- زاد إيران - المحرر
- 459 Views
ترجمة: سارة شعبان المزين
أجرت صحيفة «وطن امروز» الإيرانية، الأحد 21 سبتمبر/أيلول 2025، حوارا مع الخبير الاقتصادي أبو الفضل حاجي زادة حول واقع أداء الجمعيات التعاونية في الاقتصاد الإيراني، ودورها المحدود حاليا مقارنة بالأهداف القانونية، وفرص تعزيز مساهمتها في التنمية الاقتصادية.
وفي ما يلي نص الحوار:
هل يمكنك في البداية أن تقدّم شرحا أساسيا حول التعاونيات؛ ما طبيعتها بالضبط وما الفرق بينها وبين باقي المؤسسات الاقتصادية؟
يعود أول نماذج التعاونيات إلى بعض المجتمعات في أوروبا الشرقية، وتقوم فكرتها الأساسية على مبدأ مغاير لما هو سائد في المؤسسات الخاصة، حيث يحصل مالك رأس المال على الأرباح كاملة بينما تقتصر حصة العاملين على الأجور فقط. في المقابل، تتيح التعاونيات للعاملين الحصول على جزء من الأرباح ضمن إطار منظم، بل وأن تكون حصتهم فيه أكبر.
هذا القلق العام هو الذي أسهم في ظهور أشكال مختلفة من التعاونيات، لكن يمكن تلخيص الأمر بالقول إن الفكرة العامة للتعاونية تكمن في منح القوة العاملة نصيبا أكبر من أرباح المؤسسة.
وفي نظم إدارة المؤسسات الحديثة، يُسعى إلى فصل الملكية عن الإدارة والتنفيذ؛ فالملكية، وأوضح مثال عليها البورصة، هي أن تصبح مساهما في بعض الشركات وقد يكون لك دور مؤثر في مجلس إدارتها، أما الإدارة وتتضمن المدير التنفيذي وفريقه الذي يُنتخب لإدارة المؤسسة بأفضل صورة ممكنة، والتنفيذ فيقع على عاتق العاملين والقوى العاملة. فكرة التعاونية تكمن في دمج هذه العناصر الثلاثة معا.
ومن الجدير بالذكر أن هذا المفهوم الخاص بالتعاونية ودمج هذه العناصر الثلاثة قد طُرح في نوع محدد من التعاونيات الذي حظي باهتمام الثورة الإسلامية وربما واضعي الدستور الإيراني.

كيف تقيم سجل وتاريخ التعاونيات في إيران؟ وهل يمكنك أن تذكر لنا بعض الأمثلة الناجحة والفاشلة منها؟
إذا أردنا الحديث عن أمثلة ناجحة للتعاونيات، بدءا من التجارب العالمية، فلا بد من التأكيد أن فكرة التعاونيات ليست وليدة إيران فقط، بل توجد تعاونيات بارزة على مستوى العالم، مثل ألمانيا والمملكة المتحدة، حيث تلعب التعاونيات الاستهلاكية دورا مهما وفعالا.
يوجد نوعان أساسيان من التعاونيات: تعاونية استهلاكية وتعاونية إنتاجية فالتعاونية الاستهلاكية تقوم على تجميع مجموعة من المستهلكين لتقليل تكاليف الشراء الجماعي، سواء عبر الاستغناء عن أرباح الوسطاء أو تقليل مصاريف النقل، بهدف خفض أسعار السلع وفي ألمانيا وبريطانيا توجد تعاونيات سكنية ضخمة تضم ملايين الأعضاء، ولا تزال تعمل بنشاط وحيوية.
أما التعاونيات الإنتاجية، فهناك أمثلة بارزة في الهند، حيث تتحمل التعاونيات مسؤولية جزء كبير من إنتاج الألبان، بمشاركة ملايين الأعضاء الذين يسهمون في هذا القطاع الحيوي.
أما في إيران، فقد تكون القدرة الإنتاجية وعدد أعضاء التعاونيات أقل مقارنة بالعديد من الدول، سواء من حيث مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي أو على المستوى المطلق عالميا.
ومع ذلك، تبرز إيران عالميا من حيث عدد التعاونيات المسجلة، إذ تحتل المرتبة الأولى عالميا فغالبية القرى تمتلك تعاونيات، سواء كانت ريفية أو رعوية، وغيرها من أشكال التعاونيات.
وهناك العديد من الأمثلة الناجحة والفاشلة في هذا المجال ومن الأمثلة غير الناجحة، نجد التعاونيات المرتبطة بالهيكل الرسمي للدولة والتي تحولت إلى مجرد أدوات لتوزيع الدعم الزراعي، مثل التعاونيات الريفية، التي أصبحت موزعة للمواد الزراعية بدلا من أن تكون تعاونيات قائمة على المبادرة الشعبية والعمل الجماعي.
وبعد الحرب الإيرانية العراقية ودمج وزارة التعاون مع وزارة العمل والرفاه الاجتماعي، أصبحت بعض التعاونيات جزءا من البيروقراطية القائمة، مع ضعف كبير في الكفاءة وقد تحمل هذه التعاونيات اسم “تعاونية”، لكنها تفتقر إلى الفلسفة الحقيقية للتعاونيات كما نتصورها.
أما من الأمثلة الناجحة، فتبرز تعاونية ريفية “شبهانغ” في مدينة شهریار، التي استطاعت بفضل دعم المجتمع المحلي والإدارة الجيدة، إنشاء مجموعة من الفنادق وملعب رياضي بسعة 12 ألف متفرج، بالإضافة إلى تقديم خدمات دعم فعالة للمزارعين، وتسعى حاليا لإطلاق متجر إلكتروني لبيع منتجات المزارعين في المنطقة، مع تزايد عدد الأعضاء بشكل مستمر.
كما تعد التعاونية البدوية في كرمسار مثالا ناجحا في مجال المستلزمات الحيوانية، حيث طورت من مستوى التكنولوجيا والمعدات المستخدمة لديها
وتشكل مجموعة “بكاه” نموذجا رسميا مسجلا في إطار هيكل تعاوني.
ومن الأمثلة الشعبية الحديثة، يمكن الإشارة إلى تعاونية “خليلآباد” التي نجحت في إنشاء محطة للطاقة الشمسية.

كيف تقيمون وضع التعاونيات في إيران، خاصة مع وجود درجة كبيرة من عدم الكفاءة، رغم ذكر بعض النماذج الجيدة التي تفتقر للإنتاجية؟
أولا، التشخيص العام يكمن في أننا، من حيث العدد، ربما نمتلك أكبر عدد من التعاونيات، لكن من الناحية العملية، عدد النماذج التي تُدار فعليا بشكل تعاوني حقيقي قليل جدا وهناك عدة مشاكل، أبرزها أن بعض الكيانات تُسجَّل تحت مسمى “تعاونية” لكنها لا تمت للفهْم الأصلي للتعاونية بصلة.
من الأمثلة على ذلك، التعاونيات الريفية التي تعمل كممثل للحكومة في توزيع السلع المدعومة للقطاع الزراعي وغيرها في القرى؛ مثل توزيع المبيدات الزراعية والأسمدة المدعومة أو أي سلع أخرى كثير من هذه التعاونيات تؤدي إلى عدم الكفاءة، إذ لم تعد حركة شعبية صادرة من القاعدة نحو الأعلى، بل أصبحت ظاهرة إدارية بحتة، ويلاحظ فيها مستوى عدم الكفاءة ذاته الموجود في البيروقراطية والإدارات الرسمية.
في بعض القطاعات التي تعاني من ازدحام التعاونيات، نجد أن بعض هذه التعاونيات كانت مجرد غطاء لشركات مقاولات، بهدف الفوز بالمناقصات الحكومية هذا الغطاء، الذي استغل تساهل تعريف مشاريع المقاولات، مكّن المقاولين الأقل كفاءة من الحصول على المشاريع، دون أي علاقة بالفكرة الأصلية للتعاونية.
كثير من حالات الفشل تتعلق بهذه الشركات التي سجلت الناس كأعضاء في التعاونيات لكنها تركت المشاريع نصف مكتملة، لأن هدفها الأساسي كان الربح الشخصي، وليس توزيع الأرباح على أعضاء التعاونية.
في هذه الحالات، يجب تطبيق معايير صارمة عند تأسيس التعاونيات لضمان اختيار الكيانات الحقيقية.
من خلال المراقبة الميدانية في مشروع “الحركة الوطنية للإسكان”، حيث وُضعت معايير أكثر صرامة، شاهدنا تنفيذ المشاريع بأعلى جودة وبأقل تكلفة وبأسرع وقت ممكن؛ وكان حجم المشاريع محدودا نحو 30 ألف وحدة.
على سبيل المثال، في مدينة جناباد، تعاونيات حقيقية شكّلها السكان المحليون استطاعت تنفيذ المشاريع بسرعة فائقة، وكذلك في سيستان وبلوشستان، حيث بُنيت نحو 3 آلاف وحدة في مدينة زاهدان بواسطة تعاونيات مختلفة.
أما الفئة الثالثة من المشكلات، فتتعلق بأسلوب التشريع القائم، الذي استخدم أدوات اقتصادية لترويج التعاونيات، لكنها أدت إلى تسجيل كثير من الأفراد لشركاتهم الخاصة تحت مسمى تعاونية للاستفادة من الإعفاءات الضريبية والتشجيعات الحكومية.
لذا، كثير من التعاونيات المسجلة هي في الواقع شركات خاصة، ما يدل على ضرورة إصلاح الأدوات والسياسات التشجيعية إذا لم تُصحح هذه الأمور، سيستمر الوضع ذاته، حيث يؤدي إلى تقليص عدد التعاونيات الحقيقية ويجعل من التعاونية مجرد غطاء للشركات الخاصة.

في الوقت الحالي، ما هي اقتراحاتكم الإصلاحية لتحسين حوكمة هذا القطاع؟ هل ترون أن الإصلاحات القانونية أكثر فاعلية، أم أن تحسين الإدارة ونوع الدعم المقدم أهم؟
سأقسّم الحلول إلى عدة محاور.
في المحور الأول، يجب أن نقبل هذه الحقيقة الأساسية: «التعاونية وتأسيسها في جوهرها اتفاق اجتماعي بين مجموعة من الأفراد» بمعنى أن بعض الأشخاص يجب أن يقرروا إنشاء منشأة اقتصادية بإدارة خاصة، وتوزيع الأرباح وفق عقد يختلف عن الشركات الخاصة.
لذلك، طالما لم تتغير البنية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية للناس، فإن الكثير من الأدوات القانونية والسياسية تتحول إلى نتائج عكسية، حيث تُستوعب هذه المنشآت ضمن نموذج الشركات الخاصة، ويصبح سوء الاستغلال أمرا محتملا.
لذا، نحن بحاجة إلى تغيير اجتماعي حقيقي بين الناس ليتمكنوا من صياغة عقود اقتصادية وفق هذا الشكل ومن خلال هذه العلاقات ومن هذا المنطلق، يمكن أن يكون خلق نماذج ناجحة صغيرة في مختلف أنحاء البلاد وإبرازها أمرا بالغ الأهمية ومن الضروري أن نركز أكثر على الدعم التنفيذي والإداري بدلا من الاعتماد على الدعم القانوني والسياسي فقط، وهذا هو الأمر الأهم الذي يجب النظر إليه عند رسم المسار.
المحور الثاني، أننا لم نستفد بالشكل الأمثل من القدرات القانونية والسياسية القائمة وفقا للمادة 44 من الدستور، هناك ثلاثة أنواع من المنشآت: حكومية، خاصة، وتعاونية، حيث ذُكر أن القطاع الخاص فرع عن التعاوني.
كما أن السياسات العامة للمادة نفسها أكدت على ضرورة أن تكون 25٪ من اقتصاد البلاد تحت إدارة التعاونية، إلا أننا لم نتحرك بسرعة نحو ذلك فإذا أراد المدير التنفيذي أو السياسي للدولة أن يلعب دورا أكثر فعالية في هذا القطاع، يمكنه أن يعمل ضمن نفس الإطار القانوني، من خلال خلق نماذج ناجحة لتحويل الشركات الحكومية إلى تعاونيات، حيث تُمنح غالبية ملكية هذه الشركات للعمال والموظفين الحاليين هذه الخطوة يمكن أن تخلق نماذج ناجحة تعيد إحياء فكرة التعاونية في البلاد.
المحور الثالث، أن القانون الحالي، الذي غالبا ما أدى إلى سوء استغلال أدوات التشجيع السياساتي، بحاجة إلى إصلاح بناء على الخبرة وتحليل الأضرار خلال السنوات الماضية، يجب سد الثغرات التي استغلها القطاع الخاص الظاهر فقط، وخلق أدوات تشجيعية حقيقية لتعزيز ثقافة التعاونية في البلاد، وهو موضوع يستحق دراسة بحثية منفصلة.
المحور الرابع، عملي ودقيق، يتعلق بالنموذج الناجح في خليلآباد، مع تخصيص الحكومة 7 مليارات دولار من صندوق التنمية الوطني لاستيراد الألواح الشمسية ويمكن تخصيص هذا التمويل لإنشاء مشاريع تعاونية صغيرة للألواح الشمسية، التي تتطلب مساحة محدودة ويمكن تنفيذها بمشاركة السكان.
هذا التعاون مع الناس يمكن أن يخلق نموذجا تعاونيا واقعيا، ما يساهم في حل مشكلة اختلال الطاقة الحالية وتعزيز الهياكل التعاونية.

