خارج السلطة يُعتبر أولا معارضا لها، وثانيا ضد إيران، والإسلام، والثقافة، والتاريخ، وأخيرا مدافعا عن الغرب وينتظر التدخل الأجنبي للإطاحة بالحكومة.

وهذه التصورات والتحليلات انهارت مع هذا التماسك العاطفي والانفعالي، وهذه نقطة مهمة جدا، فقد قرر الإيرانيون، على الأقل الأغلبية منهم، ألا يكونوا أداة بيد الأجانب للتغيير.

فهم يمتلكون خبرة تُشير إلى أن تدخل الأجانب في تغيير الأنظمة أدى إلى تأخير التنمية لعقود طويلة، ففي فترة انتقال الحكم من القاجاريين إلى البهلوية، انهارت الأسس الاجتماعية والثقافية، وقُمعت البرجوازية الوطنية لصالح البرجوازية العالمية التي مثلتها البهلوية، مما أدى إلى تدمير البرجوازية الوطنية وعجزها عن التعافي نتيجة سيطرة البرجوازية العالمية.

ويمتلك الشعب الإيراني شعورا عميقا بالتماسك حافظ عليه على مر التاريخ، وقد ازداد هذا التماسك قوة خلال الحرب الحالية، حيث أدرك الإيرانيون قيمة هذه الثروة التي ربما كانت غائبة عن اهتمامهم سابقا، في حين تمسكت بها بعض القوى الأجنبية التي اكتسبت صوتا واضحا، كما برزت شخصيات بارزة دافعت عن الهوية الإيرانية، مثل ظاهرة فروهر التي ظهرت في هذه الفترة الصعبة.

ومن ناحية السلطة، أي انهيار أو اضطراب في الديمقراطية يعود إلى عاملين، الأجنبي والسلطة نفسها، فالحكومات في إيران ليست أدوات للديمقراطية والتنمية، بل تم تصميمها لتكون أكثر سلطوية، مما يعطل مشاريع الإصلاح والتنمية، وخلال الـ120-130 عاما الماضية، كانت الحكومات تعيق الإصلاحات بتلاعبها بالانتخابات وتحريف مسارات التنمية ومنعها لترتيب الحياة الحديثة.

ما هو تأثير هذه المسألة على التماسك الاجتماعي؟
في الواقع، الحكام ونظام الحكم هم أنفسهم من يسببون الاضطراب ويؤذون التماسك؛ فالتغيير الذي بدأ من داخل إيران لا يقبل مشاركة الناس، ولا ظهور المجتمع المدني ولا بروز القوى الاجتماعية الجديدة.

والآن، نفس القوى التي كانت تدافع عن الحرب، جاءت اليوم لتشرح وقف إطلاق النار، وأعتقد أن هذا قد يزعج المجتمع، وربما يؤدي إلى تقليل التماسك الاجتماعي.