عودة العقوبات.. اختبار جديد لصمود الاقتصاد الإيراني

نشرت صحيفة “إيران“، الأحد 21 سبتمبر/أيلول 2024، في تقرير لها، أن التوترات المتصاعدة داخل مجلس الأمن أعادت ملف العقوبات على طهران إلى الواجهة، وسط حديث عن تفعيل “آلية الزناد” وما قد تحمله من تبعات على الاقتصاد الإيراني. وأوضحت أن النقاش لم يعد يقتصر على البعد السياسي فحسب، بل امتد ليشمل مستقبل صادرات النفط، وحركة المدفوعات الدولية، وفرص تكيف القطاع الخاص مع المرحلة المقبلة.

عودة العقوبات

ذكرت الصحيفة أن يوم 28 سبتمبر/أيلول طُرح مشروع قرار من قِبل رئاسة مجلس الأمن الدورية بشأن استمرار إلغاء القرارات التحريمية على إيران للتصويت، لكنه لم يُعتمد في النهاية بعد حصوله على 9 أصوات ضد، و4 أصوات مؤيدة، وامتناع عضوين عن التصويت. 

وأضافت أن نحو أسبوع ما زال متبقيا حتى انتهاء المهلة الخاصة بعودة العقوبات، ولا يزال بالإمكان التوصل إلى اتفاق يمنع عودتها.

وتابعت أن مركز الأبحاث التابع للبرلمان الإيراني كان قد أوضح في تقرير سابق تداعيات “آلية الزناد” على الاقتصاد الإيراني، مشيرا إلى أن العبء “النفسي” لتفعيل آلية الزناد أكبر بكثير من تأثيراتها الواقعية، وأوضحت أن التقرير الحالي يسعى أيضا للإجابة عن بعض التساؤلات المهمة في هذا المجال.

Image

صادرات النفط الإيرانية 

وذكرت الصحيفة في هذا السياق أن السؤال المطروح هو: هل ستتوقف صادرات النفط الإيرانية بالكامل؟ وأجابت بالنفي، موضحة أن منحنى الإنتاج والتصدير يبيّن أنه منذ عام 2010، أي عند صدور القرار 1929 (أثقل قرار أممي ضد إيران)، وحتى مطلع عام 2012، ظل إنتاج وبيع النفط الإيراني ثابتا مع مبيعات تتجاوز مليوني برميل يوميا.

 وأضافت أن العقوبات الأحادية الأميركية فرضت منذ 2012 ضغوطا أكبر على مبيعات النفط، وهي العقوبات التي أعيد فرضها بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، لكنها اليوم باتت أقل تأثيرا.

وأوضحت أن آلية الزناد في الواقع لا يمكنها فرض قيود أشد مما أوجدته العقوبات الأميركية على بيع النفط الإيراني، وأن الترويج الإعلامي من قِبل وسائل الإعلام الأجنبية في هذا الخصوص غير صحيح إلى حد كبير.

 وتابعت أن وزير النفط محسن باك‌نجاد كان قد ذكر سابقا: «ليس من المقرر أن تكون هذه العقوبات أشد مما فرضته قيود وزارة الخزانة الأميركية».

تأثير العقوبات

ذكرت الصحيفة أن تفعيل آلية الزناد لا يؤدي إلى وقف المدفوعات المالية الدولية، وأوضحت أن الشواهد خلال فترة 15 عاما تظهر أن واردات إيران، رغم العقوبات الأممية الثقيلة، لم تتراجع فحسب، بل شهدت في بعض الحالات زيادة، في حين أن العقوبات الأحادية الأميركية باتت إلى حد كبير بلا تأثير فعلي.

وأضافت أن مسار واردات إيران من عدة دول أوروبية وآسيوية يبيّن أنه منذ عام 2010، أي بعد صدور القرار 1929 (أشد قرارات الأمم المتحدة ضد إيران)، وحتى مطلع عام 2012، بقيت الواردات إما مستقرة أو متزايدة. 

وتابعت أن ما بعد 2012 كان لتلك العقوبات أثر سلبي في بعض الحالات على الواردات الإيرانية، بينما لم تؤثر في حالات أخرى.

وأوضحت أن نص القرار 1929، وهو آخر وأقسى قرارات مجلس الأمن ضد إيران، لم يتضمن أي بند يمنع بيع النفط الإيراني، ولم يفرض سقفا لصادرات النفط، ولم يفرض عقوبات على البنك المركزي الإيراني تعيق عمليات التبادل المالي والنقدي.

وتابعت الصحيفة بالإشارة إلى قضية تفتيش شحنات إيران، مؤكدة أن ذلك ممكن ولكن بشروط صارمة. وذكرت أن القرار 1929 لم يُلزم الدول بعمليات التفتيش البحري ضد الشحنات الإيرانية، بل جعلها مشروطة بوجود معلومات موثوقة، وهو أمر يصعب الحصول عليه بسهولة.

 وأضافت أنه منذ بدء تنفيذ القرار عام 2009 وحتى دخول الاتفاق النووي حيّز التنفيذ عام 2015، لم يُسجّل أي حادثة توقيف لشحنات إيرانية في البحار، ما يبرهن أن الدول عمليا لم تنفذ هذه البنود من القرار.

Image

الشركات والأعمال الناشئة

ذكرت الصحيفة أنه بعد الإجابة عن أسئلة مهمة تتعلق بالاقتصاد الكلي ومدى تأثره بتفعيل آلية الزناد، يبرز سؤال آخر حول وضع القطاع الخاص، وكيف يمكن للشركات والأعمال الناشطة أن تتكيف مع الظروف الجديدة.

وأضافت أن غرفة التجارة والصناعة والمعادن في طهران تناولت هذا السؤال في تقرير لها، وقدمت جملة من الحلول للقطاع الخاص بوصفها «أدوات للتكيف والصمود». وأوضحت أن أول هذه الحلول يتمثل في إنشاء وتشغيل «نظام مالي وتجاري موازٍ» يقوم على أسس غير غربية.

وتابعت أن التقرير اقترح أن تضطلع غرفة التجارة بدور الوسيط والمسوّي من خلال إطلاق «منصة للمقايضة الرقمية» بين الشركات الإيرانية وشركائها التجاريين في دول الجوار مثل جورجيا وتركيا والعراق.

 في هذا النموذج، لا تُجرى أي عمليات تحويل مالي مباشر، بل تُقوَّم قيمة السلع والخدمات المتبادلة ويجري توازنها، كما أوصى التقرير بأن تبادر الغرف التجارية على الفور إلى تشكيل فريق عمل خاص بـ«رصد المؤشرات الاستراتيجية» لمتابعة الإشارات التحذيرية للسيناريوهات المختلفة بشكل مستمر، وتقديم تقارير منتظمة للأعضاء، إضافة إلى تشكيل فريق متخصص لتصميم وتنفيذ تجريبي لهذه «منصة المقايضة» مع دولة أو دولتين من دول الجوار.

وأوضحت الصحيفة نقلا عن التقرير، أن التحدي الناشئ عن آلية الزناد، رغم كونه غير مسبوق، لا ينبغي اعتباره نقطة النهاية، وأشارت إلى أن الحكومة يجب أن تعتبر نفسها ملزمة ومتعهدة بإعطاء الأولوية لإلغاء كامل وسريع للعقوبات، بما يفتح طريق التنمية أمام إيران داخل شبكات الاتصال العالمية.

وأضافت أن التاريخ الاقتصادي العالمي مليء بأمثلة تحولت فيها الصدمات الخارجية الكبرى إلى محفز لإصلاحات هيكلية وإعادة ابتكار نماذج التنمية.

 ورأت أن التوجه الإجباري نحو استراتيجية إقليمية، إذا نُفذت بشكل مدروس وذكي، قد يشكّل فرصة تاريخية لإيران لاستغلال ميزاتها الجيوسياسية الفريدة، وإقامة علاقات أعمق وأكثر استقرارا مع جيرانها، وصولا إلى بناء اقتصاد وطني أقوى وأكثر اعتمادا على الذات، وأكثر قدرة على مواجهة الاضطرابات العالمية.

وتابعت أن هذه الأزمة تمثل اختبارا للإرادة والذكاء الجماعي للقطاعين العام والخاص في إيران، نجاحه قادر على إعادة رسم مسار التنمية لعقود مقبلة، وأكدت أن الاستعداد اليوم هو مفتاح تحويل هذا التهديد الوجودي إلى فرصة للتحول.

واختتمت الصحيفة بالتشديد على أن تبنّي استراتيجيات لمواجهة تفعيل آلية الزناد لا يعني غياب تأثيرها على الوضع الاقتصادي للبلاد، بل يعني إمكانية إدارة تبعاتها أو التخفيف منها عبر تعزيز القدرة على الصمود.